الجمعة، نوفمبر 16، 2007



سرّ الانفصام الملفت
في الحياة الأمريكية ..
ما هو المعنى المعاصر للتخلّف؟

سألني الصديق الذكي، بابتسامة تحمل ظلا من السخرية : و هل توافق أنت على هذا التعليل للكراهية الشائعة تجاه الولايات المتحدة ؟
قلت جادّا، أن كراهية أمريكا أو حبها لا يعنياني، لكن ما يعنيني بالدرجة الأولى، و جعلني أجتهد قي دراسة هذه الظاهرة الغريبة، هو تأمّل واقع الولايات المتحدة المعاصرة، و محاولة التوصّل لإجابات معقولة لواقع لا يتّسم بالعقلانية
فما هو سرّ الانفصام الملفت الذي طرأ على الحياة الأمريكية ؟
كانت الولايات المتحدة الدولة الرائدة، في طليعة الدول التي اهتمت بالتكنولوجيا المعرفية، و أشاعت استخدامها،وحققت اختراقا مرموقا إلى واقع مجتمع المعلومات، و سبقت بذلك جميع الدول الصناعية المتقدمة
و كانت الدولة الرائدة في إقامة البنية الإلكترونية المعلوماتية، مساهمة في الإسراع في معدلات تدفّق المعلومات و المعارف
و قد استفادت كثيرا من هذا في إعادة بناء الكيانات الإدارية، و جعلتها خاضعة في تكوينها للتنظيمات الشبكية، متبادلة المنفعة، في مكان التنظيمات الهرمية البيروقراطية الجامدة
لقد تبنّت الولايات المتحدة خطوات الانتقال إلى مجتمع المعلومات، في المجالات التي ذكرتها .. ثم توقّفت نهائيا عن الوفاء بمتطلبات مجتمع المعلومات في مجالات أخرى، بل و ربما بدت أكثر تخلفا من دول أخرى، كبيرة و صغيرة
المعنى المعاصر للتخلّف

قاطعني الصديق الذكي سائلا " كيف ؟.. في أي مجالات ترى أن الولايات المتحدة قد تخلّفت ؟ " .. أجبت، أن التخلّف الذي أقصده، هو التخلّف عن التحوّل من أسس و مبادئ عصر الصناعة، إلى أسس و مبادئ عصر المعلومات .. هذا هو المعنى المعاصر للتخلّف، و هو أيضا المعنى الجديد لليمين و اليسار أيضا
لم يعد اليساري هو الذي يؤمن بالاشتراكية، و اليميني الذي يتمسّك بالرأسمالية، فالاشتراكية و الرأسمالية، كما أقول دوما، وجهان لعملة واحدة هي عصر الصناعة .. أي أنهما رؤيتين اقتصاديتين في التعامل مع المجتمع الصناعي . لكن، بعد انقضاء المجتمع الصناعي، وبزوغ مجتمع المعلومات، أصبح اليساري هو الذي يسعى لتطبيق حقائق مجتمع المعلومات، و اليميني هو الذي يتمسّك بالواقع القديم لعصر الصناعة، و في بعض الأحيان الواقع الأقدم لعصر الزراعـة، لغياب الفهم الواقعي لتطوّر المجتمعات البشرية، أو حرصا على المصالح الخاصّة
نتيجة للسيطرة الكاملة لاتحاد كبار تجار السلاح و البترول و المقاولات على النظام الأمريكي بأكمله، من الرئاسة ذاتها، إلى السلطة القضائية، إلى السلطة التشـريعية ممثّلة في المجالس النيابية، إلى وسـائل الإعلام و الثقافة الأكثر تأثيرا، مثل سي إن إن، و فوكس و هوليوود ..تجمدت حركة الولايات المتحدة في اتجاه مجتمع المعلومات، نتيجة تناقض ذلك التحوّل مع مصالح القوّة الحاكمة المسيطرة

