الأربعاء، يوليو 23، 2008

أمريكا ..كيف تفكّر فينا ؟

سياسة إدارة بوش
سلسلة أكاذيب .. و خسائر !

ما هو سرّ الخسائر الضخمة التي جلبتها إدارة بوش على شعب الولايات المتحدة الأمريكية ؟، لماذا تخفّت أمريكا وراء سلسلة من الأكاذيب و الادّعاءات في حرب العراق ؟، و لماذا خسرت أمريكا الكثير من تحالفاتها، و سمعتها العالمية، في سبيل هذه الحرب ؟ .. هل هو الإدعاء الكاذب بالرغبة الجنونية لدى بوش، المتمثلة في تحويل العراق إلى دولة ديموقراطية ؟! .. أم هل هو ـ كما جاء في الكتاب الذي نطرحه ـ سعي إلى إعادة بناء الدولة العراقية ؟ .. السرّ في هذا كلّه، أن هدف الولايات المتحدة من غزو و احتلال العراق هو وضع اليد على بترولها، حاليا و مستقبلا، و زرع قاعدة عسكرية كبرى، تتيح لها التحكّم في المنطقة، و حتّى حدود الصين . .
على أي حال دعونا نصدّق ـ مؤقتا ـ ما يقوله البنتاجون في كتابه " الدور الأمريكي في بناء الأمم .. من ألمانيا إلى أفغانستان ".. و نستعرض الفصل الخاص بتطبيق الدروس المسـتفادة من عمليات الغـزو السابقة، في تجربة غزو و احتلال العراق .. لنرى التناقضات التي يقع فيها النظام الأمريكي نتيجة لكثرة أكاذيبه التي يطلقها بغرض إخفاء غاياته الحقيقية . .

الفرحة التي لم تتمّ !

يقول الكتاب " بالرغم من أن المرحلة العسكرية في الحرب ضد العراق تم بشكل جيد جدا، و انهار النظام بأسرع ممّا توقّع الكثيرون، فقد تركت الولايات المتحدة لتواجه مهمة لا تحسد عليها، في سعيها لبناء دولة عراقية ديموقراطية، و نشطة اقتصاديا .. " .
ثم يحاول الكتاب أن يجرى مقارنة تاريخية مع تجربة احتلال العراق البريطانية، رغم أن القياس هنا لا يكون واردا، مع اختلاف الزمن و نوع الحياة السائدة، بل و اختلاف معنى المصطلحات المستخدمة . يقول الكتاب " لقد أمضى البريطانيون عدّة عقود، في محاولة تشكيل دولة عراقية، من بقايا الإمبراطورية العثمانية، لكن لا هم، و لا من أعقبوهم من العراقيين، نجحوا في صياغة دولة عراقية حقيقية .." .
و يقول الكتاب أن بناء الدولة في العراق يواجه عدّة تحديات :
أولا ـ غياب أي تقاليد للديموقراطية التعددية : لقد كانت السياسة في العراق تدور دائما حول الحكم الفردي، و تسوية الحسابات بالقوّة .
ثانيا ـ الهوية القومية للعراق : رغم وجود نوع من الهوية القومية العراقية، إلاّ أنها لا تستطيع أن تقف في وجه الأشكال المجتمعية الأخرى، العرقية و الجغرافية و القبائلية، و أيضا الدينية . فأغلبية الشعب، المكونة من الأكراد و الشيعة، ليس لديها تقاليد حقيقية، للتمثيل في السياسة القومية للعراق . و المفروض الآن، أن يجري إدخالها إلى الحقل السياسي .
ثالثا ـ الجريمة المنظمة و العصابات : و ممّا يزيد الطين بلّة، تمتد جذور الجريمة المنظمة و العصابات عميقا في المجتمع العراقي . ( و بالمناسبة، من بين قيادات الجريمة المنظمة في العراق إياد علاوي، الذي اختارته الولايات المتحدة رئيسا للوزارة العراقية المؤقتة . و هناك قائمة بنشاطه التخريبي، في تفجير دور السينما، و أتوبيس الأطفال المدرسي، في بغداد، بعد أن انشقّ عن صدام، وعمل لحساب المخابرات البريطانية و الأمريكية ) .
رابعا : غياب الطبقة المتوسطة : العقد الأخير من العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على العراق، و من الممارسة الدكتاتورية لنظام صدام، أفرغ العراق من طبقته المتوسطة التي كانت قوية في يوم من الأيام، و التي كان لها دورها في تطوير المجتمع المدني .
خامسا : الخروج من حقبة حكم شمولي طويلة : بالإضافة إلى هذه المشاكل العراقية الخاصة، تواجه البلاد التحديات المألوفة لمجتمع يسعى للخروج من حكم شمولي طال أمده .
و يواصل الكتاب طرح العقبات التي تقف في طريق بناء الدولة العراقية، على يد المحتل الأمـريكي طبعا (!) . و يعترف بالخـطأ الذي وقعت فيه الولايات المتحدة، عندما أخذتها العـزّة بالإثم، و تصوّرت أن بإمكانها أن تستغني عن الأمم المتحدة، و معظم دول العالم، في المغامرة العراقية .
يقول الكتاب أن القوّة العسكرية، و خدمات الأمن، و البيروقراطية العراقية، تحتاج إلى إصلاح و تطهير جذريين . و تشتد الحاجة إلى تحقيق العدالة لضحايا حقوق الإنسان ( ملحوظة : لا أدري عن أي حقوق إنسان مهدرة يتكلّم الكتاب، تلك التي أهدرها صدام، أم أهدرتها القوات الأمريكية و البريطانية بالنسبة للمعتقلين و السجناء العراقيين، أم من تكفّلت بهم الوزارة المؤقتة ؟!) .
ثم يتكلّم الكتاب عن المحنة الاقتصادية التي عاشها الشعب العراقي على مدى عقدين من العذاب، يقصد العقوبات الاقتصادية التي تحمّست لها الولايات المتحدة، و ضغطت على الأمم المتحدة حتّى وافقت عليها، المرّة بعد الأخرى، و التي كان الهدف منها معاقبة صدام حسين و نظامه، فوقع العقاب على الشعب العراقي فقط . و يقول الكتاب أن هذه التحديات تكون لها دلالاتها و آثارها .

الجيرة غير المتعاطفة

و نتيجة للملابسات الدبلوماسية للصراع، يكون على الولايات المتحدة أن تتصدّى أيضا للجيران غير المتعاطفين ـ إيران، و سوريا، و تركـيا ـ الذين لهم مصلحة في التأثير على السياسـات العراقية، و ربما زرع عدم الاستقرار في عملية التحوّل السلسة .
و على المستوى العالمي ـ يقول الكتاب ـ قادت الانقسامات السابقة للحرب، في مجلس الأمن بالأمم المتحدة، إلى جعل المهمة أكثر مشقّة على الولايات المتحدة، في تبنّي سوابق نماذج المشاركة في تحمّل العبء، التي حدثت في البوسنة و كوسوفو، و حتّى في أفغانستان . (هنا، لا أعتقد أننا نحتاج إلى تذكير القارئ بأن هذا كان خيار إدارة بوش، و عصابة ديك تشيني من كهـنة المحافظين الجدد، ممّا دفع الولايات المتحدة إلى أن تضرب عرض الحائط بأي رأي أو مشورة من الأمم المتحدة، أو من الدول الصديقة ) .
و يقول الكتاب أنه في نفس الوقت، قادت هذه الأوضاع، إلى أن تصبح الولايات المتحدة غير قادرة على القيام بالعديد من التحضيرات السابقة لبدء الحرب، التي كان من الممكن أن تسهّل التحولات التالية للحرب، مثل تنسيق العمليات الإنسانية مع الأمم المتحدة و المنظمات غير الحكومية، و تنظيم قوى بوليس مدني دولي، و تأسيس سلطة سياسية عالمية، لدحض شكوك العرب بالنسبة لإمبريالية الولايات المتحدة .

إيجابيات الوضع العراقي!

غير أن الكتاب يرى أن العراق تتمتّع ببعض المزايا، في مجال بناء الدولة، و يوردها كالتالي :
أولا : تتمتع بإدارة مدنية يمتد نفوذها إلى أنحاء الدولة، و تعتبر على درجة من الكفاءة النسبية . و هذه الإدارة تحتاج إلى إعادة بناء، و ليس إلى إقامة جديدة من نقطة الصفر . و لأنّها تعتمد على عمالة عراقية، فهذا سيخفّض الحاجة إلى التدخل الدولي المباشر، و يسهّل إدارة الأمن و التنمية عبر البلاد .
ثانيا : الإدارة المدنية القائم، و العلاقات الكثيفة مع وكالات الأمم المتحدة، يعني أن بالإمكان التوصّل إلى حلول للمسائل الإنسانية .
ثالثا : البترول الموجود في العراق يعني أن الدولة لن تبقى معتمدة على المساعدات الدولية، على المدى الأوسط .
و يقول الكتاب في النهاية، أن الولايات المتحدة، و هي تشرع في برنامجها بالغ الطموح لبناء الدول، و الذي يعود إلى سنة 1945 ( و هو يشير هنا إلى إعادة بناء ألمانيا و إيطاليا )، يمكن أن تتعلّم دروسا هامة من الدراسات التي تمت على الحالات المختلفة، و التي يتضمنّها هذا الكتاب . ثم ينتقل الكتاب إلى محاولة تبرير استمرار بقاء الاحتلال الأمريكي للعراق، رغم وقائع الفشل المتتالية، فيقول " لا تستطيع الولايات المتحدة أن تطبق استراتيجيات انسحاب مبكّر، و لا أن تترك المهمة نصف منجزة . و السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون عن أقرب وقت تستطيع فيه أمريكا الرحيل، و لكن بأي قدر و بأي سرعة تستطيع أن تشارك السلطة مع العراقيين, و مع المجتمع الدولي ؟ .."

* * *

لنكتشف الخلط الفكري الذي يشوب تحليلات فوكوياما في هذا الكتاب، يحسن أن نراجع ما قاله في كتابه الشهير " نهاية التاريخ "، لنرى جذور هذه الأفكار الغريبة، و الرؤى المختلطة، و المنهج الانتهازي الذي يضفي على المؤامرة الكبرى صبغة الفكر الأصيل .. تماما كما فعل زبانية أدولف هتلر من المفكّرين، في القرن الماضي، و أسفر عن مآسي الحرب العالمية الثانية، بما أحدثته من خراب و دمار و تقتيل .

ليست هناك تعليقات: