الاثنين، أبريل ٢٧، ٢٠٠٩

الكتاب الأخير لفوكوياما


الإمبراطورية الجديدة


تحت هذا العنوان يقول فوكوياما " المنطق الذي تسير عليه السياسة الخارجية الأمريكية، منذ 11 سبتمبر، يقودها في اتجاه وضع يكون أمامها فيه أحد سبيلين : إمّا أن تتولّى مسئولية الحكم في الدول الضعيفة، أو أن تلقي بالمشكلة على عاتق المجتمع الدولي . و بينما تنكر إدارة بوش ذلك الطموح الإمبراطوري، نجدها تعمل في حديث الرئيس عام 2002 بويست بوينت، و من خلال ( استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة )، على إرساء سياسة الجهد الاستباقي، أو بمعنى أدق الحروب الوقائية، التي ستضع الولايات المتحدة، في واقع الأمر، في موضع المسـئولية عن حكم شعـوب معـادية في أغلب الاحتمالات، و في دول يمكن أن تهـدد الولايات المتحدة بنشاط إرهابي .. " .
و ينتقل فوكوياما بعد ذلك إلى الحديث عن أفغانستان، و حكومة قرضاي التي فرضتها الولايات المتحدة، و التي تحيا إلى حد بعيد بفضل القوّة الأمريكية . و بحجة وجود جيوب لطالبان في طاجكستان و تركمستان و أوزبيكستان، تدخلت أمريكا بشكل مباشر و غير مباشر .
كلّ هذا قبل أن تتخذ أمريكا الخطوة الكبرى لإسقاط النظام البعثي العراقي . و على حد قول فوكوياما "تحويل البلاد إلى نظام ديموقراطي فعّال " . و هو يضيف مشـيرا إلى خطاب بوش في 26 فبراير 2003، الذي تحدّث فيه عن الواجب التاريخي للولايات المتحدة، و كيف أنها أصبحت مسئولة عن كتابة التاريخ المعاصر . و في طرح أجندته، لم يقف بوش عند حد التحوّل الديموقراطي في العراق، بل فرض تحولات سياسية على العديد من دول الشرق الأوسط، بما في ذلك تحقيق تقدّم في الخلاف الإسرائيلي الفلسطيني، ثم تشجيع التعددية في أجزاء أخرى من العالم العربي .
و يعقّب فوكوياما على قول بوش، أن تنظيم القاعدة ما زال مستمرا في استغلال الفرص التي تتوفّر في الدول ذات الحكومات الضعيفة، قائلا " من الواضح أن الولايات المتحدة ستواصل التدخّل مباشرة بقواتها العسكرية في كل دولة من دول العالم ينشط فيها الإرهابيون، بل يجب أن تعتمد على قابلية حكومات الدول المحلية على التحكّم في الإرهاب بنفسها .. و في سعي الولايات المتحدة إلى أمنها، تصل إلى نفس التساؤل الذي تنشغل به وكالات التنمية العالمية : كيف يمكن الحض على بناء الدولة من خارجها، في بلاد تعاني من ارتباكات داخلية حادّة ؟ .." .

أسس جديدة للتدخّل و السيادة

حكومات الدول الضعيفة تخلق لنفسها، و لغيرها، زيادة في احتمالات سعي جهة أخرى ما في النظام الدولي للتدخّل في شئونها، ضد رغباتها، من خلال السعي لإصلاح أوضاعها قسرا . هذا هو ما يقوله فوكوياما .. و هو يحرص هنا على توضيح أن ضعف الدولة الذي يتحدّث عنه ينسحب على قوّة الحكومة، و ليس مدى اتساع نطاق نشاطها و مسئولياتها .. فالضعف ينسحب على نقص الكفاءة المؤسسية للدولة، بالنسبة لوضع السياسات و فرضها .
و هو يقول أن العديدين انتقدوا سياسة إدارة بوش الجديدة، بالنسبة للخطوات الاستباقية و غزو العراق، و يرون في ذلك انتهاكا للسيادة . و هو يعترف أن الحديث عن تآكل السيادة جرى طرحه قبل ذلك بالنسبة لما أطلق عليه التدخّل الإنساني في تسعينيات القرن الماضي . و هو بهذا يشير إلى تجارب أمريكا في الصومال، و هاييتي، و كمبوديا، و البلقان، و غير ذلك من البلدان، و التي خلقت أدبيات هائلة الكم بالنسبة لموضوع التدخّل الخارجي . و هو يتكلّم عن أوضاع جديدة نشأت بعد انتهاء الحرب الباردة، ترسي أسسا جديدة للتدخّل و السيادة .. و لكن، دعونا نفكّر معا في الأسباب الحقيقية لتآكل السيادة .
طرح أفكار فرانسيس فوكوياما، أو غيره من رابطة المحافظين الجدد، لا يعكس إعجابا بها، و لكنه يستهدف فهم المنطق الذي ترتكب الإدارة الأمريكية بموجبه تعدياتها على دول العالم الأخرى، و تبريراتها لتلك التعديات . كلّ خطايا الإدارة الأمريكية تجد من يفلسفها . و أقرب مثال لذلك، ما قالته كونداليزا رايس لتبرير الفوضى، و الفشل الأمريكي المتكرر في محاولات ضبط الأوضاع في أفغانستان و العراق، و نتائج تدخلات أمريكا في بعض النظم العربية، و شعار " الفوضى البنّاءة " الذي أطلقته ! .
نجد شبيها لذلك في محاولات فوكوياما في كتاب " بناء الدولة " لشرح مبررات العدوان على سيادة الدول الأخرى، باعتبار أن تآكل السيادة الدولية ليست ظاهرة مرتبطة بانقضاء عصر الصناعة، بل ظاهرة ترتبط بجهود أمريكا للسيطرة على الدول الأخرى و استغلالها، تحت شعار إنقاذها من النظم الشمولية و الدكتاتورية، معتمدة على التفسير الزائف لظاهرة " العولمة " التي جاء بها عصر المعلومات، في محاولة السيطرة على اقتصاد الدول النامية، لحساب مصالح الدول الصناعية الكبرى .

السيادة .. نكته سخيفة !

دعونا بداية نرى ماذا يقول فوكوياما في هذا الصدد . يقول أنّه مع نهاية الحرب الباردة ( و هذا يعني لديهم دائما انفراد أمريكا بالسلطة )، حصل اتفاق أكبر في المجتمع العالمي بالنسبة لمبادئ الشرعية السياسية و حقوق الإنسان، قاد إلى اعتبار " السيادة، و من ثم الشرعية، لم يعد من الممكن الإشارة إليها أوتوماتيكيا، كحقّ طبيعي للقوّة المسيطرة على دولة ما . سيادة الدولة بدت كشيء خيالي أو نكتة سخيفة في حالة دول مثل الصومال أو أفغانستان، التي قد تدهورت إلى حكم أمراء الحرب .." .
و هو يواصل قائلا أن الحكام الدكتاتوريين، المعتدين على حقوق الإنسان، مثل حاكم الصرب ميلوسيفيتش، لا يستطيعون الاختفاء وراء مبدأ السيادة لكي يحموا أنفسهم و هم يرتكبون جرائمهم ضد الإنسانية، و خاصة في دول متعددة الأعراق، مثل يوغوسلافيا السابقة، التي كانت فيها حدود سيادة الدولة ذاتها محل خلاف و نقاش .
ثم نصل إلى بيت القصيد، فيقول " في ظل هذه الظروف، لا يصبح من حق القوى الخارجية التي تعمل باسم حقوق الإنسان و الشرعية الديموقراطية فقط حق التدخّل، بل يصبح هذا واجبا عليها " .
و كالعادة، لا يحاول فوكوياما أن ينظر إلى الظواهر من خلال نظرة عريضة للتحوّل الأساسي الذي يمرّ به الجنس البشري، من عصر الصناعة إلى عصر المعلومات، كما أشرنا من قبل .
فمع الإنتاج على نطاق واسع و التوزيع على نطاق واسع، و ظهور السوق بمعناها المعاصر، اشتدت حدّة التنافس بين المجتمعات الصناعية، وترتّب على ذلك ظهور الدولة القومية، فاندمجت الولايات و المقاطعات على شكل دول حديثة كبيرة، كما كان الحال في ألمانيا و إيطاليا و اليابان . و جرى رسم الحدود بين الدول بدقّة، و أصبح لسيادة الدولة حرمة و أهمية كبرى .. لقد كان عصر الصناعة هو عصر الدول القومية .
غير أن تدافع عصر المعلومات قاد إلى قيام كيانات دولية، و شركات اقتصادية عابرة للقارات، انتقصت من السيادة التقليدية التي عرفتها الدول في عصر الصناعة . كما أن تدعّم كيان الأفراد في كل دولة، و المطالبة بإعادة توزيع سلطة اتخاذ القرارات، هبوطا من القمّة إلى القاعدة، ضاعف من انتقاص الكيان التقليدي للدولة .
هذه، في رأيي، طبيعة التغيّر التي طرأ على السيادة، بعيدا عن الأسباب التبريرية لفوكوياما .
يقول فوكوياما في كتابه " أن التدخلات الإنسانية التي تمت في تسعينيات القرن الماضي، قادت إلى أمر واقع هو نشوء قوة إمبريالية عالمية، تسيطر على أجزاء ( الدول الفاشلة ) من العالم . و غالبا ما كانت التدخلات تتخذ لها رأس حربة القوّة العسكرية الأمريكية، متبوعة في جانب إعادة بناء الدول بتحالف كبير يتكوّن مبدئيا من دول أوروبية، بالإضافة إلى أستراليا و نيوزيلندا و اليابان "، ثم يستدرك قائلا أنّه في حالة الصومال و كمبوديا و البوسنة و كوسوفو و تيمور الشرقية، و أفغانستان حاليا، فإن ( المجتمع الدولي ) أحجم عن المشاركة الفعلية . و يضيف أن السيادة في تلك الدول التي تم اقتحامها قد انتهى وجودها، و تكفّلت بوظائف الحكم الأمم المتحدة، أو الوكالات و التنظيمات غير الحكومية .

و إلى الرسالة التالية، لنستعرض الأسباب الحقيقية للتدخل الأمريكي .

ليست هناك تعليقات: