الاثنين، ديسمبر 31، 2007

مصر في عين المصالح الأمريكية


الإصلاح السياسي في مصر
يمضي إلى الخلف .. و ليس إلى الأمام

و من المفيد الإشارة إلى أن هذا الكتاب ( التقرير ) صدر عام 2004 ، أي منذ أكثر من 3 سنوات، لكن التحليلات التي يتضمّنها ما زالت تحتفظ بأهميتها، بالإضافة إلى أنهال تعطينا فكرة عن الطريقة التي تفكّر بها الإدارة الأمريكية في أوضاعنا، و النوايا التي تحتفظ بها لنا .
ينتقل الكتاب هنا إلى الحديث عن جهود الإصلاح السياسي في الدول ذات الأهمية الاستراتيجية الخاصّة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط : مصر و إيران, و الأردن، و الكويت، و السعودية .. (طبعا باعتبار أن جورج دبليو بوش قد تكفّل شخصيا بعمليات الإصلاح السياسي في العراق التي يحتلّها !!) .

التزوير في الانتخابات المصرية

عملية الإصلاح السياسي المصرية كانت من ناحية المبدأ أكثر منها عملية .. فالديموقراطية تتقدّم من حيث الانتخابات التشريعية التي تتم كل خمس سنوات، غير أن هذه الانتخابات تتميّز بالتدخّل الحكومي في العملية الانتخابية، و بعمليات التزوير و الغش الواسعة . يوجد في مصر 14 حزبا رسميا، لكن القليل منها فقط هو الذي له دلالة سياسية .. و الثابت أنّه ليس بإمكان أي حزب من أحزاب المعارضة، و لا بإمكانها مجتمعة، أن تتحدّى الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم .
و الليبرالية المصرية لها نفس الوجهين، فقد تزايد عدد المنظمات المدنية خلال العقدين الأخيرين، مع انكماش في نطاق حريتها و استقلالها، بفضل السلطة القانونية للدولة التي تحد من نشاطها، و تحجّم فرص اجتماعاتها العامّة . و يدلل لكتاب على هذا بقوله أن جميع العاملين في وزارة الشئون الاجتماعية، و البالغ عددهم 60 ألفا، يجرى حسابهم باعتبارهم أعضاء في منظمات المجتمع المدني !! .
و تقول المحررة أن حرية الصحافة قد تقدّمت، غير أن وسائل الإعلام الكبرى ما زالت تعتمد على الدولة في تمويلها، و في صلاحية ما تعبّر عنه . أمّا عن السلطة القضائية، فقد عمدت الحكومة إلى نقل القضايا الحساسة إلى المحاكم الأمنية و العسكرية، حيث يتاح المزيد من التلاعب .
باختصار، تقول المؤلفة، أن العديد من المؤشرات تفيد أن عملية التوجّه نحو الليبرالية تمر بحالة من الفوضى، فالعديد من الحرّيات تتاح من الناحية النظرية، لكنها تكون محظورة عند التطبيق، بينما يتم إنكار حريات أخرى بشكل تام .

الإخوان المسلمون

على أي حال، و بشكل عام، فإن الإصلاح السياسي في مصر، يبدو أنّه يمضي إلى الخلف و ليس إلى الأمام . فالإصلاح، كان دائما عملية تتم من أعلى إلى أسفل، حيث يحض النظام على الإصلاحات التي تخدم مصالحه الخاصة، بينما يفشل في تبنّي أي إجراءات قد تقود إلى تقليص قبضته القوية على السلطة .
لقد بدا هذا واضحا في بداية تسعينيات القرن الماضي، عندما كسبت الحركة الإسلامية دعما متزايدا في جميع أنحاء مصر .
و أنا هنا أنقل بالنصّ عن الكتاب الذي ظهر عام 2004، و لأقول أن مسحة التعاطف مع الجماعات الإسلامية مصدرها البنتاجون الأمريكي .
" حركة الإخوان المسلمون هي من بين أقدم و أكثر الجماعات الإسلامية خبرة في مصر، و قد استطاعت أن تبني قاعدة دعم سياسي ذات دلالة، رغم أنها غير مسموح لها بتكوين حزب سياسي . و شعبيتها لا تأتي فقط من رسالتها الدينية، و لكن أيضا من تقديمها منافع و خدمات ملموسة لأعضائها، الأمر الذي لا توفّره لهم الدولة . هذه الدرجة العالية من الشعبية تجعل منها المعارضة الوحيدة ذات المصداقية للنظام الحاكم . و تفيد إحدى الدراسات أنه في ظل انتخابات تشريعية حرّة و عادلة، من المحتمل أن يحظى الإخوان المسلمون بأصوات أكثـر من أي من الأحزاب الأخرى، بما في ذلك الحزب الوطني الديموقراطي . و طالما أن الحكومة ستظل خائفة من فقدها للانتخابات، فمن المستبعد أنة تتبنّى أي شكل حقيقي من أشكال تطوير الديموقراطية .." .


الاعتداء على الحقوق المدنية

والحكومة المصرية قد انتهكت أيضا الحقوق السياسية و المدنية، في جميع أنحاء البلاد، و هي مستمرة في التمسّك بقانون الطوارئ، الذي يتيح لها أن تقبض على المشتبه فيهم و تعتقلهم لزمن طويل دون إبداء أي أسباب . و تزعم الحكومة أنها مضطرة للأخذ بهذا النظام لمواجهة الحركات الأصولية الإسلامية، مع العلم بأن تلك التهديدات قد تمت السيطرة عليها منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي . الإصرار على هذا الوضع، يعني أن النظام يسعى إلى منع المعارضة السلمية من التعبير عن نفسها أيضا .
مع استمرار الظروف الراهنة، لا يحتمل أن تستمر الحكومة المصرية في عملية الإصلاح السياسي .

القوى البوليسية و العسكرية

و ليست القيادات السياسية المصرية وحدها هي من يريد الاحتفاظ بسلطته، لكن توجد أيضا القوى البوليسية و العسكرية التي تقوم بحماية النظام، و التي أصبحت لها مصلحة قوية في بقاء النظام على ما هو عليه . و لكن، إذا ما حدث تغيير مؤثّر في الوضع السياسي ( بأن تحدث أزمة اقتصادية كبرى، على سبيل المثال، أو أن يتضاعف إحساس الشعب بالإحباط نتيجة القيود التي يفرضها النظام )، فقد ترغم الحكومة على القيام بإصلاح سياسي، كوسيلة للاحتفاظ ببعض شرعيتها المتآكلة . تقول الدراسة :
النظام السياسي الحالي في مصر يحتاج إلى هياكل قادرة على أن تستجيب للرأي العام، و تستطيع أيضا أن تعمل كوسيط بين النظام و الاختيارات الشعبية .. و إذا ما تصاعدت المعارضة الشعبية، فقد تجد الحكومة المصرية نفسها في وضع محفوف بالمخاطر .


من إيران إلى السعودية

ثم نطرح باختصار وجهة نظر الكتاب في مستقبل الإصلاح السياسي في بعض دول الشرق الأوسط، مثل إيران و الأردن و العربية السعودية .
تقول الدراسة أن إيران تشهد نظاما عجيبا يجمع بين الديموقراطية و الشمولية ! .و في الجانب التنفيذي تتوزّع السلطة بين القائد الديني الأعلى، و بين الرئيس العلماني . و نتيجة لاختيار الرئيس بالانتخاب المباشر، تزيد صلاحياته التشريعية و قدرته في التأثير على القادة العليا . و تقول أيضا أن هذا الوضع يخلق توترا و احتكاكات بين الجانبين .
كما تقول الدراسة " تعتبر إيران من بين أكثر الحكومات ديموقراطية في المنطقة .. و إيران لديها شبكة حيّة و فعّالة من منظمات المجتمع المدني، تتمتّع بتقاليد تاريخية . و رغم أن معارضة مفهوم الدولة الإسلامية يكون مرفوضا تماما، فهذا لا يمنع ظهور مجموعات شبه معارضة، تعارض بعض السياسات بينما تقبل فكرة الحكومة الدينية .." .
و عن الأردن تقول الدراسة أنه رغم تطوّر التقدم السياسي كثيرا منذ عام 1989، إلاّ أن العملية بأكملها تدار من أعلى . و أن الإصلاح السياسي هو استراتيجية لخدمة الملك، و دعم مركزه، مع بقاء فكرة اقتسام السلطة خارج نطاق تفكيره .
أما عن السعودية، فتقول الدراسة أنّها أقل الدول ديموقراطية و ليبرالية في المنطقة . و يواجه النظام ضغوطا داخلية ملحوظة لدفعه إلى تبنّي بعض الإصلاحات السياسية ( و نذكّر أن الكتاب المتضمن لهذه الدراسات ظهر عام 2004، قبل وفاة الملك فهد ) . و تشير الدراسة إلى الخطوات التي اتخذها العاهل الراحل في مايو 1992، بوضع قانون أساسي لكيان و عمل الحكومة لأوّل مرّة، ينسجم مع الأمر الواقع بالنسبة لشرعية الملكية، و الاعتماد على القانون الإسلامي . و ثانيا تشكيل الملك لمجلس الشورى، و الذي يشير الكتاب إلى عدم إمكان اعتباره خطوة نحو الديموقراطية، لأن أعضاء المجلس يتم اختيارهم عن طريق الملك . و رغم ضم بعض عناصر من القطاع الخاص و المجال الأكاديمي، غير أن هذه النخبة لا تمثّل الأغلبية الكبيرة للشعب السعودي . و تشير الدراسة إلى الأصوات المتعالية المنادية بالإصلاح، و تورد نص كلمات أحد الأمراء المهمين، و الذي صرّح، " الحقيقة هي أن الإصلاح ضرورة و ليس اختيارا، و كذلك هي حكومة المشاركة " . ثم تختم الدراسة أقوالها عن السعودية، قائلة أن بعض التقارير تفيد أن دعوة الإصلاح تأتي من كل من العناصر الليبرالية و المحافظة للطيف السياسي السعودي .


ثم ننتقل إلى نقطة هامة من هذه الدراسة، تبحث فيها أمريكا عن قدراتها على تغيير النظم الحاكمة في المنطقة .. و إلى الرسالة التالية

ليست هناك تعليقات: