السبت، مارس 28، 2009

الدولار .. و الفرار الجماعي الكبير

الدولار يقترب من مركز الإعصار

ما يتجاوز قدرة القادة و الخبراء


" السحب الملبدّة يتزايد تراكمها، لتشكّل قريبا عاصفة عاتية في وجه الدولار الأمريكي، و في وجه الوضع المركزي الحالي للدولار في النظام المالي العالمي " . هذه العاصفة تحمل معها احتمال انقلاب على نطاق واسع، فاتحا الباب لتحوّلات أساسية، سريعة، و خارجة عن التحكّم إلى حدّ بعيد .

جوزيف ستروب ـ خبير الاستشراف الاستراتيجي


أصبح معروفا على أوسع نطاق، أن النظام المالي الحالي الذي يعتمد على الدولار الأمريكي بدون ضوابط معروفة، يجب أن يفسح المجال لنظام جديد يكون أكثر توازنا، و استقرارا، نظام مرن يمكن الاعتماد عليه .. يقوم على تعدد العملات، و من ثمّ لا يتعرّض للمساوئ بالغة الخطورة، بالاعتماد على نقطة فشل وحيدة : هي الدولار .
و للعلم .. إذا ما أصبح النظام المالي الحالي المتمركز حول الدولار أشد اهتزازا، بأكثر ممّا هو حادث، يصبح الانتقال إلى أي نظام مالي عالمي جديد ـ في أغلب الأحوال ـ عملية غير نظامية، فوضوية، خارجة عن التحكّم، و ليس ـ كما نتمنّى ـ تدريجية و منظّمة .
و للأسف، لا يمكننا التأكّد من أن قادة العالم يعرفون ما الذي يقومون به، في بحثهم عن مخرج لحلّ الأزمة الحالية . هل يهاجمون قلب المشكلة، أم يناوشون أطرافها ؟.

أزمة تجمع السيكلوجية البشرية، و الرياضيات

الاستثمار، و شئون المال، و الاقتصاديات، هو خليط مركّب .. يكون في بعض الأحيان ـ بكل ما في الكلمة من معنى ـ جامعا بين لامنطقية السيكلوجية البشرية، و المنطق الخالص للعلوم الرياضية، متضمنا احتمالات عوامل فعالة للصدفة و المخاطرة التي يجب أن ندخلها في الحسبان في أي حسابات نقوم بها .
التاريخ يمدّنا بالعديد من الأمثلة غير السعيدة، التي توضّح كيف أن المكونات السيكلوجية لحالات عدم اليقين، و الخوف و الحيرة، في بعض الأوقات الحرجة، تتفوّق على مكونات المنطق و العقل و النظم، صانعة دافعا قويا للسياسات قصيرة النظر، و المخاطرة، التي تفجّر المشاكل بأكملها .
البشر ـ ببساطة ـ لا يتصرّفون دائما بطريقة عقلانية و منطقية، ممّا هو في مصلحتهم الاستراتيجية الخالصة .. و المؤسسات، و الوكالات النظامية، و الحكومات، تتكون جميعا من بشر لا يتصرفون دائما بمنطق و عقلانية . و في أوقات الأزمات ـ كالتي نحن فيها حاليا ـ يتضخّم، لسوء الحظ، الجانب الأكثر إظلاما من التأثيرات السيكلوجية .

ما يتجاوز قدرة القادة و الخبراء

أضف إلى ذلك، حقيقة أن الاستثمار العالمي، و النظم المالية و الاقتصادية قد أصبحت بشكل متزايد مركّبة و متشابكة، و بطريقة أسرع بكثير من قدرة الخبراء و القادة على استيعابها . هذا التركيب يمنع أحيانا الحكومات، و غيرها من المؤسسات، من اتخاذ إجراءات شجاعة و عاقلة وسط الأزمات، خوفا من أن يرتد هذا إلى صدورهم، على صورة عواقب غير منظورة، و اضطرابات غير متوقعة .
و ممّا يزيد الأمور تعقيدا، أن الاستثمارات، و الشئون المالية و الاقتصادية، تكون كلّها تقريبا متشابكة بعمق مع الشئون السياسية، ممّا يضيف إلى احتمالات عدم اليقين، خاصّة في زمن الأزمات العالمية العميقة، عندما تميل الحكومات إلى البحث عن مصلحتها الخاصّة أساسا، بحيث تجرى تعلية الحس القومي و إجراءات الحماية .


إشاعة طمأنينة فارغة !

هل تذكرون ما سمعناه عندما انفجرت الأزمة الحالية عام 2007 .. من محاولات إشاعة الطمأنينة، و بأن الأمر لا يتجاوز أزمة رهن عقاري، ل تنتشر بأبعد من ذلك .. و عندما انتشرت، قالوا بأن خسائر بنوك وول ستريت لن ترتفع إلى ما هو أكثر من حوالي 200 بليون دولار؟ .. و هل تذكرون عندما أصرّ " الخبراء " على أن هذا لن يقود إلى انهيار الائتمان .. و هل تذكرون عندما أصرّوا على أن الأزمة لا يحتمل أن تنتشر من وول ستريت إلى الاقتصاد الحقيقي ؟ .. ثم، هل تذكرون قولهم أن مئات البلايين من الدولارات السائلة التي ألقيت إلى جوف النظام المالي في محاولة لإنقاذه، ستخرج النظام المالي من أزمته ؟ .. أين ذهبت كل تلك الأفكار، و الآراء، و الأيديولوجيات، و التقديرات، و التأكيدات، ذكيّة المظهر؟ .. أين هي الآن ؟! .
و نفس القول ينسحب على الجهود المتفككة، و فاقدة الحماس، لمجموعة الدول الصناعية القائدة السبع ( G -7 )، و التي بالإضافة إلى كونها شبه عقيمة ، استكملت عقمها بظهور المجموعة الأوسع التي تضم 20 دولة (G -20)، و التي وقع على عاتقها واجب تصميم و بناء نظام عالمي جديد، يحل محل النظام الخرب الحالي .

التمسّك بالدولار الجريح

المستثمرون، قطاع خاص و رسميون، في أنحاء العالم، استسلموا ـ كرد فعل للأزمةـ لسيكلوجية تفادي المخاطر الكبرى، و تمسّكوا بالدولار الأمريكي بشكل أشد، فاندفعت جموعهم إلى سندات الخزانة الحكومية، كملاذ من العاصفة المتصاعدة . هذه الحقيقة يمكن أن توحي بأن الثقة العالمية بالدولار ما زالت قوية أساسا، رغم ما أصابه من جروح على مدى السنوات الماضية، جرى توثيقها جيدا .
و الحقيقة هي أن احتمالات تأزّم الدولار عالميا قد ارتفعت بشدّة، بالرغم من ( و جزئيا بسبب) المكاسب ذات الدلالة التي حققها الدولار أخيرا، باعتباره ملاذ المستثمرين . و من سخرية القدر، أن هذا الاندفاع الجماهيري نحو الدولار، يفتح أوجه قصور و مخاطر جديدة، إمّا أنها لم تكن موجودة من قبل، أو أنها كانت هامشية جدا .
مثال ذلك، أطلق عدد من الخبراء تحذيرات مفادها أن سندات الخزانة الأمريكية تأخذ بشكل متزايد شكل الفقّاعة .. و هم ينبهوننا بأن الفقاقيع مآلها أن تنفجر، و أنها نادرا ما تفعل ذلك بطريقة منظّمة . عندما يحدث لهذه الفقاعة أن تنفجر مثل باقيها، ستحدث للدولار تأثيرات لا يمكن التحكّم فيها، بل ربما تكون عشوائية .
و اليوم تجرى الكثير من ضروب النقاش و الحوار، تدور كلّها حول سؤال وحيد :
هل سيجد الدولار الأمريكي طلبا عالميا كافيا، لتغطية ما يزيد عن 2 تريليون دولار، لسندات الخزانة التي ستصدر هذه السنة فقط ؟ .

فقّاعة سندات الخزانة الأمريكية

من بين المخاطر الجادّة التي يواجهها الدولار الأمريكي أيضا، بقاء الطلب العالمي على سندات الخزانة !! . لماذا ؟ .. لأن ذلك سيجعل فقاعة سندات الخزانة تتضخّم بشكل عملاق، مع مزيد من الالتفاف حول بنية النظام المالي العالمي، الذي هو مشوّه بالفعل حاليا، ممّا يضخّم التشوهات الخطيرة القائمة، فيما يشبه موجة تخريب و هدم ثانية في الأزمة الحالية، ثم الانفجار الهائل لفقاعة سندات الخزانة .
الأسواق البازغة، و بنوكها و حكوماتها، تعاني من تأثير الاختناق المتزايد لأزمة الائتمان، و مع الخسائر المتصاعدة المالية و الاقتصادية، تبلغ مخاطر التخلّف عن أداء الاستحقاقات أوجها، نتيجة التضييق الزائد لأزمة الائتمان العالمية .. و كما لو لم يكن هذا الوضع الخطير سيئا بما فيه الكفاية، فسياسات الإنفاق الهائل، و القروض الحرجة، التي بادرت بها الحكومة الأمريكية، لم تفعل سوى أنها فاقمت من حالة عدم الاستقرار المتزايدة، في هذه الجهات جميعا .
و نتيجة لتسهيل و تشجيع الهروب الجماهيري العالمي إلى سندات الخزانة، و إصدار مدد كبير للغاية من الديون السيادية الأمريكية، يعاني الجميع بشدة : الأسواق البازغة، و حكوماتها و بنوكها، و النشاط الاقتصادي الأمريكي . و بينما تعمد حكومة الولايات المتحدة إلى شفط جميع الهواء من أسواق الائتمان العالمية، عن طريق فقاعة سندات الخزانة، تجد هذه الكيانات الأخرى صعوبة لانهائية في الحصول على ائتمان بتكلفة معقولة، هذا إذا أتيح لها الحصول على شيء أصلا . كما يطالب المستثمرون بأرباح مرتفعة للغاية، للخروج من " الأمان " النسبي لسندات الخزانة، عند الاستثمار في سندات المؤسسات و الحكومات، في الأسواق الجديدة .

من أوروبا الشرقية إلى العالم

هذه المطالبة بالمزيد من المكاسب، التي يبديها المستثمرون، تجري ترجمتها على صورة تكلفة أعلى و خسائر متنامية، بالنسبة للبنوك عبر النظام المالي .. الوضع يتحرّك بسرعة نحو موجة هائلة محتملة، من عجز البنوك و المؤسسات و الحكومات عن الوفاء . و نتيجة لذلك تصبح أوروبا الشرقية ـ بالتحديد ـ على حافّة الهاوية .
أسواق الائتمان العالمية، و النظم المالية، يرتبطان بشكل عميق ببعضهما البعض، و هذا يعني بالتأكيد انتشار العدوى الزاحفة من أوروبا الشرقية، إلى باقي أوروبا، و من ثم إلى الولايات المتحدة .
و هذا يعني أن هذه الضغوط سيشعر بها النظام المالي العالمي بأكمله .. و أن مثل هذه الضغوط الجديدة القوية، على نظام أصبح بالفعل مهتزا للغاية، لا يحتمل أن تمضي، دون انصهار حقيقي للنظام بأكمله .

الفرار الجماعي ..

إذا ما اندفعت هذه الموجة الثانية، ستحمل معها أيضا اهتزازات سلبية عميقة لفقاعة سندات الخزانة ذاتها، لأن الولايات المتحدة و أوروبا ستغرق في حالة من الكساد الشامل، و الانهيار المالي، نتيجة لما يحدث في أوروبا الشرقية .
و هذا ـ بالضرورة ـ سيرغم المستثمرين العالميين أن يشرعوا أخيرا في تقييم أمان و إغراءات سندات الخزانة الأمريكية، و الدولار الذي يستند إلى الأساسيات سريعة الانهيار لاقتصاد الولايات المتحدة .
في التحضير لعملية الفرار الجماعي، سيبدأ المستثمرون في الفرار خارج الأصول المالية، مثل سندات الخزانة، إلى الأصول الصلبة الملموسة، مثل المعادن الثمينة، و بعض السلع الخاصّة التي انخفض سعرها انخفاضا كبيرا . و هذه الإجراءات ستوفّر مخازن للثروة، أكثر أمنا نسبيا، بل و تحتمل أرباحا حقيقية .
و الصين، اعتمادا على مواردها، تمضي بنشاط في اتجاه الأصول الصلبة، عوضا عن البقاء عند السعر، الذي تعاملت به عام 2008، لشراء سندات الخزانة الأمريكية، و غيرها من الأصول المالية .
لو استعرضنا التاريخ القريب لانفجارات فقاقيع الإسكان و السلع، لرأينا المستثمرين العالميين، بوصاية الحكومات المتحمّسة، قد تجاهلوا إلى أبعد حد المخاطر التي لا فرار منها، و تدافعوا نحو هذه الأصول على أوسع نطاق، مع الأرباح الساخنة المتدفقة قبل حدوث الانفجار . بيئة أسعار الفائدة العالمية المنخفضة للغاية، مع توفّر الائتمان العالمي بشكل ضخم، أعد المسرح لأرباح هائلة يجنيها المستثمرون، من الفقاعات العملاقة لتلك الأصول .
و لكن، عندما أرغم التضخم المتنامي السلطات الفدرالية على البدء برفع سعر الفائدة تدريجيا، بدأت فقاعة الإسكان في الانفجار، في أواخر عام 2006 . و مع ضعف الدولار، تحت ضغط التضخّم المتصاعد، و فقدانه لجاذبيته كملاذ آمن للثروة، تدافع المستثمرون بسرعة في اتجاه السلع، طلبا للسلامة و الربح، ممّا قاد إلى انتفاخ هذه الفقاعة إلى أبعاد عملاقة في صيف 2008، عندما بلغ برميل زيت البترول ما يقرب من 150 دولارا .
ثم، عندما ظهرت بعد ذلك معالم الركود صيفا، أدرك المستثمرون أن الطلب على السلع و أسعارها يهبطان بشدة، فاندفعوا منطلقين من السلع إلى سندات الخزانة، و هكذا انفجرت فقاعة السلع . لقد خلف انفجار الفقاعتين قدرا هائلا من الحطام، مع انهيار في قيمة الأصول، جاذبا مجال الأعمال، و البنوك، و حتّى الحكومات إلى الحضيض .

العاصفة على الدولار و النظام المالي العالمي

على الرغم من أن فقاعة سندات الخزانة الحالية يدور الحوار حول سلامتها، أكثر مما يدور حول أرباحها، إلاّ أن المخاطر الأساسية المرتبطة بالفقاعات تنسحب عليها .
كلّما تضخمت، و كلما زاد اعتماد المستثمرين العالميين عليها كملاذ آمن، كلما أصبحت أقل استقرارا، بسبب أنها تصبح أكثر حساسية بالنسبة للعديد من العوامل .. الداخلية و الخارجية معا .. الحقيقية و السيكلوجية معا .
و من المعروف أنه كلّما أصبحت الفقاعة أكبر و أكثر سخونة، كلما أصبح أنصارها أكثر استعدادا و سرعة في هجرها، و البحث عن الفقاعة التالية . و هذا هو السرّ في أن المستثمرين غالبا ما يميلون إلى التزاحم على سندات الخزانة ذات المدى الزمني شديد القصر .. فهم يعرفون أنهم سيضطرون إلى البيع، بأسرع ممّا اشتروها .
لهذا، لا يجب أن يفترض أحد أن الأزمة الحالية، ستتوازن أو تقترب من حلّ لها، لمجرّد أن الطلب العالمي على سندات الخزانة قد يظلّ عاليا في الشهور القادمة . فذلك ليس أكثر من إشارة إلى أن فقاعة سندات الخزانة أصبحت أكثر ضخامة، و أن تشوهات النظام المالي العالمي قد أصبحت أكثر عمقا و خطورة ، و أن الفقاعة قد أصبحت أقرب إلى الانفجار .. و هذا يتضمّن : احتمال عاصفة متكاملة في وجه الدولار، و أيضا في وجه النظام المالي العالمي .. الأمر الذي لا يتمناه أحد ..
و لكن هل يوجد من يبحث عمّا يمنع حدوث هذا أو ذاك ؟! .

راجي عنايت
بتصرّف عن
جوزيف ستروب ـ خبير الاستشراف الاستراتيجي
جلوبال ريسيرش ـ 16/3/2009


هناك تعليقان (2):

Dr. Kafy يقول...

الكلام خطير و مخيف و لكن هل هذه إحتمالات أم أنها حقائق؟

و هل هذا الانهيار الإقتصادى من الممكن أن يسبب إنهيار هذه الحقبة من الحضارة البشرية؟

Ragy Enayat يقول...

أهلا .. أولا هذا ليس كلامي، و لكنّه اختياري، باعتباره الأقل تدليسا
ثانيا .. هو فعلا مخيف و خطير، لكن السكوت عليه أكثر خطورة
ثالثا .. الذي سينهار هو عمليات النهب و السلب التي عانت منها الحضارة البشرية
تحياتي .. راجي