المؤامرة تسفر عن وجهها

سأل الصديق الذكي باهتمام " لكن ما الذي جعل أمريكا الدولة الأغنى، و الأقدر من غيرها على اقتحام الجديد، والأكثر تقدما على طريق مجتمع المعلومات، تفقد مسارها، و تتلكأ و تتعثّر، و تغوص في حالة من انفصام الشخصية، غارقة في مشاكل تستنزف معظم طاقاتها ؟! .." . أجبت : إنها المؤامرة الكبرى، التي بدأت في أعقاب انهيار المعسكر الاشتراكي، و انفراد الولايات المتحدة بالقوّة في العالم
و شرحت ذلك قائلا أنه منذ أيام حكم ريجان، بدأت أولى خطوات المؤامرة الحالية التي يمكن تصنيف أحداثها تحت عنوان واحد هو ( جماعة المحافظين الجدد ).. و هي جماعة غريبة تضم مجموعة يعيش أفرادها جميعا في ظلّ وهم قوي، هو إمكان استغلال ظروف انفراد أمريكا بالسيطرة، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، في إقامة إمبراطورية عالمية، تخضع لها جميع الدول، الموالية لأمريكا قبل المعادية لها
بعد انتهاء حكم ريجان، و تولّي كلينتون، استثمرت هذه الجماعة بقيادة ديك تشيني سنوات حكم كلينتون في تنظيم نفسها، و في وضع دستورها المعروف باسم ( مشروع القرن الأمريكي الجديد )، الذي أعلنت عنه في يونيو عام 1997، قالت فيه، مستجيبة لمصالح الطبقة الحاكمة الأمريكية، و على رأسها كبار تجار السلاح و البترول : نحن نسعى لحشد القوى من أجل مساندة فكرة القيادة الأمريكية للعالم .. و بعد أن قادت الغرب للنصر في الحرب الباردة، تواجه أمريكا مهمة و تحديا : هل لدى الولايات المتحدة الرؤية للبناء فوق ما أنجزته في العقود الأخيرة ؟، هل لدى الولايات المتحدة العزيمة لتكمل قرنا جديدا أكثر توافقا مع المبادئ و المصالح الأمريكية ؟
و ما أن وصل جورج بوش الابن إلى الحكم، حتّى استغلت عصابة المحافظين الجدد تكوينه النفسي و الفكري، في الاستيلاء الكامل على إرادته .. فتتابعت الأحداث الكارثية التي نعرفها جميعا من أفغانستان إلى العراق، و يعلم الله إلى أين بعد ذلك
الأمريكيون .. أكثر كراهية لأمريكا

سأل الصديق الذكي: و هل هناك تناقض بين أن تحكم أمريكا العالم، و بين أن تواصل في نفس الوقت دخولها إلى مجتمع المعلومات، و مواصلة ريادتها في اقتحام المستقبل ؟
قلت له " نعم .. هناك تناقض كبير .." . لا يجب أن ننظر إلى ظاهر أدبيات المحافظين الجدد، بل أن نقوم بنوع من الترجمة الفورية الواقعية، لنكتشف أن فكرة الإمبراطورية الأمريكية هي في جوهرها حركة انتهازية من حلقة كبار تجار السلاح و البترول لمضاعفة أرباحها، على حساب الجميع .. على حساب آلاف القتلى من البشر في عمليات الغزو، من أبناء الدول الغازية و المعتدى عليها، مئات مليارات الدولارات التي اغتصبت من ميزانيات خدمات الشعب الأمريكي، و ذهبت إلى خزائن تجار السلاح، و نفقات الحرب ..و أخيرا، تخلّف الولايات المتحدة اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا عن مسيرة عصر المعلومات
و الحق يقال ... أكثر الناس كراهية لأمريكا، هم الأمريكيون أنفسهم
الواقع الإحصائي يؤكّد هذا الاستخلاص الذي قد يبدو غريبا بالنسبة لنا
ما تجمّع لدي من مواقع الإنترنيت الأمريكية التي تتحدّث عن كراهية العالم للولايات المتحدة .. عددها، و تنوّعها، و المستوى الثقافي للمشاركين فيها، يفوق كلّ تصوّر
و سأحاول أن استعرض فيما يلي من حديث، جانبا من الدراسة التي تتضمن تسجيلا زمنيا للتاريخ الطويل للتدخلات الأمريكية في شئون شعوب العالم، و بصفة خاصّة في حياة شعوب الشرق الأوسط .. الضغوط و التدخلات و المؤامرات و الاغتيالات و الانقلابات و تسليط آلتها العسكرية بكل طاقتها التخريبية . و سأعتمد في هذا على الوقائع الثابتة التي جمعها الشرفاء من المفكرين و الكتّاب الأمريكيين، و التحليلات التي قام بها كبار الأساتذة في الجامعات الأمريكية .. و لنبدأ بأحدث تحليل عن الواقع الحالي للتدخّل الأمريكي بالعراق، على لسان الأستاذ الجامعي الأمريكي نعوم تشومسكي

ليست هناك تعليقات: