الاثنين، أغسطس 25، 2008

أمريكا ..كيف تفكّر فينا ؟

الاجتراء على المستقبل

أمريكا .. في بداية التاريخ !

عندما يقول فوكوياما أن الديموقراطية الليبرالية ـ سواء كانت متحققة في الولايات المتحدة أم لا ـ هي نهاية التطوّر الأيديولوجي للبشر، يقع قي خطأ سـاذج يثير السخرية، أكثر ممّا يحفز الإنسان للرد عليه .. كيف يخطر ببال بشر أن يقول بنهاية أي شيء في حياة البشر ؟ . و مرّة أخرى، كيف يغيـب عن فوكوياما سياق التطوّر البشـري، و العلاقة التاريخية بين طبيعـة الأسس المجتمعية في حياة البشـر و بين التكنولوجيا الأساسية السائدة في المجتمع ؟ .. و كيف لم يفهم أن التكنولوجيا الأساسية السائدة، و الأسس المجتمعية النابعة منها، هي التي تحدد طبيعة النظم في المجتمع، و التي من بينها نظام الممارسة السياسية ؟ .
ألم يصل إلى علم فوكوياما ما قاله المفكّر الياباني المستقبلي، و أحد قادة التحوّل المعلوماتي في اليابان، يونيجي ماسودا، و الذي وضّح مراحل تأثير التكنولوجيا الابتكارية ( كالآلة البخارية بالنسبة لعصر الصناعة، و الكمبيوتر بالنسبة لعصر المعلومات)، على النظم الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية في مجتمع ما، على الصورة التالية :
المرحلة الأولى : و فيها تقوم هذه التكنولوجيا بنفس العمل الذي كان الإنسان يقوم به سابقا .
المرحلة الثانية : و فيها توفّر هذه التكنولوجيا إمكانيات في العمل، لم يكن بإمكان الإنسان أن يقوم بها في أي وقت، لا في الماضي و لا في الحاضر و لا في المستقبل .
المرحلة الثالثة : بناء على ما سبق، تتحوّل البنية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية القائمة، إلى نظم اجتماعية و اقتصادية و سياسية جديدة .

بل أمريكا في بدايته

قبل أن يسعى إلى تقنين النوايا الاستعمارية الحالية للإدارة الأمريكية، على فوكوياما أن يتأمّل أوضاع أمريكا الحالية بشيء من الأمانة، و سيكتشف أنّها في بداية التاريخ، و ليس نهايته، و السر في ذلك أنّها :
• تفوّقت أمريكا في العلوم و التكنولوجيات المعلوماتية، بما يرشّحها، وفقا لرؤية ماسودا، للدخول إلى مجتمع المعلومات .
• غير أن تناقض التحولات الطبيعة مع مطامع الفئة الحاكمة من كبار الأثرياء، حال دون سيادة النظم الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، النابعة من طبيعة مجتمع المعلومات .
• و هكذا شهدنا هذه المعالم الواضحة لانفصام الشخصية في واقع المجتمع الأمريكي . تطوّر كبير في التكنولوجيا المعلوماتية، و تطبيقاتها، مع تخلّف في النظـم الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .
و لا شك أن مثل هذا القول بتخلّف الأوضاع الأمريكية، قد يثير الاستنكار لدى كتّابنا و مفكّرينا، لكن المتابع للكتابات الحرّة في المواقع الأمريكية على الإنترنيت، يمكنه أن يرى مظاهر ذلك التخلّف، التي تنجح وسائل الإعلام المملوكة لكبار الأثرياء أن تخفيها، و تصرف الأنظار عنها . و عندما نقول أن الولايات المتحدة في بداية التاريخ، و ليس عند نهايته، فنحن ننظر إلى الجهد المطلوب للتخلّص من فئة الأثرياء التي تحكم قبضتها على عنق الشعب الأمريكي، ثم فهم طبيعة النظم الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية التي تنسجم مع الدخول إلى مجتمع المعلومـات، و العمل الجـاد على تطبيقها .. حتى تدخل الولايات المتحدة الأمريكية التاريـخ بشكل مشرّف، دون أن تتورّط في تحقيق
مطامع الإدارة، التي تجلب لها لعنات شعوب العالم .
لن أتعرّض الآن المهام الثقيلة أمام أمريكا في المجالات الاجتماعية، كالأسرة و التعليم و الخدمة الصحية و الاجتماعية . و لا لمهمة التحوّل من الاقتصاد القائم على ثوابت الاقتصاد الصناعي التقليدية، إلى الاقتصاد الجديد الذي يفرضه واقع عصر المعلومات . سأقتصر في حديثي على الديموقراطية، التي يثيرها فوكوياما في وجهنا كالسيف، غير منتبه إلى أن ذلك السيف ثنائي الحد .
ديموقراطية التمثيل النيابي، بتنويعاتها المختلفة، هي من ابتكار مفكّري بدايات عصر الصناعة . و قد كانت انتصارا كبيرا للإنسان، رغم جميع عيوبها، التي بدت ظاهرة للعيان منذ منتصف القرن الماضي . و هي ـ كما يقال ـ كانت أقل الخيارات ضررا . و مع انقضاء عصر الصناعة، و اندفاع عصر المعلومات، بدا واضحا أن هذه الممارسة السياسية لم تعد مناسبة لطموحات البشر في مجتمع المعلومات، و بدأ الحديث عن أشكال جديدة للممارسة الديموقراطية، تتيح للفرد أن يشارك ـ بنفسه ـ في اتخاذ القرارات التي تمس حياته، و لا يوكلها لمن ينوب عنه و يتحدّث ـ نظريا ـ باسمه .

السيطرة الراسبوتينية

و ارتبطت الديموقراطية الجديدة، أو ديموقراطية المشاركة، بتحوّل هام في عصر المعلومات، ينهي المركزية السائدة في مؤسسات الحياة الصناعية، و يعظّم الاتجاه إلى اللامركزية في كل جوانب الحياة البشرية . لهذا، فالديموقراطية الجديدة تعني الهبوط بجوهر عملية اتخاذ القرار، من القمّة إلى المستويات التالية، و حتّى القاعدة .
في بدايات كتابه " نهاية التاريخ، و الإنسان الأخير"، يقول فوكوياما " لا نستطيع أن نرسم لأنفسنا عالما يختلف أساسا من العالم الحالي، و هو في نفس الوقت أفضل .." . السؤال الذي يطرح نفسه مباشرة : أفضل لمن ؟ . لمجموعة كبار الأثرياء الذين يقبضون على مصائر البشر في الولايات المتحدة ؟، أم لجماعة الأصوليين المسيحيين و اليهود الذين يشكّلون جماعة المحافظين الجدد التي تسيطر سيطرة ( راسبوتينية ) على الإدارة الأمريكية، و على الرئيس الأمريكي الذي يحاول تغطية صورته السلبية السيئة بالابتسامة الساذجة التي يرسمها على وجهه، و هو يردد توجيهات و أفكار ذلك الوكر الأصولي .
في هذا الزمن، زمن التغيرات الجذرية المتلاحقة، في انتقالنا من نمط عصر الصناعة إلى نمط عصر المعلومات، يجيء فوكوياما ليتكلّم عن " الغياب الكامل لأيّة بدائل معقـولة للديموقراطية الليبرالية "، إلى أن يقول " الشكل الحالي للتنظيم الاجتماعي و السياسي، يعتبر مرضيا تماما للبشر، بالنسبة لأغلب خصائصهم الأساسية " .

* * *

فما الذي حدث في صيف عام 2004، عندما بدأ الانشقاق بين فوكوياما و جماعة المحافظين الجدد .. وكيف تحوّل فوكوياما إلى الانتقاد الحاد لحرب العراق ؟

هذا هو ما سنقرأه في الرسالة القادمة .

هناك تعليق واحد:

Naglaa يقول...

أحييك يا أستاذ راجى على هذا الطرح الرائع والنقد البناء اذ نخلص فى النهاية لأهمية العنصر البشرى الواجب مساندته بمنتهى البساطة بالمفاهيم السليمة لمصالح أى مجتمع التى تقود فى النهاية لمصالح العالم أجمع فنحن كبشر وحدة متأصلة ولن ينصلح العالم وسلوكياته الا بادراك هذه القيمة الهام. وعصر المعلومات والانفتاح هو عصر بداية تاريخ جديد للعالم يدرك فيه أهمية الروابط التى تقييدنا الواحد مع الآخر وهذا هو التوجه السياسى العالمى الأمثل خلال زمن المعلومات والتكنولوجية التى سوف تفرز من خلال جهود البشر المزيد, ولن يتم هذا الا اذا أدرك العالم أهمية السلام والتعاون بين البشر لصالح البشر والبشرية.
ولكن المشكلة الرئيسية تكمن فى كيفية تنفيذ هذا التوجه الهام والضرورى, ولم أصل بعد لهذا الحل الا من خلال مفهومى المبسط للأمور وهو نشر هذه الدعوة بصورة مكثفة يدعمها توضيح الأهمية القصوى لهذا التوجه فان العالم يواجه من خلال مطامع الأغلبية مشكلة نقص الموارد مقابل زيادة هائلة فى ورق البنكنوت. فما رأيك يا أستاذى؟