الأحد، مايو 24، 2009

الكتاب الأخير لفوكوياما

الغزو الأمريكي للدول من أجل :

بناء الدولة، أم أسباب أخرى ؟


يحاول فوكوياما تبرير تدخّل الولايات المتحدة، و غزوها لدول أخرى، خارج إطار حماية حقوق الإنسان، فيقول " .. و المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة هي أن الحكومات الفاشلة قد تخلق تهديدات أمنية لا يمكن قبولها، على صورة إرهابيين يمتلكون أسلحة الدمار الشامل . و بعض الناس يميلون إلى التمييز الحاد بين أمرين : تدخّلات من أجل إشاعة حقوق الإنسان في دولة ما، و بين التدخّلات لمنع التهديدات الأمنية لدول أخرى، قائلين أن الحالة الأولي فقـط هي التي تستند إلى أسس شرعية في انتقاص سيادة دولة ما . هذه التفرقة تثير التساؤل لأنّها تفترض أن الدفاع عن الذات، يكون ـ بشكل ما ـ أقل شرعية من الدفاع عن الآخرين .." . و يحاول فوكوياما بهذا، أن يبرر غزو الولايات المتحدة للعراق .
تحت غطاء شبه أكاديمي، يحاول فوكوياما أن يناقش إقحـام الولايات المتحدة نفسها في شـئون الدول الأخرى، و حملاتها العسكرية المتعاقبة، في جميع أنحاء العالم، باعتباره سعيا منها إلى إعادة بناء تلك الدول، بما ينفعها و ينفع العالم .
و هذه مغالطة لا تجوز على أحد، فأدبيات جماعة " المحافظون الجدد "، التي كان فوكوياما يشكّل أحد أهمّ دعاماتها، تحدد الأهداف الأمريكية بوضوح كامل . و لعل خير ما يوضّح هذا، ما جاء في أحد الدراسات الحديثة للبنتاجون الأمريكي، حول السعي إلى بيئة مستقبلية آمنة للشرق الأوسط، و التي تحدد ترتيب أولويات مصالح أمريكا في نشاطها العسكري في منطقتنا كالتالي :
· مواجهة الإرهاب : و قد احتلّ هذا الهدف مكان الصدارة بعد أحداث هجوم 11 سبتمبر . و بالإضافة إلى تسمية تنظيم القاعدة باعتباره الخصم الأكبر، و إيران باعتبارها الهدف التالي، لمساندتها القوى المتطرّفة، مثل حزب الله و التنظيمات الفلسطينية الإسلامية التي تهدد إسرائيل .
· مواجهة أسلحة الدمار الشامل : أينما وجدت، لما فيها من تهديد لشركاء الولايات المتحدة في الخليج، و لإسرائيل، و للقوات الأمريكية المنتشرة في قواعدها بالمنطقة .
· إمدادات و أسعار بترول مستقرّة : و تقول الدراسة أن الخليج يعتبر بصفة خاصّة منطقة حيوية لأمريكا . و تلقي الدراسة الضوء على أولويات الولايات المتحدة بالنسبة لبترول المنطقة في السنوات العشر القادمة، فتتكلّم عن بترول السعودية الذي يشكّل ربع مخزون العالم . و تتكلّم عن العراق، التي يبلغ رصيدها ـ بوضعه الحالي ـ 10% من الرصيد العالمي . و تقول أنه من الممكن مضاعفة بترول العراق بسهولة، إلى ثلاثة أضعاف الإنتاج الحالي، في وجود الاستثمارات الأجنبية الكافية .
· ضمان استقرار النظم الصديقة : بعد حرب الخليج الأولى، ضمنت الولايات المتحدة ـ و أحيانا فرضت ـ روابط أمن مع السعودية و الكويت والإمارات و البحرين و قطر . كما حاولت دعم علاقاتها بالأردن و مصر و المغرب، باعتبارها من الدول المعتدلة المستعدّة للدخول في الأجندة الأمريكية .
· تأكيد أمن إسرائيل : باعتبار أن إسرائيل دولة ديموقراطية، تنحاز لأمريكا و الغرب، وسط منطقة مضطربة، قدراتها العسكرية العالية تجعلها قادرة على محاربة الإرهاب بشكل فعّال، و مواجهة التهديدات العسكرية في المنطقة .
· تشجيع الديموقراطية و حقوق الإنسان : و أخيرا، و في نهاية قائمة المصالح الأمريكية ، يأتي اهتمام أمريكا المزعوم بالديموقراطية و حقوق الإنسان، و إعادة بناء دول المنطقة بما يحقق ذلك .

بين " الدولة " و " الأمّة "

في تبريـره للتدخّل العسـكري الأمريكي، في شـئون الدول الأخرى، يقول فوكوياما أن ما ورد في الفصلين الأول و الثاني من كتابه " بناء الدول "، حول تطوير الحكم في الدول الضعيفة، و تحسين الشرعية الديموقراطية بها، و تدعيم المؤسسات المعتمدة على ذاتها، قد أصبح المشروع المحوري في السياسات الدولية المعاصرة .
و يضيف أنهم قد توصّلوا إلى ذلك الاستخلاص، " إمّا كنتيجة لرغبتنا في إعادة بناء المجتمعات المنهكة بالصراعات، أو الممزقة بالحروب، بدافع الرغبة في التخلص من الأسباب التي تفرخ الإرهاب .. أو كان تدخلنا على أمل أن تتاح فرصة للدول الفقيرة في التطوّر الاقتصادي .. " .
و يقول فوكوياما أن مثل هذا الجهد عرف في الولايات المتحدة باسم " بناء الأمّة " . و لعل مرجع الاصطلاح أن يكون انعكاسا للخبرة القومية، و التي حدث فيها أن تشكّلت الهويّة الثقافية و التاريخية بشدّة وفقا للمؤسسات السياسية، مثل المؤسسية و الديموقراطية .
و هو يشير إلى أن الأوربيين يميلون إلى أن يكونوا أكثر انتباها للفرق بين " الدولة " و " الأمّة " . و يقولون أن " بناء الأمّة " بمعنى خلق مجتمع يربط بين عناصره التاريخ المشترك، و الثقافة المشتركة، يخرج تماما عن نطاق قدرات أيّة قوّة خارجية . و يعلّق فوكوياما " .. و هم طبعا على حق .. فالدول و الحكومات فقط هي التي يمكن تعمّد بناء ذاتها .. و إذا نشأت من هذا أمّة، فإن ذلك مرجعه إلى حد كبير إلى الحظ، أكثر من التصميم .. " .

بوش أجبر على الغزو ! ..

و يتحدّث بعد ذلك عن خلاف أيديولوجي داخل الولايات المتحدة، حول مسألة " بناء الأمّة " . بعض المحافظين، و معهم العديد من اليمين الليبرالي, يعارضون من حيث المبدأ مسألة بناء الأمم، و السر في هذا أنهم لا يظنونها مسألة مفيدة، و لا يميلون إلى فكرة التورّط الطويل المكلّف، لموضوع يرون أنه من المسائل الدولية . و من ناحية أخرى، نجد العديد من المؤسسات الاقتصادية الدولية، و مجتمعات التنظيمات غير الحكومية، الذين يتحدثون عن بناء الأمّة كما لو كانت عملية يفهمونها جيدا، و يمكن أن يقوموا بها، إذا ما توفّرت الموارد المالية .
و يقول فوكوياما " لقد جاءت إدارة بوش إلى الحكم متخوّفة و متشائمة من عملية بناء الأمم، لكن تم جرّها ـ بموافقته ـ إلى أفغانستان و العراق .." . و يحذّر فوكوياما قائلا أنّه على أولئك الذين في جانب بناء الأمم، أن يواجهوا بأمانة تاريخا مضطرب للنجاح في ذلك المجال . و ببساطة، ليس الأمر أن بناء الأمة لم ينجح في حالات مثل جنوب الصحراء الأفريقية، فإن العديد من الجهود في ذلك المجال قضت على القدرة المؤسسية للبلاد المعنية مع الزمن . و يضيف " نحن نحتاج، وفقا لذلك، أن نلقي نظرة حاسمة حول ما هو ممكن، و ما هو غير ممكن، و أن نفهم حدود ما يمكن أن تقدمه المعونة الخارجية .." .

و إلى الرسالة التالية لنرى مظاهر الفشل الأمريكي فيما تطلق عليه " بناء الأمم "

ليست هناك تعليقات: