الثلاثاء، سبتمبر 04، 2007

وسائل منع الفهم

وسائل منع الفهم
أفكار و آراء و سياسات الأذكياء في مصر..لماذا تصبح عقيمة ؟

لن أتكلّم هنا عن الأذكياء من محترفي العمل السياسي الغوغائي، و لا أنتوي الحديث عن الذكاء الانتهازي الذي يسيطر على حياتنا السياسية .. إنّما أتوجّه بالحديث إلى الأذكياء المخلصين لمصر، الجادين في البحث عن مخرج لها من مأزق التخلّف الحالي . فعلى مدى نصف قرن، عايشت المئات من المؤتمرات و حلقات البحث و الدوائر المستديرة، التي جمعت بين العديد من الأذكياء الجادّين، الساعين بصدق لحلّ مشاكل مصر، و البحث عن مستقبل مضيء لها.. و قرأت مئات المقالات الجادة عن هذا في صحافتنا .. لكن الواقع المرير يقول أن خلاصة الآراء و الأفكار و السياسات التي توصّل إليها هؤلاء الأذكياء، جاءت عقيمة، و لم تنجح في تشخيص المشكلة الحقيقية، و رسم الحلول العملية الواقعية .. السرّ وراء هذا كلّه، وسائل منع الفهم التي تشيع في حياتنا الفكرية
وسائل منع الفهم هذه، مصدرها سبب موضوعي، يتّصل بالتغيّرات الجذرية المتسارعة التي يمر بها المجتمع البشري، و التي تنقلنا من واقع و مبادئ و قوانين عصر الصناعة الذي ساد حياة البشر على مدى ما يزيد عن قرنين، إلى واقع جديد نابع من عصر المعلومات و الاتصالات، و له واقعه و مبادئه و قوانينه التي تختلف عن سابقه، بل و تتناقض معه .
و سأورد فيما يلي ـ باختصار شديد ـ جانبا من وسائل منع الفهم هذه، و التي تصاحب عملية التحوّل الكبرى التي يمر بها البشر، في جميع أنحاء العالم

ليس المزيد ممّا كان

يعوق فهمنا لما يجري، اعتبار أن الآتي هو المزيد ـ أو الأقل ـ ممّا كان . أي أن الأمر مجرّد تغيّر كمّي، يجوز فيه الخضوع لنفس المبادئ و القوانين التي اعتمدنا عليها، على مدى القرنين الماضيين .
و حقيقة الأمر أننا بصدد نسق حياة جديد تماما، تقوم على مبادئ و أسس جديدة في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية . و الفشل السائد ـ عندنا و في معظم المجتمعات البشرية ـ يرجع إلى محاولة فرض حلول تاريخية على واقع مستجد . فهم طبيعة مجتمع المعلومات الجديد، تفسّر لنا سر المشاكل الحالية المتضخّمة، في الاقتصاد، و التعليم، و الممارسة السياسية، و الإدارة، و الأسرة.
تشابك الظواهر
كما يعوق فهمنا، تصوّر أنه من الممكن النظر إلى كلّ جانب، و دراسته بشكل جزئي بمعزل عن الجوانب الأخرى .. كأن يتصور الإنسان إمكان لبحث عن حلول مستقبلية للتعليم، دون معرفة مستقبل اقتصاد عصر المعلومات، و اختلافه عن اقتصاد عصر الصناعة .
و هذا هو الخطأ الذي يقع فيه الوزراء بحكم تخصصهم، و هو أيضا الخطأ الذي وقعت فيه لجنة السياسات بالحزب الوطني عندما تصوّرت إمكان حل كلّ مجال على حدة، دون إدراك لتشابك الظواهر المستجدّة .
المصطلح كائن حيّ
و من أسباب الخلط، استخدام الكلمات و المصطلحات بمعانيها القديمة، دون الاتفاق عن معانيها الجديدة في ظلّ المجتمع الجديد . كلمة " الديموقراطية " قد لا تعني شيئا في مجتمع قبلي، و لكنها تعني الشورى في المجتمع الزراعي . و قد ابتدعت القيادات الفكرية لعصر الصناعة نوعا جديدا من الديموقراطية، ينسجم مع درجة تعقّد الحياة و تركيبها، أحدث شرخا في جسم سلطة اتخاذ القرار دخلت منه أعداد من الطبقة المتوسطة، لم يسبق لها أن دخلت ذلك المجال، و كانت تلك ديموقراطية التمثيل النيابي . و اليوم، تفقد هذه الممارسة الديموقراطية جدواها في كل أنحاء العالم، و بدأ المفكّرون في البحث عن أشكال للممارسة الديموقراطية تناسب المبادئ و الأسس الجديدة لمجتمع المعلومات، و بدأنا نسمع عن الديموقراطية نصف المباشرة، و ديموقراطية المشاركة، و التوقّعية

الأيديولوجيات السابقة

من أخطر وسائل منع الفهم، الانطلاق من نظرية أو أيديولوجية أو عقيدة سابقة، نبعت من ظروف مجتمعية تختلف عن الظروف الراهنة . يتّصل هذا بأهم أركان التفكير الناقد، الذي يلزم بمراجعة الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها أي نظرية أو عقيدة أو نظام أو مذهب، للتثبّت من أن تلك الافتراضات ما زالت قائمة و سليمة .
مثال ذلك، ما نشهده حاليا من حديث عن السقوط النهائي للاشتراكية، و انتصار الرأسمالية، مع كلّ ما تعانيه الرأسمالية حاليا من مشاكل غير مسبوقة، يستحيل الوصول إلى حلّ لها.. و السبب هو أن الاشتراكية و الرأسمالية هما معا وجهان لعملة واحدة هي المجتمع الصناعي .. و أن هذه العملة ترفع حاليا من التعامل، بعد أن بدأنا الدخول إلى مجتمع المعلومات . النظريات و القواعد التي وضعت لمجتمع رعوي أو قبلي أو زراعي، لا يصحّ أن يأخذ بها أبناء المجتمع الصناعي، و كذلك لا يصح لأبناء عصر المعلومات أن يأخذوا بأي نظم أو نظريات أو عقائد نابعة من مجتمع سابق، إلا بعد التثبّت من أن الافتراضات التي
قامت عليها ما زالت سليمة

التغيير متكامل

من الأمور التي تسبب لنا الكثير من الخلط الفكري، و تعوق فهمنا لما يجري حولنا، تناول عنصر واحد من عناصر التغيير، و محاولة تصوّر المسـتقبل من خلال ذلك، دون أن ندخـل في اعتبارنا باقي التغييرات التي تتبادل التأثير فيما بينها .
لا قيمة لجهد أي وزارة من الوزارات، في مجال إعادة البناء من أجل العبور إلى مجتمع المعلومات .. على مدى نصف القرن الماضي، تعددت المشاريع الوزارية في هذا المجال، دون أن تنجح في تحقيق هدفها . في زمن التغيير الشامل الذي نعيشه، لا يمكن لوزير التعليم ـ أي وزير ـ لأن يعيد بناء العملية التعليمية دون أن يتم هذا بالتنسيق المحكم مع العمليات المناظرة في الاقتصاد و العمل و الممارسة الديموقراطية .
لو نجح وزير التعليم ـ بمعجزة ـ في التحوّل من تعليم التلقين الذي نعتمده، إلى التعليم القائم على التفكير الناقد و الابتكاري، أو التعليم خالق المعرفة .. إذا تم هذا دون أن يتم التحوّل من العمل القائم على العمالة العضلية إلى العمل القائم على العمالة المعرفية، فستكون النتيجة بطالة بنيوية شاملة .. و العكس صحيح . كلك سينهار المجتمع لو أتاح التعليم أجيالا تفكّر و تناقش و تبتكر، بينما بقيت ممارستنا الديموقراطية على حالها من الشكلية و الادعاء .
لهذا، كنت أقول دائما : لا يكفي أن نحصر مؤشرات التغيير الحالية لنفهم طبيعة الحياة التي نمضي إليها، بل لا بد من أن نفهم جيدا التأثيرات المتبادلة بينها .

أهمّية الرؤية المستقبلية

رصد مؤشرات التغيير الحالية التي تمر بها البشرية، ثم محاولة فهم طبيعة العلاقات متبادلة التأثير فيما بينها، هو الذي يتيح لنا أن نتبين معالم مجتمع المعلومات الذي نمضي إليه، و يسمح لنا بوضع رؤية مستقبلية شاملة تفيدنا في فهم حركة الأشياء المركبة، و نحن نعبر من عصر الصناعة إلى عصر المعلومات
الرؤية المستقبلية، هي التي ستتيح لنا أن نستنبط صورة الحياة القادمة في أي مجال من مجالات حياتنا الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية، دون أن تناقض في تصوّراتنا المختلفة . و هي التي تتيح لنا وضع الاستراتيجية العامة لإعادة بناء مصر، و الاستراتيجيات الفرعية، و الخطط طويلة المدى و قصيرته، و هي التي ستسمح لنا بوضع الأولويات المناسبة لقدراتنا و واقعنا الراهن

هناك تعليقان (2):

حلوان يقول...

لك جزيل الشكر على هذا الجهد

Ragy Enayat يقول...

شكرا على الاهتمام .. راجي عنايت