الأحد، أبريل ١٩، ٢٠٠٩

الكتاب الأخير لفوكوياما

غياب النمط الأمثل للمؤسسة الحكومية


في كتابه الأخير، يقول فوكوياما " من المفيد ـ بالتأكيد ـ أن نحاول فهم مشكلات إدارة المؤسسة، أو الفساد في القطاع العام أو الحكومي، من خلال مصطلحات ( صاحب الحق ـ الوكيل )، لاستغلال ذلك الإطار في رسم مؤسسات تسعى إلى التوفيق ثانية بين المصالح المتنافرة .. " .
ثم يضيف هناك ثلاثة أسـباب رئيسية ـ على الأقل ـ لعدم إمكان الاتفاق على مواصفات مبدئية للمؤسسـات النمطية، و عدم وجود مواصفات مبدئية للمنظمات، و بشكل خاص ما يتّصل بوكالات القطاع العام .
أولا: عدم وضوح الأهداف .
أهداف الكثير من المؤسسات و التنظيمات تكون غير واضحة . و لا يمكن أن يقف الموظّف أو المدير أو
الوكيل عند حدود إرادة أصحاب الحق، إلا إذا عرف أصحاب الحق ما يريدونه بالضبط ممن ينوب عنهم في
إدارة الأمور و تسييرها، لكن الوضع لا يكون دائما هكذا . فالأهداف غالبا ما تظهر و تكتمل من خلال التأثيرات المتبادلة، بين العاملين في المؤسسة، أو أن تتحدّد عن طريق النظم و القواعد التي تحكم عمل العاملين في المؤسسة . فالعمل يمكن تقسيمه وظيفيا خلال تنوّع من الطرق، التي غالبا ما تفضّل بعض الأهداف التنظيمية على الأخرى، و ليس جميع الأهداف في نفس الوقت .
ثانيا : صعوبة الرصد و المراقبة .
النظم المعتادة في الرصد و التقييم، و بشكل خاص في الإدارة العامة، إمّا لما يتطلبه من تعاملات ذات تكلفة عالية جدا، أو لأنه ببساطة مستحيل لنقص الوضوح للجهد الذي يتطلبه . في هذه الحالات، يكون الأكثر كفاءة، في أغلب الأحوال، مراقبة سلوك و تصرّف الوكيل أو الموظّف من خلال المعايير غير الرسمية، لكن هذا الخيار تكون له عيوبه الخاصة .
ثالثا : المفاضلة بين الكفاءة و المخاطرة .
الدرجة المناسبة لتوكيل النائب في اتخاذ القرارات، تختلف وفقا لشروط النمو الداخلي أو النمو الخارجي، التي تواجهها المؤسسة مع الزمن . و جميع أشكال التوكيل أو الإنابة تتراوح بين حدّي الكفاءة و المخاطرة، و أن كلّ من درجة المخاطرة و المستوى المناسب من الإنابة أو التوكيل، غالبا ما يكون من الصعب على المؤسسة أن تحدده .

الغموض في الأهداف

المصدر الأول للغموض في أهداف المؤسسات، غالبا ما يكون غير واضح، أو متناقض، أو من الصعب توصيفه . و يقول فوكوياما أن إطار ( المالك – الوكيل ) يفترض أن أصحاب الحق أفرادا عقلاء، يفهمون مصلحتهم الخاصّة تماما، و يوكلون السلطة إلى الإداريين أو النواب وفقا لتلك المصالح . و السلطة تسبح في اتجاه واحد، من قمة تسلسل الرئاسات إلى قاعدته . المشاكل داخل المؤسسة من قبيل ارتكاب الموظف لمخالفات، أو وقائع فساد، أو حتّى الغرق ببساطة في البيروقراطية، تحدث كلّها كنتيجة للسلوك الخاضع للمصلحة الذاتية من جانب الموظّف، الذي لا يجد نفسه في نفس هيكل الحوافز الخاص بالمالكين أو أصحاب الحق، أو تحدث من الذين لا يفهمون سلطة أصحاب الحق، أو يجدوا أنفسهم غير قادرين على إطاعتها .
و يعلّق فوكوياما على هذا قائلا أن أحد مثالب إطار ( المالك ـ النائب )، هو افتراضه أن السلطة و النفوذ يتدفقان في اتجاه واحد: من أعلى إلى أسفل . و العديد من التناقضات التي تنشأ بين صاحب الحق و المدير أو الموظّف، تنتج عن اختلاف التفسيرات حول أفضل الطرق لتحقيق الأهداف العامة، و التي قد لا يكون الحق فيها إلى جانب المالك دائما . أو تنشأ من تناقض التفسيرات فيما هو أفضل شيء لتعظيم مصلحة المالك . و يستخلص فوكوياما من هذا، أن هيكل السلطة المركّب داخل المؤسسة أو التنظيم، يفسّر لماذا يكثر عدد المحافظين، الذين يميلون إلى الجمود في أماكنهم، و هم بالقطع الذين نطلق عليهم " البيروقراطيين " .
و بالنسبة للمصدر الثاني للغموض، لا يمكن لنا أن نجعل مصالح و دوافع الموظّف أو المدير أو النائب تتطابق تماما مع مصالح صاحب الحق أو المالك . و يعلّق فوكوياما قائلا أن جانبا كبيرا من نظرية النظم، يركّز على الآليات التي تسمح بأكبر قدر من التقارب بين المصلحتين . كما أنه من المستحيل، في كثير من الأحيان، أن نرصد نتيجة جهد المديرين أو الموظفين، بطرق تجعلهم مسئولين عن أعمالهم . و هناك منهج آخر للتحكّم في الموظفين، تعتمد على معيار أو قواعد السلوك، و على جهد الموظّف في التشكيل النشيط لوظائف صلاحياته .
و يقول فوكوياما أن قدرة هذين التصورين في أن يكمل أحدهما الآخر، و على أن تحل كلّ منهما مكان الأخرى، تصنع المصدر الثاني لغموض النظم و المؤسسات
و لكن .. كيف يحل فوكوياما إشكالية : أصحاب الحق ـ الوكلاء ـ الدوافع ؟ .

الدول الضعيفة هي مصدر الخطر !

في الفصل الثالث من لكتاب، نصل إلى بيت القصيد، أو الهدف الحقيقي من هذه الدراسة الموجّهة، لحساب خطط المحافظين الجدد في الولايات المتحدة . و هو هنا يتكلّم عن " الدول الضعيفة، و الشرعية الدولية " . و لتبرير سياسة التدخّل العسكري من جانب الولايات المتحدة، و احتلالها للعديد من الدول النامية، يخرج علينا فرانسيس فوكوياما، بنظرية مفادها أن ضعف الدول الضعيفة ـ أيا كان سببه ـ يضرّ بمصالح الولايات المتحدة، و يقتضي منها التدخل، بسبب أو بدون سبب ! .
يقول " منذ نهاية الحرب الباردة، أصبحت الدول الضعيفة أو الفاشلة المشكلة الوحيدة الأكثر أهمية أمام النظام العالمي .. و هذه الدول الفاشلة أو الضعيفة تنتهك حقوق الإنسان، و تثير الكوارث الإنسانية، و تقود إلى موجات واسعة من الهجرة، و تعتدي على جيرانها .." . و عندما نتأمّل هذه الكلمات على ضوء ما حدث ـ فقط ـ في أفغانستان و العراق، نتسـاءل من الذي انتهك حقوق الشعبين، في سجونه و خارجها ؟، ومن الذي يثير الكوارث الإنسانية التي لا تنقطع أخبارها ؟ ، و من الذي يشكّل أكبر مشكلة حاليا بالنسبة لمعظم دول العالم، و لجميع عقلاء شعوب العالم ؟ .. أليست هي الولايات المتحدة، بفضل المشاريع الجنونية التي تخطط لها الأصولية الأمريكية ( يهودية و مسيحية ) ؟، و يساندها كبار أثرياء السلاح و البترول و المقاولات، الذين يمسكون بأقدار الشعب الأمريكي بين أيديهم ؟ .
ثم يضيف فوكوياما " و منذ 11سبتمبر، بدا أيضا واضحا أن هذه الدول تأوي إرهابيين دوليين، الذين يستطيعون أن يسببوا ضررا واضحا للولايات المتحدة، و لغيرها من الدول المتطوّرة .." . و هو هنا يتكلّم عمّا بعد 11 سبتمبر، و لا يذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي حشدت جيوش الجهاد الإسلامي من جميع أنحاء العالم العربي و الإسلامي، و تحالفت مع بن لادن، و زودته بمعين لا ينضب من المال و السلاح و التأييد القوي .. و كان كل ذلك لحساب ضرب النظام الموالي للسوفييت من أفغانستان، و تحت شعار محاربة قوي الشر ( و إن كانت الأيام قد أثبتت أن الولايات المتحدة كانت منذ زمن طويل، و ما زالت، منبع الشرور في عالمنا ) . الحقيقة الخالصة، هي أن الولايات المتحدة هي التي تحدث بنفسها جميع الأضرار .

الدوافع الإنسانية الكاذبة

الغريب أن فوكوياما كتب كتابه هذا عام 2004، أي عندما وضح الوضع العراقي للعالم بأكمله . و بعد أن نجحت أمريكا في تحويل العراق إلى صورة مكبّرة مضخّمة لأفغانستان، قبل و بعد الاحتلال الأمريكي . لم تكن العراق دولة ضعيفة ( بمنطق فوكوياما ) قبل احتلال أمريكا لها، و في حقيقة الأمـر، لم تصبح دولة ضعيفة متهاوية، تقوم إدارتها على مجموعة كبيرة من المغالطات و الأكاذيب، إلاّ بعد الغزو الأمريكي، و في ظل إدارة بريمر و من خلفه عناصر النظام الأمريكي .
و يقول فوكوياما أن مشكلة الدولة الفاشلة، التي كان ينظر إليها سابقا بشكل عام، باعتبارها موضوع إنساني، أو موضوع حقوق إنسان، ظهر لها فجأة بعدا أمنيا رئيسيا . و حقيقة الأمر أنه لا أمريكا و لا أي من الدول الصناعية الثرية الكبرى قد كانت لتدخلاتها في دول العالم الثالث، أو الدول النامية أي نوع من الدوافع الإنسانية، و لم يكن لها غير الهدف الرباعي : البترول، و المواد الخام، و العمالة الرخيصة، و الأسواق . ثم هو يستدل بقول مايكل إجناتييف " و ظهر أيضا في تسعينيات القرن الماضي فشل عام في الخيال التاريخي، و هو عدم قدرة الغرب فيما بعد الحرب الباردة على إدراك الأزمة البازغة في نظام الدولة، في كثير من المناطق المتداخلة من العالم ـ من مصر إلى أفغانستان ـ ستكون مهـددة لنا في بلادنا .. " .
و من بين أسباب عدم استقرار الشرق الأوسط التي يوردها فوكوياما، غياب الديموقراطية، أو أي مشاركة سياسية شعبية معقولة . لكنّه يستدرك ـ تحت وطأة الواقع التاريخي الذي لا ينكرـ فيقول " فقد كان ينظر إلى الطبيعة الشمولية المتزايدة للحكم في المنطقة، باعتباره أمرا مقبولا من الولايات المتحدة، التي كانت تتهم بوجود دوافع خفية عندها في دعمها لنظم مثل العربية السعودية و مصر .. " .
و من ناحية أخرى، يرى فوكوياما أن الأوضاع في الشرق الأوسط قد بلغت هذا القدر من السوء نتيجة للركود الاقتصادي، و هو يرى أن المنطقة " قد فاتتها ـ إلى حدّ كبير ـ موجات الإصلاح الاقتصادي، التي تميّزت بها أمريكا اللاتينية، و آسيا، و مناطق أخرى من العالم النامي، خلال ثمانينيات و تسعينيات القـرن الماضي " . و أن ذلك الكسـاد ساد جاء بالتحديد في وقت كانت فيه هذه الدول تعاني من تضخّم شبابي، خلق عشرات الآلاف من الشباب المتعطّل . و هو يرى أن العديد من حالات الكساد هذه ـ كما هو حال الدول النامية في أجزاء أخرى من العالم ـ يمكن إرجاعها إلى ضعف الأداء الحكومي، من جانب الدول التي لا تشجّع نشاط الاستثمار الخاص، و الاعتماد على الأسواق ذات الكفاءة .

في الرسالة التالية يتحدّث فوكوياما عن " إدارة بوش .. و الطموح الإمبراطوري " .

الجمعة، أبريل ١٠، ٢٠٠٩

فوكوياما .. و مشاكل الحكم

فوكوياما في كتابه الأخير

مشاكل الحكم ..

بين صاحب الحقّ و الوكيل !


في الفصل الثاني من كتاب " بناء الدول ..الحكم و النظام العالمي في القرن 21 "، يتحدّث فوكوياما عن التنظيم الإداري، فيقول أنه حتّى في إطار النطاق المحدود للتنظيم، لا يوجد حد أدنى من أشكال التنظيمات، سواء في وكالات القطاع الخاص أو العام . ممّا يعني أنه لا توجد قواعد مقبولة عالميا للتصميم أو الصياغة المؤسسية، ممّا يعني أن مجال الإدارة العامة يكون في الأساس أقرب إلى الفن منه إلى العلم .
و هو يقول " وهذا يكون له تأثير هام على سياستنا، في الطريقة التي نأخذ بها عند المساعدة على تقوية الدول في البلاد النامية، و في الطريقة التي ندرّب بها المختصين في هذا المجال .. الحلول الجيّدة في مجال مشاكل الإدارة العامة يجب أن تكون ـ بشكل ما ـ محلّية، ممّا يقتضي علاقة مختلفة تماما بين حكومات البلاد النامية، و مصادر المعونة أو الخبرة الخارجية .. " .

مشكلة تفويض الامتياز

فيما قبل عصر الصناعة، كان مالك النشاط هو مديره في أغلب الأحيان، و هو الذي يقوم باتخاذ القرارات الهامة في عمله، دون شريك . و في عصر الصناعة،و نتيجة للتطور الصناعي الذي أتاح الإنتاج على نطاق واسع، و من ثم التوزيع و الاستهلاك على نطاق واسع، و قاد إلى ظهور السوق بمعناها الجديد، حدثت أربعة أنواع من الانفصال، في حياة البشر العملية : بين العمال و أصحاب العمل، و بين المسـتهلكين و المنتجين، و بين المدّخرين و المستثمرين، و أيضا بين الإنسان و الطبيعة .
و حول هذا يقول فوكوياما " يدور قدر هائل من نظرية النظم حول مشكلة رئيسية وحيدة، و هي التفويض أو الإنابة في اتخاذ القرار .." . و يستعرض رأي يينسين أحد كبار منظري النظم، الذي يقول أنه لاستحالة تحريك جميع المعلومات إلى متخذ القرار المركزي، سواء كان مخططا مركزيا في اقتصاد ما، أو المدير التنفيذي في مشروع ما، يجب أن يتم تفويض معظم حقوق اتخاذ القرار إلى الأفراد الذين يمتلكون المعلومات المعنية . و ثمن إعادة توزيع المعلومات بين الأفراد، هو ضرورة تحويل بعض حقوق اتخاذ القرارات لامركزيا، في المؤسسات أو الاقتصاد . و يضيف يينسين أن هذه اللامركزية تقود بدورها إلى نظم تخفف من مشكلة التحكّم، الناتجة عن حقيقة أن أصحاب المصالح الشخصية الذين يتولون عملية اتخاذ القرارات، نيابة عن الآخرين، لا يتصرفون كنوّاب كاملين .
و يقول فوكوياما أن التمييز بين الفرد و مصالح المؤسسة، قاد إلى ظهور فرع كبير رئيسي للنظرية، تحت عنوان " العلاقة بين صاحب الحق و الوكيل أو المخوّل "، و هو الذي أتاح فهم مشاكل الحكم بوضوح .
و منذ بدايات القرن العشرين، اكتشف الباحثون أن انفصال الملكية عن الإدارة في المؤسسات الحديثة، يخلق قدرا ملحوظا من مشكلات إدارة المؤسسات . فالمالكون أو أصحاب الحق، يوكّلون عنهم في متابعة مصالحهم نواب أو مديرين، لكن هؤلاء الوكلاء أو النواب غالبا ما يستجيبون لدوافعهم و مصالحهم الخاصة، التي تختلف عن مصالح الملاّك . و هذه مشكلة تلازم جميع أشكل المؤسسات التي تأخذ بنظام تسلسل الرئاسات، و يمكن أن تظهر عند عدة مستويات من ذلك التسلسل، و في نفس الوقت .

الفساد الإداري و السياسي

و بمجرّد أن جرى التعامل مع نظرية ( المالك – الوكيل ) في مجال الشركات و المؤسسات الخاصّة، أصبح من السهل تطبيق إطارها في تفسير سلوك القطاع العام .
في القطاع الخـاص، أصحاب الحق هم حملة الأسهم، و نوابهم أو وكلائهم هم مجالس الإدارة و المديرون . أما في القطاع العام، فأصحاب الحق هم الشعب على اتساعه . في الدول الديموقراطية، يكون أعلى مستوى للوكلاء هم مجموعة النواب المنتخبون، و هؤلاء النواب المخوّلون يتصرفون كأصحاب حق أو ملاّك، بالنسبة للمديرين التنفيذيين الذين يندبون للفروع المختلفة، على أساس أن يتولوا تطبيق السياسات، التي تم وضعها لهم . و يظهر الفساد السياسي، عندما يضع هؤلاء الوكلاء المنفذون (موظفو الحكومة ) مصالحهم المالية الخاصة قبل مصالح أصحاب الحق الأصليين ( الشعب ) . و إلى الحلقة القادمة ، لنستكمل هذه النقطة، التي ستكون سهلة الفهم علينا، فنماذجها حولنا في كل مكان، و على مختلف المستويات .
نشأت المشكلة من التباين بين مصالح صاحب الحق و من أنابه للإدارة و التصريف، سواء في القطاع الخاص، أم في القطاع العام و الحكومة . و فوكوياما يعطي هذه المشكلة اهتماما خاصا، في عملية بناء الدول .. في جميع مجتمعات العالم، يوجد هذا التناقض بين مصالح صاحب الحق أو المال، و بين من يوكله لإدارته أو تصريف أموره ..
يقول فوكوياما أن الفساد السياسي ينشأ عندما يعمد النائب أو المخوّل الفرد، الذي هو هنا موظّف الحكومة، إلى تغليب مصالحه المالية الشخصية، على مصالح أصحاب الحق الذين أنابوه أو فوّضوه .
و يستدرك قائلا " لكن الوكيل (الموظّف )، يمكن أن يمضي عكس رغبات أصحاب الحق ( الشعب )، لأسباب أخرى أيضا، مثل رغبته في الإبقاء على وكالته أو إدارته، و يؤمّن وظيفته، أو لدوافع أيديولوجية تختلف عن دوافع أصحاب الحق الذين فوّضوه .." .

المصلحة الشخصية ليست بدعة !

و يشير فوكوياما إلى فرع أساسي في الاقتصاديات المعاصرة .. نظرية " الاختيار العام "، و هو يبـدأ بافتراض أن الوكيل أو المفوّض في مؤسسات القطاع العام، ستكون له أجندة مختلفة جدا عن أجندة أصحاب الحق الذين فوّضوه . و يقول المنظرون في هذا المجال أن الموظفين العموميين لا يختلفون عن أي وكيل اقتصادي آخر، في السعي إلى تعظيم مصالحهم الشخصية .
يضيف فوكوياما أن الحديث الشائع حول " الموظف العمومي "، يفترض أن موظف الحكومة سيكون توجّهه ـ بشكل ما ـ نحو التصرّف وفق المصلحة العريضة للجمهور، في الوقت الذي يكون فيه شرح سلوكه أفضل، وفق التجربة العملية، في إطار المصلحة الشخصية الضيّقة .
سلوك الموظّف الرسمي يمكن أن بتأثّر بالرشوة، أو بنشاط خارجي مدفوع، أو بخدمات لأفراد أسرته، أو بوعود الالتحاق بوظيفة أفضل . و يضيف فوكوياما أن هناك قدرا كبيرا من الجهد، يبذل حاليا، من أجل تطوير الحكم، بمحاولة تحقيق توافق أكبر بين دوافع النائب أو المفوّض، و بين المصلحة العامة .
الاتجاه العام للتوفيق بين مصالح الوكيل و مصالح صاحب الحق ( أي بين الموظف و الحكومة )، هو في السعي إلى المزيد من الشفافية، بالنسبة لنشاط الوكلاء أو الموظفين . و يعلّق فوكوياما على هذا ساخرا بقوله " و هي طريقة لطيفة للحديث عن مراقبة الموظفين الحكوميين ! " .
و هناك مقاربة أخرى، تصلح أكثر للتطبيق في مجال القطاع الخاص، منها في الحكومة أو إداراتها، تقول بتوحيد الملاّك و المديرون، بإعطاء الوكلاء أو المديرون فرص تملك الأسهم، أو أي شكل آخر من أشكال الملكية المشتركة .
و يقول فوكوياما أن النظريات الاقتصادية المؤسسات، شأنها شأن النظريات الاقتصادية بشكل عام، تنطلق من افتراض المنهجية الفردية .. ممّا يعني أن التنظيمات أو المؤسسات يمكن أن نفهما أساسا كتجمّعات لأفراد، تعلّموا أن يتعاونوا اجتماعيا، بدوافع المصلحة الذاتية الفردية .
و هذه الرؤية تميل إلى التأكيد على التناقضات في المصالح بين أفراد مجموعة العمل ( أي بين صاحب الحق و النائب أو المدير )، و هي من ثمّ تقلل من شأن عدد من المضامين مثل هويّة المجموعة، و الجهد الاجتماعي، و القيادة، إلى آخر ذلك .
و يعلّق فوكوياما قائلا " من المفيد ـ بالتأكيد ـ أن نحاول فهم مشكلات إدارة المؤسسة، أو الفساد في القطاع العام أو الحكومي، من خلال مصطلحات ( صاحب الحق ـ الوكيل )، لاستغلال ذلك الإطار في رسم مؤسسات تسعى إلى التوفيق ثانية بين المصالح المتنافرة .. " .

و إلى الرسالة التالية، لنتابع محاولة فوكوياما فهم مشكلات إدارة المؤسسة، و الفساد في القطاع العام، أو الحكومي .

السبت، مارس ٢٨، ٢٠٠٩

الدولار .. و الفرار الجماعي الكبير

الدولار يقترب من مركز الإعصار

ما يتجاوز قدرة القادة و الخبراء


" السحب الملبدّة يتزايد تراكمها، لتشكّل قريبا عاصفة عاتية في وجه الدولار الأمريكي، و في وجه الوضع المركزي الحالي للدولار في النظام المالي العالمي " . هذه العاصفة تحمل معها احتمال انقلاب على نطاق واسع، فاتحا الباب لتحوّلات أساسية، سريعة، و خارجة عن التحكّم إلى حدّ بعيد .

جوزيف ستروب ـ خبير الاستشراف الاستراتيجي


أصبح معروفا على أوسع نطاق، أن النظام المالي الحالي الذي يعتمد على الدولار الأمريكي بدون ضوابط معروفة، يجب أن يفسح المجال لنظام جديد يكون أكثر توازنا، و استقرارا، نظام مرن يمكن الاعتماد عليه .. يقوم على تعدد العملات، و من ثمّ لا يتعرّض للمساوئ بالغة الخطورة، بالاعتماد على نقطة فشل وحيدة : هي الدولار .
و للعلم .. إذا ما أصبح النظام المالي الحالي المتمركز حول الدولار أشد اهتزازا، بأكثر ممّا هو حادث، يصبح الانتقال إلى أي نظام مالي عالمي جديد ـ في أغلب الأحوال ـ عملية غير نظامية، فوضوية، خارجة عن التحكّم، و ليس ـ كما نتمنّى ـ تدريجية و منظّمة .
و للأسف، لا يمكننا التأكّد من أن قادة العالم يعرفون ما الذي يقومون به، في بحثهم عن مخرج لحلّ الأزمة الحالية . هل يهاجمون قلب المشكلة، أم يناوشون أطرافها ؟.

أزمة تجمع السيكلوجية البشرية، و الرياضيات

الاستثمار، و شئون المال، و الاقتصاديات، هو خليط مركّب .. يكون في بعض الأحيان ـ بكل ما في الكلمة من معنى ـ جامعا بين لامنطقية السيكلوجية البشرية، و المنطق الخالص للعلوم الرياضية، متضمنا احتمالات عوامل فعالة للصدفة و المخاطرة التي يجب أن ندخلها في الحسبان في أي حسابات نقوم بها .
التاريخ يمدّنا بالعديد من الأمثلة غير السعيدة، التي توضّح كيف أن المكونات السيكلوجية لحالات عدم اليقين، و الخوف و الحيرة، في بعض الأوقات الحرجة، تتفوّق على مكونات المنطق و العقل و النظم، صانعة دافعا قويا للسياسات قصيرة النظر، و المخاطرة، التي تفجّر المشاكل بأكملها .
البشر ـ ببساطة ـ لا يتصرّفون دائما بطريقة عقلانية و منطقية، ممّا هو في مصلحتهم الاستراتيجية الخالصة .. و المؤسسات، و الوكالات النظامية، و الحكومات، تتكون جميعا من بشر لا يتصرفون دائما بمنطق و عقلانية . و في أوقات الأزمات ـ كالتي نحن فيها حاليا ـ يتضخّم، لسوء الحظ، الجانب الأكثر إظلاما من التأثيرات السيكلوجية .

ما يتجاوز قدرة القادة و الخبراء

أضف إلى ذلك، حقيقة أن الاستثمار العالمي، و النظم المالية و الاقتصادية قد أصبحت بشكل متزايد مركّبة و متشابكة، و بطريقة أسرع بكثير من قدرة الخبراء و القادة على استيعابها . هذا التركيب يمنع أحيانا الحكومات، و غيرها من المؤسسات، من اتخاذ إجراءات شجاعة و عاقلة وسط الأزمات، خوفا من أن يرتد هذا إلى صدورهم، على صورة عواقب غير منظورة، و اضطرابات غير متوقعة .
و ممّا يزيد الأمور تعقيدا، أن الاستثمارات، و الشئون المالية و الاقتصادية، تكون كلّها تقريبا متشابكة بعمق مع الشئون السياسية، ممّا يضيف إلى احتمالات عدم اليقين، خاصّة في زمن الأزمات العالمية العميقة، عندما تميل الحكومات إلى البحث عن مصلحتها الخاصّة أساسا، بحيث تجرى تعلية الحس القومي و إجراءات الحماية .


إشاعة طمأنينة فارغة !

هل تذكرون ما سمعناه عندما انفجرت الأزمة الحالية عام 2007 .. من محاولات إشاعة الطمأنينة، و بأن الأمر لا يتجاوز أزمة رهن عقاري، ل تنتشر بأبعد من ذلك .. و عندما انتشرت، قالوا بأن خسائر بنوك وول ستريت لن ترتفع إلى ما هو أكثر من حوالي 200 بليون دولار؟ .. و هل تذكرون عندما أصرّ " الخبراء " على أن هذا لن يقود إلى انهيار الائتمان .. و هل تذكرون عندما أصرّوا على أن الأزمة لا يحتمل أن تنتشر من وول ستريت إلى الاقتصاد الحقيقي ؟ .. ثم، هل تذكرون قولهم أن مئات البلايين من الدولارات السائلة التي ألقيت إلى جوف النظام المالي في محاولة لإنقاذه، ستخرج النظام المالي من أزمته ؟ .. أين ذهبت كل تلك الأفكار، و الآراء، و الأيديولوجيات، و التقديرات، و التأكيدات، ذكيّة المظهر؟ .. أين هي الآن ؟! .
و نفس القول ينسحب على الجهود المتفككة، و فاقدة الحماس، لمجموعة الدول الصناعية القائدة السبع ( G -7 )، و التي بالإضافة إلى كونها شبه عقيمة ، استكملت عقمها بظهور المجموعة الأوسع التي تضم 20 دولة (G -20)، و التي وقع على عاتقها واجب تصميم و بناء نظام عالمي جديد، يحل محل النظام الخرب الحالي .

التمسّك بالدولار الجريح

المستثمرون، قطاع خاص و رسميون، في أنحاء العالم، استسلموا ـ كرد فعل للأزمةـ لسيكلوجية تفادي المخاطر الكبرى، و تمسّكوا بالدولار الأمريكي بشكل أشد، فاندفعت جموعهم إلى سندات الخزانة الحكومية، كملاذ من العاصفة المتصاعدة . هذه الحقيقة يمكن أن توحي بأن الثقة العالمية بالدولار ما زالت قوية أساسا، رغم ما أصابه من جروح على مدى السنوات الماضية، جرى توثيقها جيدا .
و الحقيقة هي أن احتمالات تأزّم الدولار عالميا قد ارتفعت بشدّة، بالرغم من ( و جزئيا بسبب) المكاسب ذات الدلالة التي حققها الدولار أخيرا، باعتباره ملاذ المستثمرين . و من سخرية القدر، أن هذا الاندفاع الجماهيري نحو الدولار، يفتح أوجه قصور و مخاطر جديدة، إمّا أنها لم تكن موجودة من قبل، أو أنها كانت هامشية جدا .
مثال ذلك، أطلق عدد من الخبراء تحذيرات مفادها أن سندات الخزانة الأمريكية تأخذ بشكل متزايد شكل الفقّاعة .. و هم ينبهوننا بأن الفقاقيع مآلها أن تنفجر، و أنها نادرا ما تفعل ذلك بطريقة منظّمة . عندما يحدث لهذه الفقاعة أن تنفجر مثل باقيها، ستحدث للدولار تأثيرات لا يمكن التحكّم فيها، بل ربما تكون عشوائية .
و اليوم تجرى الكثير من ضروب النقاش و الحوار، تدور كلّها حول سؤال وحيد :
هل سيجد الدولار الأمريكي طلبا عالميا كافيا، لتغطية ما يزيد عن 2 تريليون دولار، لسندات الخزانة التي ستصدر هذه السنة فقط ؟ .

فقّاعة سندات الخزانة الأمريكية

من بين المخاطر الجادّة التي يواجهها الدولار الأمريكي أيضا، بقاء الطلب العالمي على سندات الخزانة !! . لماذا ؟ .. لأن ذلك سيجعل فقاعة سندات الخزانة تتضخّم بشكل عملاق، مع مزيد من الالتفاف حول بنية النظام المالي العالمي، الذي هو مشوّه بالفعل حاليا، ممّا يضخّم التشوهات الخطيرة القائمة، فيما يشبه موجة تخريب و هدم ثانية في الأزمة الحالية، ثم الانفجار الهائل لفقاعة سندات الخزانة .
الأسواق البازغة، و بنوكها و حكوماتها، تعاني من تأثير الاختناق المتزايد لأزمة الائتمان، و مع الخسائر المتصاعدة المالية و الاقتصادية، تبلغ مخاطر التخلّف عن أداء الاستحقاقات أوجها، نتيجة التضييق الزائد لأزمة الائتمان العالمية .. و كما لو لم يكن هذا الوضع الخطير سيئا بما فيه الكفاية، فسياسات الإنفاق الهائل، و القروض الحرجة، التي بادرت بها الحكومة الأمريكية، لم تفعل سوى أنها فاقمت من حالة عدم الاستقرار المتزايدة، في هذه الجهات جميعا .
و نتيجة لتسهيل و تشجيع الهروب الجماهيري العالمي إلى سندات الخزانة، و إصدار مدد كبير للغاية من الديون السيادية الأمريكية، يعاني الجميع بشدة : الأسواق البازغة، و حكوماتها و بنوكها، و النشاط الاقتصادي الأمريكي . و بينما تعمد حكومة الولايات المتحدة إلى شفط جميع الهواء من أسواق الائتمان العالمية، عن طريق فقاعة سندات الخزانة، تجد هذه الكيانات الأخرى صعوبة لانهائية في الحصول على ائتمان بتكلفة معقولة، هذا إذا أتيح لها الحصول على شيء أصلا . كما يطالب المستثمرون بأرباح مرتفعة للغاية، للخروج من " الأمان " النسبي لسندات الخزانة، عند الاستثمار في سندات المؤسسات و الحكومات، في الأسواق الجديدة .

من أوروبا الشرقية إلى العالم

هذه المطالبة بالمزيد من المكاسب، التي يبديها المستثمرون، تجري ترجمتها على صورة تكلفة أعلى و خسائر متنامية، بالنسبة للبنوك عبر النظام المالي .. الوضع يتحرّك بسرعة نحو موجة هائلة محتملة، من عجز البنوك و المؤسسات و الحكومات عن الوفاء . و نتيجة لذلك تصبح أوروبا الشرقية ـ بالتحديد ـ على حافّة الهاوية .
أسواق الائتمان العالمية، و النظم المالية، يرتبطان بشكل عميق ببعضهما البعض، و هذا يعني بالتأكيد انتشار العدوى الزاحفة من أوروبا الشرقية، إلى باقي أوروبا، و من ثم إلى الولايات المتحدة .
و هذا يعني أن هذه الضغوط سيشعر بها النظام المالي العالمي بأكمله .. و أن مثل هذه الضغوط الجديدة القوية، على نظام أصبح بالفعل مهتزا للغاية، لا يحتمل أن تمضي، دون انصهار حقيقي للنظام بأكمله .

الفرار الجماعي ..

إذا ما اندفعت هذه الموجة الثانية، ستحمل معها أيضا اهتزازات سلبية عميقة لفقاعة سندات الخزانة ذاتها، لأن الولايات المتحدة و أوروبا ستغرق في حالة من الكساد الشامل، و الانهيار المالي، نتيجة لما يحدث في أوروبا الشرقية .
و هذا ـ بالضرورة ـ سيرغم المستثمرين العالميين أن يشرعوا أخيرا في تقييم أمان و إغراءات سندات الخزانة الأمريكية، و الدولار الذي يستند إلى الأساسيات سريعة الانهيار لاقتصاد الولايات المتحدة .
في التحضير لعملية الفرار الجماعي، سيبدأ المستثمرون في الفرار خارج الأصول المالية، مثل سندات الخزانة، إلى الأصول الصلبة الملموسة، مثل المعادن الثمينة، و بعض السلع الخاصّة التي انخفض سعرها انخفاضا كبيرا . و هذه الإجراءات ستوفّر مخازن للثروة، أكثر أمنا نسبيا، بل و تحتمل أرباحا حقيقية .
و الصين، اعتمادا على مواردها، تمضي بنشاط في اتجاه الأصول الصلبة، عوضا عن البقاء عند السعر، الذي تعاملت به عام 2008، لشراء سندات الخزانة الأمريكية، و غيرها من الأصول المالية .
لو استعرضنا التاريخ القريب لانفجارات فقاقيع الإسكان و السلع، لرأينا المستثمرين العالميين، بوصاية الحكومات المتحمّسة، قد تجاهلوا إلى أبعد حد المخاطر التي لا فرار منها، و تدافعوا نحو هذه الأصول على أوسع نطاق، مع الأرباح الساخنة المتدفقة قبل حدوث الانفجار . بيئة أسعار الفائدة العالمية المنخفضة للغاية، مع توفّر الائتمان العالمي بشكل ضخم، أعد المسرح لأرباح هائلة يجنيها المستثمرون، من الفقاعات العملاقة لتلك الأصول .
و لكن، عندما أرغم التضخم المتنامي السلطات الفدرالية على البدء برفع سعر الفائدة تدريجيا، بدأت فقاعة الإسكان في الانفجار، في أواخر عام 2006 . و مع ضعف الدولار، تحت ضغط التضخّم المتصاعد، و فقدانه لجاذبيته كملاذ آمن للثروة، تدافع المستثمرون بسرعة في اتجاه السلع، طلبا للسلامة و الربح، ممّا قاد إلى انتفاخ هذه الفقاعة إلى أبعاد عملاقة في صيف 2008، عندما بلغ برميل زيت البترول ما يقرب من 150 دولارا .
ثم، عندما ظهرت بعد ذلك معالم الركود صيفا، أدرك المستثمرون أن الطلب على السلع و أسعارها يهبطان بشدة، فاندفعوا منطلقين من السلع إلى سندات الخزانة، و هكذا انفجرت فقاعة السلع . لقد خلف انفجار الفقاعتين قدرا هائلا من الحطام، مع انهيار في قيمة الأصول، جاذبا مجال الأعمال، و البنوك، و حتّى الحكومات إلى الحضيض .

العاصفة على الدولار و النظام المالي العالمي

على الرغم من أن فقاعة سندات الخزانة الحالية يدور الحوار حول سلامتها، أكثر مما يدور حول أرباحها، إلاّ أن المخاطر الأساسية المرتبطة بالفقاعات تنسحب عليها .
كلّما تضخمت، و كلما زاد اعتماد المستثمرين العالميين عليها كملاذ آمن، كلما أصبحت أقل استقرارا، بسبب أنها تصبح أكثر حساسية بالنسبة للعديد من العوامل .. الداخلية و الخارجية معا .. الحقيقية و السيكلوجية معا .
و من المعروف أنه كلّما أصبحت الفقاعة أكبر و أكثر سخونة، كلما أصبح أنصارها أكثر استعدادا و سرعة في هجرها، و البحث عن الفقاعة التالية . و هذا هو السرّ في أن المستثمرين غالبا ما يميلون إلى التزاحم على سندات الخزانة ذات المدى الزمني شديد القصر .. فهم يعرفون أنهم سيضطرون إلى البيع، بأسرع ممّا اشتروها .
لهذا، لا يجب أن يفترض أحد أن الأزمة الحالية، ستتوازن أو تقترب من حلّ لها، لمجرّد أن الطلب العالمي على سندات الخزانة قد يظلّ عاليا في الشهور القادمة . فذلك ليس أكثر من إشارة إلى أن فقاعة سندات الخزانة أصبحت أكثر ضخامة، و أن تشوهات النظام المالي العالمي قد أصبحت أكثر عمقا و خطورة ، و أن الفقاعة قد أصبحت أقرب إلى الانفجار .. و هذا يتضمّن : احتمال عاصفة متكاملة في وجه الدولار، و أيضا في وجه النظام المالي العالمي .. الأمر الذي لا يتمناه أحد ..
و لكن هل يوجد من يبحث عمّا يمنع حدوث هذا أو ذاك ؟! .

راجي عنايت
بتصرّف عن
جوزيف ستروب ـ خبير الاستشراف الاستراتيجي
جلوبال ريسيرش ـ 16/3/2009


الاثنين، فبراير ٢٣، ٢٠٠٩

أسرارالأزمة الاقتصادية العالمية

كلام حقيقي حول :

أسرار الانهيار الاقتصادي الحالي


الانهيار الاقتصادي الذي رأيناه في أكتوبر 2008 ليس نتيجة ظاهرة دورة اقتصادية . إنه النتيجة الحتمية لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية، التي ترسمها الخزانة الأمريكية، و هيئة الاحتياطي الفيدرالي للولايات المتحدة .

إنها أكثر الأزمات الاقتصادية جدية في تاريخ العالم .

" الإنقاذ "، أو" العون المالي " الذي تقترحه الخزانة الأمريكية، لا يشكّل " حلاّ " للأزمة . بل على العكس من ذلك تماما : سيكون سبب الانهيارات القادمة . هذا الإجراء يطلق العنان لعمليات تركيز في الثروة، لا يمكن توقّعها، و التي تساهم بدورها في توسيع فجوة عدم المساواة الاقتصادية و الاجتماعية داخل الدول و بينها في نفس الوقت .
مستويات المديونية قد بلغت عنان السماء .. و المؤسسات الصناعية تساق إلى الإفلاس، لكي تستولي عليها المؤسسات المالية العالمية . الائتمان ( الذي يعني امدادات الأموال المتاحة للإقراض، و التي تشكّل حبل الإنقاذ للإنتاج و الاستثمار)، تتحكّم فها مجموعة صغيرة جدا من التكتلات المالية .
مع عمليات الإنقاذ أو العون المالي هذه، أصبح الدين العام أكثر وضوحا . لقد أصبحت أمريكا أكثر الدول مديونية في العالم . و فيما قبل أموال "الإنقاذ"، بلغ حجم الدين العام في الولايات المتحدة 10 تريليون دولارا .
ذلك الدين المحدد بالدولارات الأمريكية، يتكوّن من أذون خزانة معلّقة، و سندات حكومية يمتلكها الأفراد، و الحكومات الأجنبية، و الشركات، و المؤسسات المالية .

" الإنقاذ " : أو العون المالي الذي تقدمه الإدارة الأمريكية، يعني انها تموّل مديونيتها الخاصّة ! .
مما يثير السخرية، أن بنوك وول ستريت التي تتلقّى أموال الإنقاذ هذه، هي تعمل أيضا كسمسارة و ضامنة للدين العام الأمريكي . و رغم أن البنوك لا تتحكّم إلاّ في جانب من الدين العام، فهي تقايض و تتاجر في أدوات دين الدولارات الأمريكي العام، على اتساع العالم .
و هذا يعني بشكل أكثر سخرية، أن البنوك التي تتسلّم ما يزيد عن 700 بليون دولار كمعونات، تعمل في نفس الوقت كدائنة لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية .
نحن هنا نتعامل مع دائرة علاقات منافية للعقل : البنوك التي تتسلّم ما يزيد عن 700 بليون دولار كمعونات، تعمل في نفس الوقت كدائنة لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية .
و هذا يعني أن الإدارة الأمريكية تموّل مديونيتها الذاتية ! .

عملية " الإنقاذ " هذه تفضي إلى المزيد من الاندماج و المركزية للنفوذ المصرفي، ممّا يرتد أثره على النشاط الاقتصادي الحقيقي، مؤديا إلى سلسلة من عمليات الإفلاس، و البطالة الهائلة

هل يمكن لإدارة أوباما أن تعكس تيار الانهيار الاقتصادي ؟

وعد أوباما بأنّه سيعكس مسار اتّجاه المد الحالي قائلا في 4 نوفمبر 2008 :

" دعونا نتذكّر أنه إذا كانت هذه الأزمة المالية تعلّمنا أيّ شيء، فهو أنّه لا يمكن أن يظل وول ستريت ( شارع المال ) مزدهرا، بينما يعاني الشارع العام .. في هذه الدولة، نحن ننهض أم نسقط معا، كأمة واحدة و كشعب واحد ..".

كما كان أوباما قد قال في 3 نوفمبر 2008 :
" غدا .. يمكنكم أن تقلبوا صفحة السياسات التي تضع جشع و عدم مسئولية وول ستريت فوق العمل الشاق، من جانب الرجال و النساء في الشوارع العامة .. " .

المثير للسخرية أن سياسات الجشع و عدم المسئولية هذه، جرى تبنّيها في عهد إدارة كلينتون .

ففي عام 1999، قاد " قانون تحديث الخدمات المالية " إلى إبطال " قانون جلاس – ستيجول "، الذي صدر عام 1933، و الذي كان أحد أعمدة برنامج (النيو ديل) الخاص بالرئيس روزفلت، و الذي حاول به محاربة الفساد، و التلاعب المالي، و الصفقات التي تجري تحت المائدة، التي نتج عنها خسارة أكثر من 5000 بنك، في السنوات التالية لانهيار وول ستريت عام 1929 .
و تحت " قانون تحديث الخدمات المالية "، الذي صدر عام 1999، تم وضع التحكّم الفعّال في صناعة الخدمات المالية الأمريكية بأكملها (بما في ذلك شركات التأمين، و صناديق المعاشات، و شركات الأمن، إلى آخر ذلك) في يد قلة من التكتلات المالية، و شركائهم من أصحاب صناديق التحوّط (Hedge Funds) .

الانهيار الاقتصادي .. من هم المهندسون ؟

ممّا يثير السخرية أن فريق إجراء التحوّل في السياسة الاقتصادية و المالية، الذي يختار منه أوباما رجال خزانته، هم مهندسي الكارثة الحالية، و على رأسهم :
لورانس سومرز (Lawrence Summers) و هو الذي لعب دورا رئيسيا في تجميع الأنصار داخل الكونجرس لإبطال قانون جلاس – ستيجول . و قد استغلّ تعيينه المؤقّت كوزير للخزانة في فرض تبنّي قانون تحديث الخدمات المالية .. و ما أن انتهى من مهمته هذه حتّى جرى تعيينه رئيسا لجامعة هارفارد ( 2001 ـ 2008 ) .

بول فولكر (Paul Volker) و كان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الثمانينيات في عهد ريجان . و قد لعب دورا محوريا في تطبيق المرحلة الأولى لإبطال القواعد المالية، ممّا قاد إلى عمليات إفلاس و اندماج و استيلاء ضخمة، قادت إلى الأزمة المالية عام 1987 .

تيموثي جايثنر (Timothy Geithner) الرئيس التنفيذي لبنك نيويورك للاحتياط الفدرالي ، أقوى مؤسسة مالية خاصّة في أمريكا . و قد عمل من قبل لكلينتون و كيسينجر ، و احتل مركزا هاما في صندوق النقد الدولي . و هو يعمل لحساب مجموعة قوية من الممولين .

رغم أن لاري سومرز كان هو المرشّح الأقوى لوزارة الخزانة، إلا أن أوباما قد اختار تيموثي جايثنر . و ترك لسومرز وظيفة اقتصادية هامة أخرى هي رئيس مجلس الاقتصاد القومي .. و البقية تأتي .
من هو لورانس سومرز ؟
أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، عمل ككبير اقتصاديي البنك الدولي ( 1991 ـ 1993 ) . و قد ساهم في تشكيل الإصلاحات الاقتصادية الكبيرة التي فرضت على العديد من الدول النامية المدينة . هذه الإصلاحات التي جرت تحت بند " برنامج التوفيق الاجتماعي البنيوي "، كانت نتائجها كارثية، مؤدية إلى فقر جماهيري .
و قد عاصرت جهود لاري سوميرز في البنك الدولي انهيار الاتحاد السوفييتي، و فرض صندوق النقد الدولي و البنك الدولي ( علاجهما الاقتصادي المميت) على أوروبا الشرقية، و الجمهوريات السوفييتية السابقة، و دول البلقان .
في عام 1993، انتقل سومرز إلى وزارة الخزانة الأمريكية، فلعب دورا كبيرا في صياغة الإصلاح الاقتصادي عن طريق ( العلاج بالصدمة )، و التي فرضت على ذروة الأزمة الاقتصادية الآسيوية في كوريا الجنوبية، و تايلاند، و أندونيسيا .

و قد عمل سومرز بشكل لصيق مع وكيل المدير التنفيذي ، ستانلي فيشر، الذي جرى تعيينه بعد ذلك حاكما للبنك المركزي الإسرائيلي !!.


من وضع الثعلب في عشّة الدجاج ؟

يعمل سومرز الآن كمستشار لمؤسسة جولدمان ساتشز، و مديرا مسئولا لصندوق تحوّط ( مجموعة د. إ. شو) . و باعتباره مديرا لصندوق التحوّط، تمدّه علاقاته بالخزانة و وول ستريت بمعلومات داخلية ثمينة حول تحركات الأسواق المالية . وضع مدير صندوق تحوّط ( مع علاقاته بالمؤسسات المالية في وول ستريت ) في موقع المسئولية بوزارة الخزانة الأمريكية، يكون أقرب ما يكون بوضع الذئب في عشّة الدجاج .

اتفاق واشنطن
سومرز، جيثنر، كورزاين، فولكر، فيشر، فيل جرام، برنانك، هانك، بولسون، روبن، كذلك آلان جرينسبان .. إلى آخر القائمة، هم أصدقاء و زملاء، يلعبون الجولف معا، كما أن لهم صلات بمجلس العلاقات الخارجية و بيلدربيرج ( و هي مجموعة من ذوي التأثير السياسي و الاقتصادي و المصرفي .. يعملون معا بشكل متزامن وفقا لمصالح شارع المال (وول ستريت) .. انهم يلتقون خلف أبواب مغلقة، و هم جميعا على نفس الموجة، و هم ديموقراطيون و جمهوريون .
بينما قد يختلفون حول بعض الموضوعات، إلاّ أنهم يلتزمون جميعا و بحزم باتفاق ( واشنطن ـ وول ستريت ) . إنهم قساة إلى أبعد حد في إدارتهم للعمليات الاقتصادية و المالية . تحركاتهم لا تستهدف سوي الربح . و خارج اهتمامهم الضيّق بموضوعي " الكفاءة "، و " الأسواق "، تكون اهتماماتهم ضعيفة بالنسبة " للكائنات الحيّة " . لا يهمهم إلى أي مدى تتأثر حياة الناس بسلسلة إصلاحاتهم المميتة، في الاقتصاديات الكبيرة (ماكرو) و في الشئون المالية، التي تغطي قطاعا كاملا من النشاط الاقتصادي، و الإفلاس .
فالمنطق الاقتصادي الذي يقوم عليه خطاب الليبرالية الجديدة الاقتصادي، يكون غالبا شريرا و مثيرا للازدراء . و في هذا الشأن، تبرز مواقف لورانس سومرز . فهو معروف في أوساط المهتمين بالبيئة، باقتراحه دفن النفايات السامة في بلاد العالم الثالث .. باعتبار أن البشر في البلاد الفقيرة تكون أعمارهم قصيرة، كما أن تكلفة العمالة قليلة بشكل مطبق، ممّا يعني أساسا أن القيمة السوقية للبشر في العالم الثالث تكون أكثر انخفاضا . و وفقا لرأي سوميرز، فإن هذا يجعل تصدير المواد السامة للدول الفقيرة " أقل تكلفة " بكثير .
الأزمة الآسيوية عام 1997 : بروفة لما سيحدث
خلال عام 1997، التصورات بالنسبة للعملة، التي قامت بها كبريات المؤسسات المالية، و التي كانت تستهدف تايلاند، و أندونيسيا، و كوريا الجنوبية، أفضت إلى انهيار عملاتها القومية، و تحويل بلايين الدولارات من احتياطيات البنوك المركزية، إلى أيدي أصحاب النشاطات الخاصّة . و قد أشار العديد من المراقبين إلى التلاعب المتعمّد في النظم و أسواق العملة، على يد البنوك الاستثمارية، و شركات السمسرة .
و بينما كان التفاوض يجري رسميا مع صندوق النقد الدولي حول اتفاقية الإنقاذ و الدعم الآسيوية، كانت تتم في نفس الوقت " إستشارة " أكبر بنوك وول ستريت ( تشيس، البنك الأمريكي، سيتي جروب، و ب. مورجان)، بالإضافة إلى البنوك الخمسة التجارية الكبرى ( جولدمان ساتشيز، الأخوة ليمان، مورجان ستانلي، و سلمون سميث بارني)، حول مواد القوانين التي يجب أن تتضمنها اتفاقية الإنقاذ هذه .
و قد لعبت الخزانة الأمريكية، بالاشتراك مع وول ستريت و مؤسسات برتون وودز، دورا مركزيا في التفاوض حول اتفاقية الإنقاذ هذه .. و كان كلّ من لاري سوميرز و تيموثي جيثنر متورطان بشكل نشط نيابة عن الخزانة الأمريكية، في عملية الإنقاذ أو العون التي قدّمت عام 1997 لكوريا الجنوبية .
الذي نحن بصدده هنا، هو ( شبكة من رفاق الصبا ) تتشكّل من المسئولين الرسميين و المستشارين بالخزانة الأمريكية، و الاحتياطي الفدرالي، و صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و جماعات التفكير في واشنطن، الذين يرتبطون دائما بعمليات دائمة مع الممولين الرئيسيين في سوق المال ( وول ستريت) .
كل من سيقع عليه الاختيار في فريق أوباما الانتقالي سيكون منتميا لمجموعة اتفاق واشنطن .
لقد تم ابتداع ما يمكن أن يطلق عليه " السوبر ماركت المالي العالمي "، ممهدا المسرح العالمي لتركيز ضخم للغاية من القوّة المالية . و من بين الشخصيات الرئيسية التي تقف خلف ذلك المشروع، كان وزير الخزانة لاري سومرز، بالاشتراك مع دافيد روكفلر . سومرز يصف هذا السوبر ماركت المالي العالمي باعتباره " المؤسسة التشريعية للنظام المالي للقرن الحادي و العشرين "
و هذه المؤسسة التشريعية تعتبر من بين الأسباب الرئيسية للإنهيار المالي الذي حدث عام 2008 .

نزع سلاح الأسواق المالية

لا يمكن أن يوجد هناك حلا معقولا لهذه الأزمة، ما لم يتم إصلاح رئيسي في المعمار المالي . متضمنا من بين أشياء أخرى، تجميد تجارة المضاربة، و السعي إلى " نزع سلاح الأسواق المالية" . و مشروع نزع سلاح الأسواق المالية ليس جديدا، فقد اقترحه جون كينز في أربعينيات القرن الماضي، كوسيلة لتأسيس نظام نقدي عالمي متعدد الأقطاب .
و بالعودة إلى تصريح أوباما، أين نجد مؤشرات الشارع العام ( في مقابل شارع المال ـ وول ستريت ) الذي تحدّث عنه أوباما ؟ .. بما يعني أين نجد الأفراد الذين يستجيبون إلى مصالح البشر عبر الدولة الأمريكية . . علما بأن قائمة أوباما للمراكز الرئيسية لا تتضمّن قيادات عمالية أو مجتمعية .
الرئيس المنتخب يقوم بتعيين المهندسين الذين صمموا عملية التحلل من القواعد المالية ..
و الإصلاح المالي المعقول، لا يمكن أن يتبنّاه مسؤلون يتم تعيينهم عن طريق سوق المال، و يعملون لحساب سوق المال ..
أولئك الذين أشعلوا النار في النظام المالي عام 1999، جرى استدعاؤهم ثانية لكي يطفئوا النيران ! .
و المشروع المقترح للأزمة عن طريق " الإنقاذ "، هو السبيل إلى الانهيار الاقتصادي .

لا تظهر حلول للسياسة الحالية في الأفق
مخططات مشروع سوق المال جرت مناقشتها خلف الأبواب المغلقة .. و الأجندة الخفيّة تتضمن إنشاء نظام عالمي نقدي أحادي القطبية، تتحكّم فيه القوّة المالية للولايات المتحدة المريكية، و التي ستكون محمية و مؤمّنة ـ بدورها ـ بالتفوّق العسكري الأمريكي .

من الذين موّلوا حملة أوباما ؟


لا توجد مؤشرات تفيد أن أوباما سيتحلل من رعاته في وول ستريت، الذين موّلوا حملته الانتخابية بسخاء .
و من بين كبار المساهمين في الحملة : جولدمان ساتشيس، ج. ب. مورجان تشيس، سيتي جروب، بيل جيتس و ميكروسوفت .
وارين بوفيت، الذي يعتبر من من بين أغني الأفراد في العالم، لم يقف عند حد دعم حملة باراك أوباما الانتخابية، بل
تجاوز ذلك إلى كونه واحدا من فريق التحوّل، الذي يلعب دورا رئيسيا في إقرار تشكيلات وزارة أوباما .

مالم يحدث انقلاب رئيسي في نظام التعيينات السياسية في المناصب الرئيسية، فسيصبح من غير المحتمل ـ إلي حد بعيد ـ أن نرى أجندة اقتصادية بديلة لأوباما، تسعى إلى محاربة الفقر و البطالة .

إن ما نشهده هو استمرار لما كان ..

ليبرالية جديدة ذات " وجه إنساني "

ما يفعله أوباما هو أن يقدّم " وجها إنسانيا " للأمر الواقع . هذا الوجه الإنساني سيخدمه في خداع الأمريكيين، بالنسبة لطبيعة العملية الاقتصادية و السياسية .

ستظل الإصلاحات التي يتبنّاها الليبراليون الجدد قائمة .
جوهر و خامة هذه الإصلاحات، بما في ذلك عملية " إنقاذ " أكبر المؤسسات المالية الأمريكية، ستهدم تماما الاقتصاد الحقيقي، بينما تقود مجالات اقتصاديات التصنيع و الخدمات بأكملها إلى إلافلاس .

تنصيب أوباما .. و تدهور في سوق المال

بينما كانت عيون الشعب الأمريكي تتابع الحفل المبهر لتنصيب الرئيس أوباما، كان سوق المال ينزلق متدهورا ... لقد حدثت عملية " تصحيح في السوق " . بعيدا عن أعين الجمهور، و دون أن ينتبه أحد إلى ذلك، بدأ الكشف عن مرحلة جديدة لتدهور سوق المال .

كانت المشاكل، و خسائر القيمة الدفترية لأكبر البنوك، معروفة جيدا فيما قبل حفل تنصيب الرئيس أوباما .
لماذا إذا الآن ؟ .

لم يكن هناك ما هو عرضي أو مفاجئ في انهيار قيمة أسهم البنوك .
و قد أشار أوباما ـ بوضوح ـ للكوارث الاقتصادية في العالم، و هو يؤكّد قائلا : " بدون العين الساهرة، يمكن للسوق أن تنزلق خارجة عن التحكّم " . و كانت هناك توقّعات عالية في سوق المال ( وول ستريت ) . العديد من سماسرة السوق، الذين لم يكونوا من المقربين من أوساط إعداد خطاب الرئيس، كانوا يراهنون على أن خطاب الرئيس أوباما سيساعد في استقرار سوق المال .

أمّا الذين ساهموا في أعداد مشروع الخطاب، فقد كانوا يدركون جيدا احتمالات الاهتزازات المالية الممكنة .

فبالمصادفة (!!)، استقال في نفس اليوم رئيس لجنة السندات و الكامبيو، كريستوفر كوكس، الذي عيّنه بوش عام 2005، ممّا قاد إلى فراغ حرج في مركز تنظيم القرارات المالية . أمّا التي يفترض أن تخلفه، ماري شابيرو، فلن تتسلّم الوظيفة إلاّ بعد الموافقة عليها في جلسات مجلس الشيوخ .

أولئك الذين كانت لديهم ـ مقدّما ـ معلومات عن نص خطاب أوباما، من الذين كانت لديهم القدرة على تحريك السوق في الوقت و المكان المناسبين، تصدّوا لكي يكسبوا أكبر قدر من حركة السوق و أسعار العملات .

السؤال الذي يطرح نفسه هنا : هل كانت التعاملات التي جرت، مخططة فيما يسبق خطاب الرئيس أوباما في 20 يناير ؟ .

أين ذهب كلّ هؤلاء الدائنون ؟

يقال أن أكبر المؤسسات المالية، تخوض في مياه مضطربة، مدينة لدائنين غير معروفين .. و منذ بداية المذبحة المالية، بقيت هوية هؤلاء الدائنين مجهولة ! .
لماذا أصبحت البنوك مدينة ؟، و لمن ؟، هل هي الضحية أم المستفيدة ؟ هل هي المدينة أم الدائنة ؟
لقد اعتادت البنوك الأكبر ـ على مدى السنين ـ أن تودع جانبا من فوائض أرباحها لدى العديد من التوكيلات المالية، و الصناديق السرّية، و الحسابات المسجّلة في ملاذات البنوك الاستوائية الخارجية، إلى آخر ذلك .
و بينما كانت تحويلات البلايين من الدولارات تتم إلكترونيا، من كيان اقتصادي إلى كيان آخر، لم تكن هويّة الدائنين يأتي ذكرها أبدا .
من هم الذين يجمعون هذه الديون متعددة البلايين، التي هي في الشق الأكبر منها نتاج عمليات التلاعب المالي ؟ .
الانهيار الذي حدث للبنوك، كان في الأغلب معروفا مقدّما . و هكذا قامت البنوك بتحويل غنائمها إلى مخابئ مالية آمنة .

أين تذهب أموال " الإنقاذ " ؟

تسلّمت البنوك الخاسرة مئات البلايين من دولارات "الإنقاذ" . فأين تذهب أموال الإنقاذ هذه ؟.. من الذي يستولي على البلايين العديدة من أموال المعونة الحكومية ؟
هذه العملية هي جانب من عمليات غير مسبوقة لتركيز الثروات الخاصّة .
الصحافة الاقتصادية تعترف بوجود مديونية البنوك البالغة عدّة بلايين من الدولارات .. لكنها لا تذكر كلمة واحدة عن هويّة الدائنين .
لكلّ مدين، يوجد دائن .
أليست هذه أموال التي تنسبها الصفوة المالية لنفسها ؟ .
أيا كان الذين يضعون أيديهم على هذه التريليونات، سيقومون بترتيب الأجزاء . و سيقومون بتحويل أوراق ثروتهم الضخمة، إلى أصول واقعية يضعون عليها أيديهم .
و في اليوم التالي لآمال و أحلام حفل التنصيب الرئاسي، سيكتشف أبناء الطبقة الوسطى الأمريكية، الذين استثمروا أموالهم في حسابات بنوك " آمنة "، أن جانبا من مدخرات أعمارهم قد جرت مصادرته مرّة ثانية

راجي عنايت
20 يناير 2009
ـــــــــــــــــــــ
بتصرّف عن مقالات
ميشيل تشوسودفسكي
على موقع جلوبال ريسيرش ( كندا )

السبت، فبراير ١٤، ٢٠٠٩

الكتاب الأخير لفوكوياما

مآسي الصندوق و البنك الدوليين

لحظة صدق تنتاب فوكوياماFont size

" هناك حدود خطيرة لقدرات القوى الخارجية في خلق الطلب على المؤسسات، و من ثمّ هناك حدود للقدرة على نقل المعرف القائمة حول إنشاء المؤسسـات و إصـلاحها، في الدول النامية .." . هذا هو ما يقوله فوكوياما في كتابه الأخير تحت عنوان " جعل الأمور أسوأ " . و يضيف قائلا أن هذه الحدود تفيد أنه على صندوق النقد الدولي، و هيئات المعونة الأجنبية، و منظمات المجتمع المدني على اتساعها أن تكون أكثر حرصا، بالنسبة للتوقعات العالية لمدى فعاليتها، على المدى البعيد، بالنسبة لقدراتها على البناء .

المجتمع الدولي
يخرّب الدول النامية

و يمضي فوكوياما إلى ما هو أبعد من هذا، عندما يقول " المشكلة في الحقيقة أكثر سوءا ..فالمجتمع الدولي لا يقف ـ ببساطة ـ عند حدوده في حجم القدرة على البناء، فهو في الحقيقة متواطئ في تخريب القدرة المؤسسية، في كثير من الدول النامية .." . و لو أنه يتدارك قائلا أن هذه القدرة على التخريب تتحقّق رغم أنف النيات الطيبة للمتبرعين، و هو نتيجة تناقض الأهداف، التي كان يجب على المعونة الدولية أن تقدّمها .
هذا التدهور في قدرات الدول النامية المعنية، حدث بالتحديد في مرحلة تصاعد تدفّق المعونات الخارجية، إلى حد أن أصبح أكثر من 10 % من إجمالي الدخل القومي في المنطقة بأكملها، يأتي من المساعدات الأجنبية، في أشكال مختلفة . و يضيف فوكوياما عن التناقضات في سياسات المتبرعين، هو أن الواهب الخارجي يريد أمرين : أن يرفع من قدرة الحكومة المحلية في توفير خدمات بعينها، مثل الري و الصحة العامة و التعليم الأوّلي، و يريد في نفس الوقت أن يضمن فعلا وصول هذه الخدمات إلى مستحقيها .
و هو يلخّص وجهة نظره قائلا " لا يمكن الوصول إلى حلّ لمشكلة تخريب قدرة البناء، إلاّ عندما تختار الجهات المانحة ـ بوضوح ـ أن هدفهم الأساسي هو بناء القدرات، و ليس تقديم الخدمات التي يفترض في هذه القدرات أن توفّرها .." .
لكنه يعود فيقول أن الحوافز التي لدى معظم المانحين، لن تسمح لهذا أن يتم ! . و يقول " هؤلاء الذين يوقّعون فواتير برامج المعونة، يريدون أن يشاهدوا أكبر قدر من المرضى و هم يتلقون العلاج، و لا يريدون لأموالهم أن تمضي إلى البيروقراطيين المحليين، حتّى لو كان هؤلاء البيروقراطيين هم الذين يجب عليهم أن يوفّروا خدمات الرعاية الصحية على المدى البعيد .." .
و يضيف فوكوياما أن المجتمع الدولي يعرف كيف يقدّم و يورّد الخدمات الحكومية، لكن الذي يعرفه بدرجة أقلّ كثيرا، هو كيفية خلق مؤسسات راسخة تعتمد على نفسها .

الرغبة الداخلية في الإصلاح

حقيقي أن الحكومات في الدول النامية، غالبا ما تزال كبيرة للغاية، ممتلئة فخرا و تباهيا في مدى اتساع نطاق و مدى الوظائف التي تسعى للتكفّل بها . غير أن الاحتياج الملحّ بالنسبة لمعظم الدول النامية، هو زيادة القوّة الأساسية لمؤسسات دولهم، للوفاء بالاحتياجات الأساسية التي لا يمكن لغير الحكومة أن توفّرها .
و يؤكـّد فوكوياما على أن المشكلة التي تواجه الجهود الخارجـية ( يقصد الأمريكـية ) عند تدخّلها لإصلاح أوضاع الدول النامية، هي " أنه لا تتوفّر لدينا الوسائل السياسية لتتوصّل إلى ذلك، نتيجة لعدم وجود الرغبة الداخلية الكافية للإصلاح .." .
و بالنسبة للدول التي توحي بالاقتراب جزئيا من الهدف المنشود، يقول " نحن نحتاج للتركيز بشكل أوثق على تلك الأبعاد من الحكم، التي يمكن تخضع للتصّرف أو ( البناء ) " . و هو يقصد بهذا التركيز على مكوّنات الإدارة العامة، و الصياغة المؤسسية.. " و نحن نحتاج أيضا إلى التركيز بصفة خاصّة على آليات نقل المعارف حول هذه المكوّنات، إلى الدول ذات المؤسسات الضعيفة .." .

و تنتاب فوكوياما لحظة صدق عندما يقول
" يجب على واضعي السياسات في حقل التنمية، على الأقل، أن يرددوا ما يقسم به الأطباء، مثل ( على ألاّ نلحق الأذى )، و ألاّ نطبّق من البرامج التي تقلل من قدر القدرة المؤسسية، أو نقضي عليها، تحت شعار بنائها .. " .

و إلى الرسالة التالية لنسمع ما يقوله فوكوياما عن الفساد السياسي و الإداري

الثلاثاء، فبراير ٠٣، ٢٠٠٩

الكتاب الأخير لفوكوياما

فوكوياما و كتابه الأخير

بناء الدولة ..

من الحروب إلى البنك الدولي !

عندما تغيب الرؤية الشاملة، تخضع الاستنتاجات للغرض و المزاج و خليط المعلومات المتنافرة، التي لا تمضي في سبيلها الطبيعي لتتحوّل إلى معارف . و من الممكن أن نفهم هذا بوضوح أكبر، لو طبقناه على ما يقوله فرانسيس فوكويامـا عن الدولة القومية و مؤسساتها، في كتابه الأخير " بناء الدولة " .
يقول " و بينما كانت المؤسسة أمرا عقلانيا، فإنها نشأت تاريخيا من مجموعة ظروف عارضة، وغير عقلانية، لا يمكن تكرارها في نسق آخر .. " . و عن الحاجة إلى مؤسسات الدولة يقول " الحاجة إلى المؤسسات لا تنبع من الصراع الداخلي، و لكن من صدمة حادة، كأن تكون أزمة عملة، أو كساد، أو تضخم هائل، أو ثورة، أو حرب . و هو يشير إلى ما جاء في كتاب تشارلز تيلي عن تكوين الدولة القومية في أوروبا، من أن التفسير الكلاسيكي لنشوء الدولة الأوربية القومية الحديثة، كان الحاجة إلى شن حرب على مستوى متزايد الاتساع، ممّا قاد إلى جني المزيد من الضرائب، و دعم القوّة الإدارية، و المركزية البيروقراطية، في دول كفرنسا و أسبانيا و السويد .
إلى أن يقول فوكوياما أن الحرب، و مقتضيات الأمن القومي، كانا بالتأكيد المصدر الدائم لبناء الدولة في التاريخ الأمريكي، فبناء الدولة المكثّف تحقّق في أعقاب الحرب الأهلية، و الحربين العالميتين، و الحرب الباردة .. و يزعم فوكوياما أن بناء الدولة جاء في ظلّ حروب في أماكن أخرى من العالم " مثل إصلاحات الميجي في اليابان، أو دخول نابليون إلى مصر الذي قاد إلى حركة إصلاح في الدولة العثمانية، في ثلاثينيات القرن التاسع عشر" .
الغرض مرض ! ..

لدينا مثل يقول أن " الغرض مرض "، بمعنى أن الإنسان الذي يلحّ عليه هدف معين بشده، يقود إلى خلل مرضي في تفكيره، يبعده عن الرؤية الواضحة، و المنطق الموضوعي السليم . لهذا، أكون حريصا أشد الحرص في قراءتي لكتابات جماعة " المحافظون الجدد "، لأنّها تقوم في الأغلب لتبرير مخطط استعماري توسعي، تحض الإدارة الأمريكية على تبنّيه . و فوكوياما رغم بعض الخلافات بينه و بين من أهم أشد رجعية في تلك الجماعة، ما يزال محسوبا واحدا منها .
ما يقوله فوكوياما عن منابع مؤسسات الدولة، و عن بناء الدولة و علاقته بالحروب و الكوارث، ممّا أوردناه في بداية الحديث، يكشف عن تفكير قاصر و محدود، لا يبرره سوى الغرض، الذي يتبلور في الربط بين الحـروب التي شنتها و تشنها الولايات المتحـدة الأمريكية على شـعوب العالم، و الادعـاء باستهداف إعادة بناء دول تلك الشعوب .
من الغريب أن يتبنّى أستاذ جامعي، و مفكّر مشهور، مثل هذا التفكير الساذج، الذي يقف بمبررات قيام الدولة القومية الحديثة، عند أحداث حروب و أزمات اقتصادية، دون انتباه إلى المحرّك الأساسي الأكبر، الذي قاد إلى تلك الحروب، و قيام تلك الدولة القومية، و أحدث ثورة مجتمعية في الحياة البشرية، غيّرت نمط حياة الإنسان الشخصية و المهنية و العلمية و السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و منظومة قيمه .

ثورة المداخن ..

الغرق في التفكير النفعي، هو الذي حجب عن نظر فوكوياما، حقيقة أن الثورة الصناعية التي حدثت منذ أكثر من قرنين من الزمان، هي التي استلزمت الدولة القومية، كما أن اقتصادها القائم على الإنتاج على النطاق الواسع، و التوزيع على النطاق الواسع، و الذي قاد إلى قيام السوق بمعناها المعاصر، لجبر الصدع بين الإنتاج و الاستهلاك . و هذه السوق، القائمة على التنافس الاقتصادي المفتوح، برّرت الحروب الاستعمارية التي شنتها الدول الصناعية الكبرى، لتحسين وضعها التنافسي .
و مؤسسات الدولة التي يتكلّم عنها فوكوياما في كتابه، كان ظهورها الكبير في بدايات عصر الصناعة . عندما نشأت الحاجة إلى تغيير طبيعة الأسرة الزراعية، بما يخدم احتياجات العمل الصناعي . المهام التي كانت تقوم بها الأسرة في عصر الزراعة، تحوّلت إلى مؤسسات في عصر الصناعة، للتعليم و الخدمة الاجتماعية و الرعاية الصحية، بعد انكماش الأسرة، و تحولها إلى أسرة نووية في عصر الصناعة
قامت العديد من الدول، على مدى عشرة آلاف سنة، هي عمر عصر الزراعة في العالم، لكنها لم تكن تشبه في شيء نوع الدولة الذي استلزمه عصر الصناعة، و الذي نطلق عليه تعبير الدولة القومية . و لم تنشأ الدولة القومية نتيجة للرغبة في شن حرب شديدة الاتساع في أوروبا كما قال تيلي، و لكنها كانت ضمن التحوّلات الكبرى التي طرأت على الجنس البشري، عند انتقاله من الحياة الزراعية إلى الحياة الصناعية .
و غير صحيح أن بناء الدولة في أمريكا قد تحقّق في أعقاب الحرب الأهلية الأمريكية، فجوهر تلك الحرب كان الصراع بين الشمال الصناعي و الجنوب الزراعي، حول مستقبل الحياة الأمريكية . و كان انتصار الشمال الصناعي، إيذانا بدخول أمريكا إلى عصر الصناعة، و انصياعا لجميع التحوّلات التي يجيء بها، و من بينها الدولة القومية .

تقنين التدخّل الخارجي !

ثم نعود ثانية إلى فوكوياما في كتابه، حيث يعترف بأن " معظم الحالات الناجحة في بناء الدولة و الإصلاح المؤسسي، تحققت عندما أبدى المجتمع احتياجا محليا قويا للمؤسسات، ثم صاغها من نسيجه الخاص، أو استوردها من الخارج، أو طبّق أنماطا أجنبية على الظروف المحلية .." .
و رغم تأكيده على أن غياب الطلب الداخلي على المؤسسات أو الإصلاح المؤسسي، هو العقبة الكأداء العظمى الأكثر أهمية، بالنسبة لهدف التنمية المؤسسية في الدول الفقيرة . فهو يعود ليقول " عند غياب الطلب الداخلي القوي، يمكن أن يتولّد الطلب على المؤسسات من الخارج " . و هو يشرح هذا قائلا أن هذا يمكن أن يأتي من أحد مصدرين :
· الأول، يتركّب من الظرف المتعددة المتصلة بالتكيف المؤسسي، و البرامج المتّبعة، و مشاريع الإقراض من الوكالات الأجنبية، أو الواهبين، أو المقرضين .
· و الثاني، يتّصل بالممارسة المباشرة للنفوذ السياسي، من جانب السلطات الخارجية، التي فرضت حمايتها على الدول الفاشلة، أو المنهارة، أو المحتلة .

لماذا يفشل التدخّل الخارجي ؟

و يعترف فوكوياما قائلا " ما نعرفه عن تقنيات و إمكانات لخلق الطلب على استحداث المؤسسات من الخارج، شديد الاتساع و غير مشجّع في نفس الوقت .." . لكنه يعود فيقول معبرا عن سياسة التوسّع الأمريكية الحالية " و المصدر الخارجي الآخر لخلق الطلب على المؤسسات، هو القوّة السياسية التي تمارسها، بشكل مباشر، دولة أو تحالف دول، كسلطات احتلال، أو من خلال علاقة قوية و مباشرة مع الحكومة المحلية .. و هذا هو ما نطلق عليه ( بناء الدول ) ؟ .
و هو يشرح هذا قائلا أن سلطة الاحتلال، من الواضح أن لها تأثير أكثر مباشرة و قوّة على الحكومة المحلية، أكثر ممّا يتوفّر للمقرض الخارجي، أو وكالة المعونة التي تعمل في إطار ظروفها .." و من ناحية أخرى، معظم بنـاة الدول سرعان ما يجدوا أن قدرتهم على تشكيل المجتمعات المحلية محدودة للغاية" . و يعترف بفشل الولايات المتحدة في معظم محاولاتها لإعادة بناء الدول، عن طريق الاحتلال العسكري، و أن " المؤسسات الباقية من هذه الجهود كانت قليلة، و متباعدة .." .
لكن فوكوياما ينتبه، عندما يأتي على ذكر جهد الولايات المتحدة في بناء كلّ من ألمانيا و اليابان، فيقول " لكن كلّ من ألمانيا و اليابان كانا من الدول البيروقراطية القوية.. لقد كانت قوّة الدولتين وراء أن أصبحتا من الدول الكبرى، و تهددان النظام العالمي .. " .
و مرّة أخرى، يغيب التصوّر الأعم عن فوكوياما، و يفشل في تحديد سرّ الفشل الذي تلاقيه أمريكا في محاولاتها إدعاء بناء الدول باحتلالها ! .. الخطأ الأكبر الذي تقع فيه أمريكا، بقياداتها، و مخططيها، هو عدم الاهتمام بالرؤية الشاملة للتحولات المجتمعية، من الزراعة، إلى الصناعة، إلى المعلومات .. قبل التفكير في تطبيق نظام ما على أي دولة، بالتراضي أو القسر، عليها أن تتعرّف موقع هذه الدولة من ذلك التعاقب الحضاري، حتّى تعلم أي نوع من النظم، يتناسب مع التكنولوجيا السائدة في عمالتها .

و إلى الرسالة التالية، لنرى مآسي الصندوق و البنك الدوليين

الخميس، يناير ٠٨، ٢٠٠٩

الكتاب الثاني لفوكوياما


أهمية المؤسسة، و معناها

ممّا سبق، يستخلص فوكوياما أن الحكمة المعتمدة الحالية تدفعنا إلى القول بأن المؤسسات هي المتغـير الأهم و الأساسي في التنمية . و خلال السنوات القليلة الماضية، أثبت كم هائل من الدراسات صحّة هذه الحقيقة . و يتساءل فوكوياما قائلا " ما الذي نعنيه حديثا بمصطلح (المؤسسـات ) ؟ " . و يضيف أنه منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، ازدحـم مجال التفكير بعديد من الطـرق و المسـارات المتقاطعة المربكة : الديموقراطية، الفدرالية، اللامركزية، المشاركة، رأس المال الاجتماعي، الثقافة، الجنس، العرق، و الصراعات العرقية .. أضيفت كلها كمكونات إلى وعاء التنمية، لتصنع المذاق النهائي للطبخة .. هل تعتبر جميع هذه المفاهيم من بين أوجه التنمية المؤسسية ؟، و إذا كان الأمر كذلك، فبأيّ طريقة ؟، و هل يكون لها نفس الأولوية ؟، و هل هي متصلة ببعضها البعض ؟، و بأيّ الطرق تسهم في تطوير التنمية ؟ .
لقد طرحت وجهة نظري في الإجابة عن هذه التساؤلات، من خلال الاعتماد على الرؤية المستقبلية الشاملة .. لكن دعونا نرى، كيف سيجيب فوكوياما عن تساؤلاته .

احتياجات المؤسسات

يقول فوكوياما، إذا كان موضوعنا المحوري هو محاولة فهم القدرة المؤسسية، يمكننا أن نبدأ من جانب الاحتياجات .. مع سؤال يقول : ما هي المؤسسات التي تمس الحاجة إليها في عملية التنمية الاقتصادية، و كيف يجب أن يكون تصميمها ؟ . هناك أربعة مظاهر للحكم نحتاج إلى توضيحها :
الصياغة و الإدارة التنظيمية ـ صياغة النظام السياسي ـ أسس الشرعية ـالعوامل الثقافية و البنيوية .
( 1 ) الصياغة و الإدارة التنظيمية :
المستوى الأوّل للصياغة و الإدارة التنظيمية، يتصل بمجال دراسات الإدارة، عند تطبيقها على القطاع الخاص، أو على الإدارة العامة، بمعنى القطاع العام . الإدارة العامة تعتبر حقلا واسعا و متطورا، و تتضمّن العديد من الأنظمة الفرعية . و يناقش فوكوياما في الفصل الثاني من الكتاب، موضوع الإدارة العامة ، و السرّ في عدم إمكان التوصّل إلى نظرية موحّدة بالنسبة للتنظيم .
( 2 ) صياغة النظام السياسي :
المظهر الثاني من مظاهر الحكم، يتّصل بالصياغة المؤسسية، على مستوى الدولة ككلّ، و ليس فقط مستوى الوكالات المختلفة التي تعتمد عليها الدولة في عملها . و هذا الموضوع، يعتمد على مجال معرفي واسع، يلتقي في عديد من النقاط بمجال العلوم السياسية . قبل ثمانينيات القرن الماضي، كان من المألوف القول بأن المؤسسات ليست هي التي يجب أن تحظى بالأهمية الكبرى، أو أنها تتشكّل وفقا للبنيات الفوقية الاقتصادية و الاجتماعية . و الآن، يبدو الوضع مختلفا، فقد عادت للمؤسسة أهميتها في السنوات الأخيرة، من خلال دراسات السياسة المقارنة .
( 3 ) أسس الشرعية :
أسس الشرعية لها صلة وثيقة بتصميم و صياغة النظام السياسي . لا يكفي أن تعمل مؤسسات الدولة مع بعضها متعاونة ككلّ، بالمعنى الإداري، بل يجب أن تكون مقبولة و شرعية من جانب المجتمع المعني. الحكم الجيد، و الديموقراطية، لا يسهل الفصل بينهما . و دولة المؤسسات الجيدة، هي التي تخدم حاجات عملائها ـ أي المواطنين ـ بشـفافية و كفاءة . و يستدرك فوكوياما في هذه النقطة، قائلا أن العلاقة بين الديموقراطية و التنمية تظلّ معقّدة و غامضة، و لا يمكن أن نعتبرها داعمة لأي من الجانبين : التوجّه الشمولي في مجال الإصلاح الاقتصادي، أو التوجّه الديموقراطي، كاستراتيجية تنمية .
( 4 ) العناصر الثقافية و البنيوية :
المظهر الرابع للحكم، و المتصل بالكفاءة المؤسسية، يكون على علاقة كبيرة بالعادات و القيم و الثقافة السائدة، التي تمد المؤسسات بالدعم ، و تسهّل لها عملها . و نحن في العادة، يسهل علينا أن نفكّر في المؤسسات ذات الشكل المنضبط، من ناحية، و كل ما هو غير منضبط أو شكلي من عـادات، و قيم ثقافية من ناحية أخرى، باعتبارهما أمرين منفصلين، مضمونا و منهجا . لكن فوكوياما يرى أن نجاح المؤسسات الصناعية اليابانية، و غيرها من صناعات شرق آسيا، يستمدّ قوّته من التقاليد الثقافية، بل و ربما تقاليد بيروقراطية معيّنة، في حضارة تلك المجتمعات . كما يقول أن الطرق التي تؤثّر بها العادات غير الرسمية على مصالح المؤسسات الرسمية، تتجلّى في علاقة الحكومة بالمنتفعين من نشاطها . و يقول أن الناس الذين تخدم الحكومة مصالحهم، يتولّون مسئولية مراقبة أدائها، و المطالبة باستجابة واضحة لنتائج تلك المراقبة .

المعارف القابلة الانتقال

و يتكلّم فوكوياما بعد ذلك عن الموارد التي تعتمد عليها المؤسسات في نشاطها، فيقول " موارد المؤسسات تتكوّن على الأقل من أربعة مكونات . و من الواضح أن القدر الأكبر من المعارف القابلة للنقل تكمن في المكوّن الأول .. أعني بذلك الإدارة العامة، ثم في صياغة و تصميم و إدارة النظم الخاصّة .على المستوى الصغير هذا، يمكن للنظم أن يجري تصحيحها و تنقيحها، أو هدمها، أو صياغتها من جديد، أو إدارتها للأفضل أو الأسوأ، بطرق تستمد من الخبرة التاريخية لنطاق واسع من الدول " . و يضيف " إلى الحد أن نظرية النظم، أو نظرية الإدارة العامة، يمكن تقنينها، و نقلها من مجال إلى آخر " .
و توجد أيضا معارف قابلة للنقل، في المكونين الثاني و الثالث، أي صياغة و تصميم المؤسسة على مستوى النظم، و بصفة خاصة تصميم النظم السياسية الديموقراطية القابلة للتطبيق . و يشير فوكوياما إلى أن تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، ما بين عامي 1776 و 1789، كان في واقع الأمر، مثل ذلك الجهد الذي يشير إليه، من أجل خلق نظام سياسي ديموقراطي، قائم على أمرين : مبدأ التصميم النظري، و الخبرة المؤسسية لدول أخرى . و يضيف قائلا " كما أن مؤسسات ما بعد الحرب في ألمانيا و اليابان، كانت أيضا نتاج جهد واعي في الصياغة و التصميم .." .
و المورد الرابع من بين مكونات الحكم، يقوم أساسا على العادات و التقاليد و القيم الثقافية . و هذا المكوّن يمكن التعامل معه عن طريق السياسات العامة، بطريقة هامشية فقط . القيم الثقافية، تتشكّل بالتأكيد من خلال التعليم، و القيادة، و تبادل التأثير مع المجتمعات الأخرى . و التغيير في هذا المجال، ينسحب على وقت طويل نسبيا .
و في هذه النقطة، يقول فوكوياما أن نوعية التكنوقراطيين الاقتصاديين، الذين هم على أعلى مستوى، في أمريكا اللاتينية، قد نموا بشكل ملحوظ، بالنسبة للجيل السابق مثلا، كنتيجة لدراستهم في معاهد و جامعات أمريكا الشمالية و أوروبا .

و إلى الرسالة التالية لنرى : ماذا يقول فوكوياما في كتابه الأخير ؟

الأحد، ديسمبر ٠٧، ٢٠٠٨

الكتاب الثاني لفوكوياما


نتيجة عكسية للمعونات

حكم القانون أهم من الخصخصة


و يقول فوكوياما أن ما حدث في أفريقيا الوسطى، في الربع الأخير من القرن العشرين، كان يسمح بأن توصف نظم دول وسط أفريقيا باعتبارها نظم أبوية جديدة ( نيو باتريمونيال )، حيث تستغل فيها السلطة لخدمة فئة من المنتفعين، حول قيادات الدولة . في بعض الأحيان، كما في حالة زائير تحت حكم موبوتو سيسي سيسيكو، حيث قاد ذلك النظام إلى نهب بعض الأفراد جانب كبير من ثروات البلاد، و جرى استخدام القطاع العام للاستيلاء على الملكيات العامة، لحساب عائلة أو قبيلة أو منطقة أو عرق معين .
و يضيف قائلا " الطبيعة المزدوجة لمثل هذه الدول الأفريقية، جعلت المعونات الممنوحة من أجل تحقيق الاستقرار، و تطبيق برامج التكيّف البنيوي، خلال ثمانينيات و تسعينيات القرن الماضي، تقود إلى نتائج عكسية و غير بنّاءة .. و تدهورت بشكل مأساوي ـ على مدى عشرين سنة ـ الاستثمارات في البنية التحتية الأساسية، مثل الطرق و الصحة العامة، و حدث نفس الشيء بالنسبة لاستثمارات التعليم الأولي و الزراعة . و في نفس الوقت، تزايد الإنفاق بشكل دراماتيكي على ما يمكن أن نطلق عليه مصاريف السيادة، مثل القوات العسكرية، و الخدمات الدبلوماسية، و الوظائف المخصصة لمكتب الرئاسة.. " .
و هو يعطي مثالا على ما حدث في كينيا، حيث زاد عدد العاملين في مكتب الرئيس من 18213 موظف عام 1971، إلى 43230 موظف عام 1990 . و يقول أن أحدا من المقرضين الدوليين لم يكن، في أي وقت، يريد أن يصل إلى هذه النتيجة، إلاّ انهم لم يكونوا قادرين على إقامة البنية بطريقة تمنع الوصول إلى هذه النتائج السلبية .
و مع ذلك، فالكثيرين من دعاة " اتفاق واشنطن " يقولون الآن أنّهم (بالتأكيد) كانوا يفهمون أهمية المؤسسات، و حكم القانون، و الترتيب السليم للإصلاحات ! .

الخصخصة في روسيا

ثم ينتقل فوكوياما إلى مناقشة ما حدث في روسيا و باقي الدول الاشتراكية، فيقول أن المشكلة بالنسبة لروسيا و غيرها من الدول الشيوعية سابقا ذات طبيعة مختلفة .
و رغم أن خصخصة المشروعات المملوكة للدولة كانت، بكل تأكيد، هدفا مناسبا للإصلاح الاقتصادي، لكنها كانت تتطلّب لتطبيقها درجة ملموسة من المقدرة المؤسسـية، حتى يمكن وضعـها موضع التنفيذ بشكل جيد . فالخصخصة تخلق، بالضرورة، حالة هائلة من عدم التناسق المعلوماتي، و تكون مهمة الحكومات أن تعمل على تصحيح ذلك . يجب أن يتم تحديد الأصول و حقوق الملكية بشكل دقيق، و تقييمها ماديا، و أن يتم نقلها بشفافية، مع حماية حقوق الأقلية الجديدة من حملة الأسهم، من جميع عمليات التحايل و التزوير .
من هذا، يستخلص فوكوياما أنّه بينما تتضمن الخصخصة خفضا في نطاق وظائف الدولة، فهي تتطلّب في نقس الوقت أسواقا فاعلة و نشطة، و درجة عالية من قدرة الدولة على فرض النظم . و يقول أن هذه القدرة كانت تنقص روسيا، ممّا قاد إلى أن رست العديد من الأصول المخصخصة بعيدا عن أيدي المستثمرين القادرين على جعل هذه الأصول مثمرة .
و هو يورد اعترافا من أكثر أنصار السوق الحرّة تعصبا، ميلتون فريدمان، قال فيه أنه قبل عشر سنوات، كانت لديه ثلاث كلمات للدول التي تتحوّل عن الاشـتراكية، هي " خصخص، خصخص، خصخص "، ثم يستدرك قائلا " لقد كنت مخطئا، لقد تبيّن أن حكم القانون يمكن أن يكون أكثر أهمية من الخصخصة " .

أيّهما أجدى اقتصاديا ؟

ثم يطرح فوكوياما سؤالا هاما : من وجهة نظر الكفاءة الاقتصادية، هل يكون الأهم تخفيض نطاق الدولة، أم زيادة قوّة الدولة ؟ .
توجد أدلة على أن قوة مؤسسات الدولة ـ بشكل عام ـ أكثر أهمية من اتساع نطاق وظائف الدولة و المهام التي تتكفّل بها . و يرى فوكوياما أن السرّ في تفوّق أداء دول شرق آسيا، مقارنة بدول أمريكا اللاتينية، على مدى السنوات الأربعين السابقة، يرجع في الأغلب إلى النوعية المتميزة لمؤسسات الدولة في شرق آسيا، أكثر من أي فروق في نطاق وظائف و مهمات تلك الدول .
و يقول فوكوياما أن الاهتمام بقوّة الدولة، الذي نراه تحت مختلف العناوين، مثل " الحكم "، و " قدرة الدولة "، أو " النوعية المؤسسية "، كنا نراه دائما يتردد حولنا، تحت عناوين مختلفة في اقتصاديات التنمية . و يشير فوكوياما إلى كتاب ( الطريق الآخر ) لمؤلفه هيرناندو دي سوتّو، الذي نجح في تذكير مجتمعات
التنمية بأهمية حقوق الملكية التقليدية، و تذكيرهم ـ بشكل أوسع ـ بفوائد الأداء الجيد للمؤسسات القانونية، في مجال السعي إلى الكفاءة العالية .
لقد أوفد دي سوتو باحثيه إلى عدّة دول، لمعرفة كم يحتاج استصدار تصريح لنشاط اقتصادي صغير من وقت و جهد و مال . في ليما عاصمة بيرو استغرقت العملية 10 شهور، و المرور على 11مكتب، و دفع ما يوازي 1231 دولار . نفس هذه العملية في الولايات المتحدة و كندا تستغرق يومان فقط .

الحكمة المعتمدة الجديدة

لماذا هذا الاهتمام بكتابات فوكوياما، و إصدارات مؤسسة " راند " التابعة للبنتاجون الأمريكي ؟ .. لأن الفكر الذي تحمله هذه المطبوعات ما يلبث أن يطبق علينا في شكل مبادرات من الرئيس بوش، أو تحذيرات وزيرة خارجيته كونداليزا رايس .. و موضوع " بناء الدولة " هو الشغل الشاغل ـ حاليا و مستقبلا ـ للإدارة الأمريكية، و الدول المعنية في هذا السياق : هي أساسا معظم دول العالم الثالث، و بصفة خاصة الدول الإسلامية و العربية ..
يقول فوكوياما أن مجتمع سياسات التنمية يجد نفسه في وضع متناقض .. فمرحلة ما بعد الحرب الباردة كانت بداياتها تحت السيطرة الثقافية لرجال الاقتصاد، الذين تحمّسوا بشدة لليبرالية و الاتجاه إلى الدولة الأصغر . و بعد ذلك بعشر سنوات، طلع علينا العديد من رجال الاقتصاد الذين قالوا بأن من بين المتغيرات الأكثر تأثيرا على التنمية، ما يتصل بالمؤسسات و السياسات، و ليس الاقتصاد بالمرة ! .
و هذا يعني أن بعدا كاملا مفقودا في مسألة الحكم و الدولة، نحتاج إلى استكشافه .. و ركن من أركان التنمية جرى تجاهله من جانب التركيز العقلي الأحادي في مجال الدولة . لقد وجد العديد من الاقتصاديين أنفسهم ينفضون التراب عن الكتب القديمة حول الإدارة العامة، التي تعود إلى خمسين سنة مضت ..أم أنّهم قد سعوا إلى إعادة اكتشاف العجلة لتطوير استراتيجيات مضادة للفساد .
هذا الوضع المتناقض، الذي يشير إليه فوكوياما، يرجع أساسا لقصور في منهج البحث .. يرجع إلى أحادية التناول، الذي يقود إلى مثل هذه الثنائيات : الاقتصاد أوّلا، أم السياسة أوّلا ؟ .. و بالمناسبة قصور المنهج هذا نشهد أمثلة عديدة و متكررة عليه في مصر حاليا، عندما يتناقش المفكرون و السياسيون في الإصلاح . و مرجع ذلك إلى غياب الرؤية المستقبلية الشاملة، القائمة على فهم طبيعة مسار التطوّر في المجتمع العالمي، و الخريطة الفعلية للمجتمع الذي يسعى للإصلاح .
تلك الرؤية هي التي ستتيح التوصّل إلى الاستراتيجية الشاملة المتكاملة، التي تنبع منها الخطط، و تتحدد توقيتاتها .. سنكتشف وقتها أن ما هو مطلوب أوّلا، هو السياسة و الاقتصاد و المجتمع و القيم و المبادئ، جميعا، في إطار الرؤية المستقبلية .

و إلى الرسالة التالية لنستعرض أهمّية المؤسسة، و معناها .

الخميس، أكتوبر ٣٠، ٢٠٠٨

الكتاب الثاني لفوكوياما


التاريخ الحقيقي

ليس سير ملوك و معارك

في الفصل الأوّل من الكتاب، و الذي يحمل عنوان " الأبعاد المفتقدة للحكم "، أدهشني في حديث فوكوياما عن الدولة، أن أراه غارقا في بحث أسباب الظواهر المتصلة يتحوّل طبيعة الدولة، و واقفا عند حد الحروب و الأنظمة و الممالك، دون أن تكون لديه رؤية شاملة واضحة عن التحوّلات التي طرأت على الدولة و الحكم، عند التحوّل من الحياة الزراعية إلى الحياة الصناعية، ثم ما استجدّ بتحولنا إلى مقتضيات عصر المعلومات .
لقد كتبت كثيرا عن غياب الرؤية الشاملة للتحوّلات المجتمعية، في كتاباتنا عن التحولات التي تطرأ على الدولة، و السيادة، و التعليم، و الإدارة، و الاقتصاد، و الإعلام، و الأسرة .. بل التي تطرأ على القيم و المبادئ و الأخلاق و العقائد . لكنّى لم أكن أتصوّر أن تغيب هذه الرؤية عن أستاذ جامعي مثل فوكوياما، ذاع صيته في الغرب و الشرق . لكي نفهم هذا، دعونا نستعرض ما قاله في الفصل الأوّل بعنوان " الخلاف حول دور الدولة " .
يقول فوكوياما أن السياسة تشكّلت على مدى القرن العشرين، من خلال الجدل حول الحجم و القوّة المناسبين للدولة . كان حجم نشاط الدولة، فيما عدا النشاط العسكري، محدودا .. في بدايات القرن لم تكن هناك ضرائب دخل، أو برامج لمكافحة الفقر، أو قواعد لسلامة الغذاء . و مع تقدّم القرن، و من خلال الحروب، و الثورات، و نوبات الكساد، ثم الحرب ثانية، اختلط النظام الليبرالي للعالم، و حل محل دولة الحد الأدنى الليبرالية، في معظم أنحاء العالم، أنماط من الدول أكثر مركزية و نشاطا .
الذي لم ينتبه له فوكوياما، نتيجة لغياب الرؤية الشاملة لتطور الأسس المجتمعية خلال القرن العشرين، هو أن التحولات التي يحكي عنها، و خاصة شيوع المركزية الممعنة في كل شيء، هو أحد أهم المبادئ التي قام عليها العصر الصناعي . و أن القرن العشرين شهد في معظمه السيطرة القوية لمبادئ عصر الصناعة، كما شهد في نهاياته اهتزاز تلك المبادئ، و تشكّل بدايات مبادئ عصر المعلومات .
و من هنا، فلا معنى لمحاولة التمييز بين الدول الرأسمالية الليبرالية، و الاشتراكية الشمولية، لأن البنية الأساسية في كل من النظامين واحدة، و خاضعة لمقتضيات طبيعة العمل و الإنتاج و النشاط الاقتصادي في المجتمع الصناعي . جميع الدول الصناعية، سواء كانت رأسمالية أم اشتراكية، ليبرالية أم شـمولية، عمدت خلال عصر الصناعة إلى ترتيب حياتها وفق نظم تقوم أساسا على مبادئ محددة، من بينها المركزية الممعنة، التي يلاحظ فوكوياما سيادتها في القرن العشرين، قرن نضوج المجتمع الصناعي، و بدايات اهتزازه نتيجة لاندفاع ثورة المعلومات .

الدولة و مبادئ عصر الصناعة

المبادئ الأساسية التي نبعت من طبيعة العمل الصناعي، و اقتضتها مصالح الاقتصاد الصناعي، سنجدها بنفس القوّة تقريبا في جميع الدول الصناعية، مهما اختلفت تصنيفاتها . و أهم هذه المبادئ :
• النمطية، و التوحيد القياسي لكل شيء . و هو المبدأ الذي نبع من طبيعة النشاط الصناعي، ثم انسحب على كلّ شيء، حتّى على البشر . و ساعدت وسائل الإعلام الجماهيري، في الغرب و الشرق على تكريسه .
• التخصص، بعد انسحاب الحياة الزراعية، أصبح عنصرا مشتركا في البلاد الاشتراكية و الرأسمالية معا، فظهرت موجة صاعدة من الإخصائيين الذين يتحكّمون في مكل نشاط .
• التركيز، بعد انفصال الإنتاج على نطاق واسع، عن التوزيع و الاستهلاك على نطاق واسع، ظهرت السوق كوسيط، و ساد مبدأ التركيز . تركيز السكن في المدن و قريبا من مراكز الإنتاج الصناعي، و تركيز التلاميذ في المدارس، و المرضى في المستشفيات .. و أيضا تركيز رؤوس الأموال في شركات و احتكارات كبرى .
• المركزية، وقد سعت جميع الدول الصناعية إلى تطويرها . و قد جرى خلق أشكال جديدة من التنظيم مبنية على مركزية المعلومات و القرارات . و هكذا ظهرت مركزية السياسة، فوضعت جميع مفاتيح القوّة في يد واشنطن و موسكو و نظائرهما، و احتكرت هذه المراكز الكبرى سلطة اتخاذ القرار المركزي، و انتقلت السلطة الفعلية من الكيان القضائي و التشريعي، إلى أكثر السلطات الثلاث مركزية : الأجهزة التنفيذية .
هذه هي المبادئ التي سادت معظم القرن العشرين، و بدأت تهتز قوائمها في نهايته، مع اندفاع ثورة المعلومات .

تاتشر و ريجان

و نتيجة لغياب الرؤية الشاملة لطبيعة ما جرى في القرن العشرين، يميل فوكوياما إلى تحليل و شرح الأوضاع، عن طريق ربطها بشخصيات و أحداث جزئية . على سبيل المثال يقول عن نمو الدولة و تضخّمها في ثمانينيات و تسعينيات القرن الماضي " هذا النمو، و ما ترتّب عليه من عدم كفاءة و عدم تقدير للعواقب، قاد إلى ردود فعل عنيفة، على صورة (التاتشرية )، و ( الريجانية ) " . و هو لا ينتبه إلى القوّة المحرّكة الأساسية في هذين العقدين، و التي هي الاندفاع الشديد لثـورة المعلومات، و ما فعلته تكنولوجيات المعلومات المتطوّرة، من تغيرات متلاحقة اهتزّ لا النظام المركزي التقليدي، و حكومته المركزية، و بدأت ردود الفعل الطبيعية، في محاولات تخلّص الدولة من ترهّلها، بتحجيم كياناتها، و تطبيق اللامركزية في مؤسساتها .
الذي نعنيه أن التغيّرات الجذرية المصاحبة لبدايات عصر المعلومات، فرضت شكلا جديدا للدولة و لطبيعة الممارسات السياسية، تختلف عن نظائرها على مدى قرنين سابقين من عصر الصناعة . و كلن لتلك التغييرات الأثر الأكبر على الدول الشمولية، التي توالت انهياراتها بمعدلات أسرع من الدول التي لم تكن تأخذ يتلك المركزية الممعنة .
ثم يتكلّم فوكوياما عن جهد المؤسسات المالية العالمية، مثل صندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، و كذلك جهود الحكومة الأمريكية، التي تمخّضت عن مجموعة معايير تهدف إلى تخفيض درجة تدخّل حكومات الدول النامية في الشئون الاقتصادية، ضمن جهود هذه المؤسسات لإعادة بناء تلك الدول على أساس سليم و معاصر .
و يبدي فوكوياما اندهاشه من الهجـوم الذي ووجهت به هذه الجهود و المحاولات، خاصّـة في بداية القرن الحالي، ليس فقط من المعارضين لجهود العولمة، و لكن أيضا من النقّاد الأكاديميين، أصحاب المكانة العالية في مجال الاقتصاد .
و يحاول فوكوياما أن يدافع عن تلك المؤسسات، التي يراها الكثيرون ذات أهداف خفية مدمّرة للدول التي تتورّط في التعامل معها، بأن العيب يكمن في القطاع الحكومي لتلك الدول الذي يعوق نموّها .

مؤامرات البنك و الصندوق

و لا أجد ردا على هذا، أكثر إقناعا ممّا اعترف به جون بيركينز، الذي عمل ضمن خطط وكالة الأمن الوطني الاستخبارية، لبناء الإمبراطورية الأمريكية، في وظيفة " قنّاص اقتصادي" .. كان عليه أن يقرض الدول النامية قروضا هائلة، أكبر من أن تستطيع سدادها، و " كان على تلك الدولة أن تعيد 90% من القرض إلى شركة أو شركات أمريكية ( هاليبورتن أو بيكتيل مثلا)، لإنشاء مشروعات بنية تحتية . و كانت تلك المشروعات لا تفيد سوى قلّة من العائلات الأكثر ثراء في تلك البلاد ..كانت الدولة تدفع نصف دخلها القومي لتغطية الدين، و عندما تعجز عن الدفع، تستولي الولايات المتحدة على ما تطمع فيه من موارد تلك الدولة، كالبترول و الغاز .. و تصبح الدولة عبدة للإمبراطورية الأمريكية " .
و يقول بيركينز أن عمل القناص الاقتصادي لصيق جدا بالبنك الدولي، و صندوق النقد الدولي، اللذين يوفّران معظم الأموال .. لتوريط الدول و ليس لمساعدتها على بناء ذاتها .

أيهما أنفع للدولة : اتّساع نشاطها، أم قوّة مؤسساتها ؟

يطرح فوكوياما سؤالا هاما : أيهما أنفع و أجدى للدولة و لاقتصادها، أن يتّسع نطاق نشاطاتها، و تتعدّد الوظائف التي تقوم بها، و تتزايد الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، أم أن تتدعّم سلطة الدولة و سيطرتها، و قدرتها على التخطيط و التطبيق و فرض القوانين بأمانة و شفافية، أو ما يطلق عليه فوكوياما تعبير (القدرة المؤسسية للدولة) .
و كمثال تطبيقي على هذا، يقول أن الولايات المتحدة دولة أقل اتساعا في نطاق نشاطاتها من فرنسا أو اليابان . و لكن من ناحية أخرى، تعتمد الولايات المتحدة على نمط أعلى من البيروقراطية، قياسا على العديد من الدول النامية .
و يقول فوكوياما " يجب أن يكون واضحا، إمكان تحرّك الدول، و تغيير موقعها، بالنسبة للحدين المشار إليها، اتساع نطاق النشاط، و القوة المؤسسية .. " . و يضيف أن فوائد هذا التصوّر، هو توضيحه لطبيعة التغيير الديناميكية في الحكم . فالاتحاد السوفييتي السابق، تحوّل من دولة ذات نطاق متّسع للغاية في نشاطاتها ( مثال ذلك حظر الملكية الخاصة )، و ذات قوّة متوسطة في قدراتها الإدارية، إلى دولة أقل نطاقا بكثير في وظائفها، و في نفس الوقت على المستوى الأقل بالنسبة لقوّتها المؤسسية .
و يضيف أن أجندة التنمية لدى الكثير من المؤسسات المالية الدولية تحوّلت بشكل مؤثّر خلال التسعينيات من القرن الماضي . و هو يشير هنا إلى ما يطلق عليه " اتفاق واشـنطن "، و الذي كان عبارة عن مجموعة معايير سياسة اقتصادية، كاملة و معقولة، استهدفت في تصميمها أن تقود الدول في اتجاه خفض تعرفة الحماية، و المضي في الخصخصة، و الإقلال من النظم المقيّدة.. إلى آخر ذلك .
و هو يشرح هذا قائلا أنه لا ضرورة تحتّم على حكومة البرازيل إنشاء مصانع للصلب، و لا أن تسعى حكومة الأرجنتين إلى صناعة سيارات محلية . و في العديد من الحالات، كانت النصيحة التي توجّه إلى الدول التي تبدأ دخولها إلى السوق، هي أن تتحرّك بأسرع ما تطيق، تجاه الدولة ذات النطاق الأصغر .
مشكلة العديد من الدول، أنّه خلال عملية تضييق نطاق نشاط الدولة، أنها إمّا أن تقلل من قوة و سلطة الدولة، أو تولّد الحاجة إلى أنماط جديدة من قدرات الدولة، و التي تكون إمّا ضعيفة أو غير موجودة . فالتقشّف الذي تتطلّبه سياسات تحقيق التوازن و إعادة البناء، يتحوّل في بعض الدول إلى مبرر لتخفيض قدرات الدولة .

و إلى الرسالة التالية، لنرى النتيجة العكسية للمعونات

الأحد، أكتوبر ٠٥، ٢٠٠٨

أمريكا ..كيف تفكّر فينا ؟

الكتاب لثاني لفوكوياما

ضعف الدول النامية

يهدد الاستقرار العالمي

الكتاب الجديد لفرانسيس فوكوياما يحمل عنوان " بنـاء الدول : الحكم و النظام العالمي في القرن 21 " . جاء هذا الكتاب بعد كتابه الشهير، و المثير للجدل " نهاية التاريخ "، و بعد حدث هام آخر، هو تمرّده على جماعة المحافظين الجدد، التي تسيطر على الإدارة الأمريكية حاليا، و التي كانت قد تبنّت فوكوياما بعد ظهور الأفكار الأولى لنهاية التاريخ في مقال، نشر في مجلتهم " الاهتمامات القومية " .. لقد تكلمنا من قبل عن الكتاب الأول، و في قراءتنا للكتاب الجديد، نحاول أن نرى إذا ما كانت منطلقاته السابقة، ما زالت كما هي، أم أصابها شيء من التغيير ؟ .
عن الكتاب، يقول فوكوياما في مقدمته، أنه يتكوّن من ثلاثة أجزاء رئيسية:
الجزء الأول يطرح إطار تحليلي يساعد على فهم الأبعاد المتعددة لكيان الدولة، و يعني بذلك وظائف الحكومة، و قدراتها، و أسس شرعيتها . و هذا الإطار، يشرح لماذا تكون الحكومات ضعيفة للغاية في معظم الدول النامية .
و الجزء الثاني من الكتاب ينظر في أسباب ضعف الدولة، و بصفة خاصّة، لماذا لا يوجد علم للإدارة العامة، رغم الجهود الحديثة من جانب الاقتصاديين لإرساء أسس مثل هذا العلم . هذا النقص، يحدّ بشدة من قدرات من يسعون لمساعدة هذه الدول على تقوية حكوماتها من خارجها .
أمّا الجزء الثالث و الأخير، فيناقش الأبعاد الدولية لضعف الدول: و كيف أن هذا الضعف تنتج عنه حالة عامة من عدم الاستقرار، و كيف أن ضعف قدرة بعض الدول قاد إلى تآكل مبدأ السيادة في النظام العالمي، و كيف أن التساؤلات حول الشرعية الديموقراطية قد سيطرت على الجدل الدائر ـ على المستوى العالمي ـ بين الولايات المتحدة، و أوروبا، و غيرهما من الدول المتطوّرة في النظام العالمي .

الديموقراطية الجزئية

و الحقيقة، أنني لا أتصور أستاذا جامعيا مثل فوكوياما، لا يعرف طبيعة التحوّل في سيادة الدول، نتيجة لانتقالنا من مجتمع الصناعة إلى مجتمع المعلومات .
الدول النامية الضعيفة التي يتكلّم عنها فوكوياما، ليس لها دور في التغيّر الحادث في مجال سيادة الدول، و بالتحديد سيادة الدول الصناعية الكبرى، التي تمتعت بها طوال عصر الصناعة . لقد كان عصر الصناعة هو عصر سيادة الدول، و عصر رسم الخرائط الجغرافية الدقيقة، الأمر الذي لم تكن له كلّ هذه الأهمية خلال عصر الزراعة الذي امتد إلى عشرة آلاف سنة .
و سيادة الدولة، كما قلنا من قبل، تتأثّر منذ بدايات عصر المعلومات بتطورين أساسيين .
التطور الأول، يتّصل بانقضاء صلاحية ديموقراطية التمثيل النيابي التي ابتكرها رجال الصناعة الأوائل، لتساعد على مواجهة أعباء اتخاذ القرارات المتزايدة الكم، نتيجة لكون الحياة أصبحت أكثر تركيبا، و نتيجة انفصال الإنتاج على نطاق واسع عن الاستهلاك على نطاق واسع ممّا استوجب ظهور السوق بمعناها المعاصر، و أيضا نتيجة لظهور مؤسسات جديدة نابت عن الأسرة في القيام بالواجبات التي كانت تتكفّل بها طوال عصر الزراعة .. ظهرت الديموقراطية النيابية الحالية، التي تعتبر بجميع المقاييس ديموقراطية جزئية، نتيجة لعجز كيان صناعة القرار، حتّى مع التوسّع الكبير فيه بعد انضمام الصفوة الجديدة، عن تحمّل عبء اتخاذ القرار .
تآكل السيادة، لحساب من ؟
و مع بدايات دخولنا إلى عصر المعلومات، في منتصف القرن الماضي، بدا واضحا تناقض ذلك الشكل الديموقراطي مع طبيعة و احتياجات عصر المعلومات . و كان الحل ـ الذي يتّفق أيضا مع التحوّل من المركزية الممعنة إلى اللامركزية ـ هو إعادة توزيع عبء اتخاذ القرار، بحيث تهبط النسبة العظمى من القرارات، إلى ما دون القمّة من مستويات، بلوغا إلى القواعد .. و هذا شرط أساسي لديموقراطية المشاركة التي تنسجم مع طبيعة مجتمع المعلومات . و هو يعني فقدان الدولة لجانب عظيم من سلطة اتخاذ القرار لحساب المستويات القاعدية و الفئوية، ممّا يعني فقدانها لجانب كبير من سيادتها التقليدية .
أمّا الجانب الآخر الذي ستفقد فيه الدولة سيادتها، فسيكون لحساب المؤسسات العالمية بمختلف أنواعها، الاقتصادية و القانونية و الاجتماعية و السياسية .

الأبعاد المفقودة للدولة

يقول فوكوياما في فصل بعنوان " الأبعاد المفقودة للدولة "، أن الدولة مؤسسة إنسانية قديمة، يرجع تاريخها إلى عشرة آلاف سنة، بداية المجتمعات الزراعية الأولى . و الدولة، أصبح لها الآن العديد من الوظائف . و نفس قوّة الإكراه و القصر التي أتيحت لها من أجل حماية حق الملكية، استخدمتها في وضع اليد على أملاك المواطنين، و انتهاك حقوق المواطنين . و لهذا، أصبحت مهمة النشاط السياسي المعاصر محاولة استئناس قوّة الدولة .
و هو يقول أن الدولة الحديثة، ليست هي النمط السائد في المجتمعات البشرية، كما في حال الشعوب التي كانت تحت الاستعمار . و يضيف أن انحسار الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، قاد إلى حركة نشطة في بناء الدول على امتداد العالم النامي .. نجحت في بعض الدول كالهند و الصين، و تحققت بالاسم فقط في العديد من دول أفريقيا و آسيا و الشرق الأوسط .
و يضيف أن " مشكلة الدول الضعيفة، و حاجتها إلى إعادة بناء، كانت قائمة لعدة سنوات، لكن هجوم 11 سبتمبر جعل هذه الحاجة أكثر وضوحا . و الفقر ليس هو السبب الأعظم للإرهاب . فالذين نظّموا الهجوم على مركز التجارة العالمي و البنتاجون في ذلك التاريخ، كانوا من خلفيات طبقة متوسطة، و اكتسبوا أصوليتهم، ليس في بلدانهم، و لكن في دول أوروبا الغربية .." .

تجاهل السياق التاريخي

يحاول فوكوياما أن يفسر جانبا من إشكاليات الدول النامية في تعاملها مع الدول المتطوّرة، مغفلا جذور الأوضاع التي خلقت التناقض المبدئي بين الجانبين، و هو أن الدول الصناعية الكبرى، و لعقود طويلة، استعمرت الدول غير الصناعية التي يمكن استغلالها في تحقيق فوائد للدول الصناعية الكبرى، سواء في وضع اليد على المواد الخام و الطاقة التي بها، أو الاعتماد على عمالتها المتخلّفة في خفض نفقات إنتاجها الصناعي، ممّا يحقق لها موقفا تنافسيا أفضل مع نظيراتها، بالإضافة إلى الاعتماد على هذه الدول المستعمرة كسوق لتوزيع إنتاج مصانعها .
ينسى فوكوياما ، و غيره، أن الدول الصناعية الكبرى راجت و ازدهرت حياتها وثقافتها على حساب هذه الدول التي استعمرتها، و التي كانت لها ـ في أغلب الأحيان ـ ثقافة و حضارة عظيمة، استفادت منها الدول الصناعية ـ ذاتها ـ في الخروج من ظلمات عصر النهضة إلى عصور التنوير و النهضة المادية الحديثة .. ينسى هذا، و يتكلم عن الدول الضعيفة التي استنزفها عصر الصناعة، كفئران تجارب في معامل الفكر الغربي الحالي .

معاودة الخلط التاريخي

يقول فوكوياما في كتابه الجديد " بناء الدول "، أن هجمات 11 سبتمبر قد لفتت النظر إلى مشكلة محورية أمام الغرب، يصوّرها كالتالي " العالم العصري يقدّم حزمة مغرية للغاية، جامعا بين الرواج المادي لاقتصاديات السوق، و الحرية السياسية و الثقافية للديموقراطية الليبرالية . و هي حزمة يتطلّع إليها العديد من البشر في العالم، الأمر الذي يثبته التدفق الكبير للمهاجرين في اتجاه واحد، من الدول الأقل نموا، إلى الدول الأكثر نموا .." . لكنه يستدرك قائلا أن حداثة الغرب الليبرالي يكون من الصعب التوصّل إليها بالنسبة للعديد من المجتمعات في أنحاء العالم .. إلى أن يقول " حقيقة أن الحكومات الغربية، و وكالات التنمية متعددة الجنسيات، لم تستطع أن تقدّم الكثير في مجال النصيحة أو المساعدة المفيدة للدول النامية، تحد من الأهداف العالية التي تسعى لتحقيقها .." .

* * *

هنا، كما في أجزاء أخرى من الكتاب، يتغافل فوكوياما عن الحقيقة التي لن أملّ من تكرار ترديدها، و هي أن الاقتراب من أي مجتمع يجب أن يكون وفق فهم الأسس المجتمعية التي حققها نمط التكنولوجيا السائدة في مجال العمل، و طبيعة النظم القائمة عليها .
و إلى الرسالة التالية، لنوالي استعراض الجديد في الكتاب الثاني لفوكوياما .

الخميس، سبتمبر ١٨، ٢٠٠٨

أمريكا ..كيف تفكّر فينا ؟

الكتاب الثاني لفوكوياما

و ما بعد رفع راية العصيان

في صيف عام 2004، نشرت مجلة " الاهتمامات القومية "، المعبّرة عن فكر المحافظين الجدد في أمريكا، مقالا من 12 صفحة، يتضمن هجوما بقلم فرانسيس فوكويامـا على زميله في جماعة المحافظين الجدد تشارلز كراوتهامر، أكبر المتحمسين لحرب العراق . لقد انقلب النجم الصاعد فوكوياما على إجماع الجماعة، و انتقد حرب العراق بشدة، و تمنّى عدم فوز جورج بوش بولاية ثانية، أثناء معركة الرئاسة .
بعد رفع راية العصيان هذه، انهمك فوكوياما في إكمال كتابه التالي ( بناء الدول – الحكم و النظام العالمي في القرن 21 )، الذي ظهر في نهاية عام 2004 .
لقد حاولت أن أرى ملامح خريطة التحوّل الذي حدث في فكر فوكوياما، ما بين نهاية التاريخ و بناء الدول، خاصة بعد تملّصه من قبضة العصبة الرجعية الأمريكية .
و الحق، أنه من مقدمة الكتاب حتّى نهايته، وجدت أن فوكوياما قد فقد جوهر كتاب نهاية التاريخ، أعني بذلك اللعب بالألفاظ و التعبيرات، و راح يتخبّط بين حسابات الماضي و الحاضر و المستقبل . و لكن عندما يقع الكتاب بين يدي القارئ الجيد الذي يستطيع أن يفكّ شفرته، ستكتشف أن فوكوياما ما زال يحتفظ بمكانه وسط باقة المحافظين الجدد، و أن الكتاب هو محاولة أخرى لتبرير كل الأفكار السخيفة، و الممارسات غير العادلة أو المنطقية، التي تميز الإدارة الأمريكية الحالية .

الإيدز .. و الحكومة القويّة

على عكس ما وصل إليه عقلاء المفكرين المستقبليين في العالم، من أن المستقبل ـ و بالتحديد في مجتمع المعلومات ـ تفقد الدولة سيطرتها من جانبين .. مرّة لحساب الشعب، و من خلال المشاركة الفعلية للبشر على مختلف مستوياتهم في صنع القرارات التي تمس حياتهم، بأنفسـهم و دون إنابة أو توكيل .. و مرّة أخرى نتيجة استقطاع المؤسسات و الكيانات العالمية لجانب كبير من سلطة و سيادة الحكومة المحلية .. على عكس هذا، ينادي فوكوياما بالحكومة القوية القادرة المتحكمة، متحدثا عن بناء الدول، وخلق مؤسسات حكومية جديدة، و تقوية الحكومات القائمة، باعتبار ذلك أهم الأهداف في عالمنا، باعتبار أن الدول الضعيفة هي مصدر العديد من مشاكل العالم الجادة، كالإيدز و المخدرات و الإرهاب .
و يسعى فوكوياما إلى تعديل المسار الحالي في تطوّر المجتمع البشري، و القاضي بالحدّ من نفوذ الدولة، أو تقليص صلاحياتها، محاولا تعطيل تحوّل في صميم احتياجـات عصر المعلومات . و هو يقول " التوجّه السائد في السياسة العالمية، كان ـ على امتداد الجيل الماضي ـ انتقاد ( الحكومة الكبيرة )، و محاولة نقل أوجه نشاط من القطاع الحكومي إلى السوق الحرّة، أو إلى المجتمع المدني . لكن بصفة خاصّة في العالم النامي، تعتبر الحكومة الضعيفة، أو غير القادرة، أو المفتقدة، مصدرا للمشاكل الحادّة ." . و هو يطرح بالتفصيل مسألة الانتشار الوبائي لمرض الإيدز في أفريقيا . و لا يرى أن فقر البشر و الحكومات جاء نتيجة لعمر طويل من الاستنزاف الاستعماري، بل يصر على العكس من ذلك أن السرّ في هذا هو عدم قدرة الحكومات على تطبيق البرامج الصحية ..فحتّى لو توفّرت الموارد، فهناك غياب القدرة المؤسسية على التعامل مع المرض، في العديد من الدول الأفريقية .

إذا عرف السبب

و هو لا يخفي الدافع الحقيقي الذي جعله يهتم بحال هذه الدول الفقيرة، ذات الحكومات الضعيفة، فيقول أن " نقص قدرة الدولة في البلاد الفقيرة، أصبح مصدر قلق للعالم المتطور بشكل مباشر ..". و هذه الصراحة أفضل من الادعاءات التقليدية بالسعي إلى إسعاد العالم النامي .
ثم يقول " لقد خلّفت نهاية الحرب الباردة حزاما من الدول العاجزة أو الضعيفة، يمتد من البلقان، عبر القوقاز، و الشرق الأوسط، و آسيا الوسطى، و جنوب آسيا . و انهيار الدولة أو ضعفها، قاد بالفعل إلى كوارث إنسانية كبرى و في مجال حقوق الإنسان، خلال تسعينيات القرن الماضي، في الصومال، و هاييتي، و كمبوديا، و بوسنيا، و كوسوفو، و تيمور الشرقية . لبعض الوقت، كان بإمكان الولايات المتحدة و دول أخرى إدّعاء أن هذه كانت مجرّد مشاكل محلية، غير أن 11 سبتمبر أثبت أن ضعف الدولة ينطوي على تحد استراتيجي هائل، في نفس الوقت . إرهاب الأصولية الإسلامية، إذا اجتمع مع القدرة على الوصول إلى أسلحة الدمـار الشامل، يضيف بعدا أمنيا رئيسـيا لعبء المشاكل التي يخلقها الحكم الضعيف .. " .
هذا المنطق الذي يستهل به فوكوياما كتابه الجديد يستوجب مناقشة لأساسه و تفاصيله . لقد كانت الولايات المتحدة سعيدة غاية السعادة بالدول الضعيفة، و بالقيادات الدكتاتورية في نفس الوقت، طالما أنها تعتمد عليها جميعا في تطبيق سياساتها، و تحقيق المنافع الاستراتيجية التي تتوزّع على خريطة العالم .
و حجّة 11 سبتمبر التي يعلّق عليها كل ما لا يمكن تبريره من أفعال قبيحة، تحتاج إلى مناقشة أساسية .. فسياسات الولايات المتحدة في المنطقة، سواء في صراعها مع الاتحاد السوفييتي، أو في تأليبها للنظم الحاكمة، و إشعال الفتن بين مختلف الدول، و داخل كل دولة، لا يمكن أن يعتبر سرّا، و أدبيات مؤسسة راند التابعة للبنتاجون، تحكي بكل صراحة تفاصيل جهود أجهزة الاستخبار الأمريكية، و محاولات الاغتيال التي سعت إليها، لإحداث الفتن في بعض المناطق .
هذه ليست افتراءات، و لكنها جانب من الحقيقة التي تعترف بها أمريكا . هذا النشاط المشبوه ، منذ أيام الاتحاد السوفييتي، هو الذي قاد إلى النتائج التي تزعم الولايات المتحدة أنها تتحرّك الآن لمواجهتها و إصلاحها، و ليس ضعف هذه الحكومة، أو سقوط تلك .. و 11 سبتمبر ـ إذا أثبتت الأيام أنّه كان بتحريض من جماعة المحافظين الجدد، أو لم تثبت ـ هو الحصيلة الطبيعية للمطامع الأمريكية الواسعة، البترولية و العسكرية، في جميع أنحاء العالم .

حزام الفقر .. مسئولية من ؟

حزام الفقر هذا الذي يتحدّث عنه فوكوياما، باعتباره عورة من عورات البشرية، هو مسئولية الدول الصناعية، و الاقتصاد الصناعي الذي كان الاستعمار العسكري عنصرا أصيلا في تكوينه، كأداة لتحسين الموقف التنافسي للدول الصناعية . ثم هو بعد ذلك مسئولية الإمبريالية الأمريكية التي ورثت الاستعمار الصناعي، و حاولت تغطية استغلالها للشعوب الأخرى بدعاوى كثيرة، و أجهزة و مسميات مختلفة، انكشفت جميعها عندما أسفرت الرجعية الجديدة عن وجهها في عهد دميتها الجديدة جورج دبليو بوش .
هذه الحكومات الضعيفة، و الشعوب البائسة، هي النتيجة الطبيعية للطمع الأمريكي، الذي هو سبب ما نحن فيه حاليا، و ليس 11 سبتمبر .. بل أن 11 سبتمبر، و اندلاع حروب الإرهاب، هو أيضا نتيجة من نتائج ذلك الطمع، الذي تدعّم بالطمع الصهيوني الإسرائيلي :
• الأصولية الرائدة في عصرنا هذا، كانت الأصولية اليهودية . و لأسباب جغرافية متصلة بالمخطط الصهيوني، تفاعلت مع المجتمعات الإسلامية، التي كانت أول من تلقّى ضربة ( تسونامي ) اليهودي، فظهرت و قويت ـ بالعلاقات الجدلية ـ الأصولية الإسلامية .. و كان من الطبيعي أن تظهر الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة، نتيجة للتناقضات التي تسود المجتمع الأمريكي، و انفصام الشخصية الذي نتج عن التطور العلمي و التكنولوجي المعلوماتي العظيم، و التخلّف الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي عن مقتضيات عصر المعلومات .
• لقد زرعت الولايات المتحدة بذور الإرهاب الإسلامي، في حربها لطرد السوفييت من أفغانستان، فدرّبت و سلّحت المقاتلين الذين قادوا بعد ذلك العمليات الإرهـابية في العالم، و العلم العربي خاصّة . لقد أنشأت خطّا ساخنا من العالم العربي و الإسلامي، إلى ضواحي لندن للتحضير النظري و الفرز، ثم إلى الولايات المتحدة للتدريب على الأسلحة الحديثة، و أخيرا العودة إلى أرض أفغانستان .
• و قبل هذا و ذاك، خضعت دول حزام الفقر و الضعف هذه، التي يشير إليها فوكوياما، لاستعمار الدول الصناعية الكبرى، منذ بدايات عصر الصناعة . و قام رخاء و تقدّم و تحضّر تلك الدول على حساب فقر و جهل و مرض الشعوب التي خضعت لذلك الاستعمار . لقد حققت الدول الصناعية من خلال الاستعمار أهدافها الثلاثية : الاستيلاء على موارد الشعوب المستعمرة من مصادر طاقة و مواد أولية، و الاستفادة من هذه الشعوب كمصدر للعمالة الرخيصة، و استغلال الدول المستعمرة كأسواق لبضائعها و منتجاتها .

* * *

بقي أن نعرف ما تغيّر في أفكار و توجّهات فرانسيس فوكوياما، في كتابه الجديد " بناء الدول ـ الحكم و النظام العالمي في القرن 21 " .

الاثنين، أغسطس ٢٥، ٢٠٠٨

أمريكا ..كيف تفكّر فينا ؟

الاجتراء على المستقبل

أمريكا .. في بداية التاريخ !

عندما يقول فوكوياما أن الديموقراطية الليبرالية ـ سواء كانت متحققة في الولايات المتحدة أم لا ـ هي نهاية التطوّر الأيديولوجي للبشر، يقع قي خطأ سـاذج يثير السخرية، أكثر ممّا يحفز الإنسان للرد عليه .. كيف يخطر ببال بشر أن يقول بنهاية أي شيء في حياة البشر ؟ . و مرّة أخرى، كيف يغيـب عن فوكوياما سياق التطوّر البشـري، و العلاقة التاريخية بين طبيعـة الأسس المجتمعية في حياة البشـر و بين التكنولوجيا الأساسية السائدة في المجتمع ؟ .. و كيف لم يفهم أن التكنولوجيا الأساسية السائدة، و الأسس المجتمعية النابعة منها، هي التي تحدد طبيعة النظم في المجتمع، و التي من بينها نظام الممارسة السياسية ؟ .
ألم يصل إلى علم فوكوياما ما قاله المفكّر الياباني المستقبلي، و أحد قادة التحوّل المعلوماتي في اليابان، يونيجي ماسودا، و الذي وضّح مراحل تأثير التكنولوجيا الابتكارية ( كالآلة البخارية بالنسبة لعصر الصناعة، و الكمبيوتر بالنسبة لعصر المعلومات)، على النظم الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية في مجتمع ما، على الصورة التالية :
المرحلة الأولى : و فيها تقوم هذه التكنولوجيا بنفس العمل الذي كان الإنسان يقوم به سابقا .
المرحلة الثانية : و فيها توفّر هذه التكنولوجيا إمكانيات في العمل، لم يكن بإمكان الإنسان أن يقوم بها في أي وقت، لا في الماضي و لا في الحاضر و لا في المستقبل .
المرحلة الثالثة : بناء على ما سبق، تتحوّل البنية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية القائمة، إلى نظم اجتماعية و اقتصادية و سياسية جديدة .

بل أمريكا في بدايته

قبل أن يسعى إلى تقنين النوايا الاستعمارية الحالية للإدارة الأمريكية، على فوكوياما أن يتأمّل أوضاع أمريكا الحالية بشيء من الأمانة، و سيكتشف أنّها في بداية التاريخ، و ليس نهايته، و السر في ذلك أنّها :
• تفوّقت أمريكا في العلوم و التكنولوجيات المعلوماتية، بما يرشّحها، وفقا لرؤية ماسودا، للدخول إلى مجتمع المعلومات .
• غير أن تناقض التحولات الطبيعة مع مطامع الفئة الحاكمة من كبار الأثرياء، حال دون سيادة النظم الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، النابعة من طبيعة مجتمع المعلومات .
• و هكذا شهدنا هذه المعالم الواضحة لانفصام الشخصية في واقع المجتمع الأمريكي . تطوّر كبير في التكنولوجيا المعلوماتية، و تطبيقاتها، مع تخلّف في النظـم الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .
و لا شك أن مثل هذا القول بتخلّف الأوضاع الأمريكية، قد يثير الاستنكار لدى كتّابنا و مفكّرينا، لكن المتابع للكتابات الحرّة في المواقع الأمريكية على الإنترنيت، يمكنه أن يرى مظاهر ذلك التخلّف، التي تنجح وسائل الإعلام المملوكة لكبار الأثرياء أن تخفيها، و تصرف الأنظار عنها . و عندما نقول أن الولايات المتحدة في بداية التاريخ، و ليس عند نهايته، فنحن ننظر إلى الجهد المطلوب للتخلّص من فئة الأثرياء التي تحكم قبضتها على عنق الشعب الأمريكي، ثم فهم طبيعة النظم الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية التي تنسجم مع الدخول إلى مجتمع المعلومـات، و العمل الجـاد على تطبيقها .. حتى تدخل الولايات المتحدة الأمريكية التاريـخ بشكل مشرّف، دون أن تتورّط في تحقيق
مطامع الإدارة، التي تجلب لها لعنات شعوب العالم .
لن أتعرّض الآن المهام الثقيلة أمام أمريكا في المجالات الاجتماعية، كالأسرة و التعليم و الخدمة الصحية و الاجتماعية . و لا لمهمة التحوّل من الاقتصاد القائم على ثوابت الاقتصاد الصناعي التقليدية، إلى الاقتصاد الجديد الذي يفرضه واقع عصر المعلومات . سأقتصر في حديثي على الديموقراطية، التي يثيرها فوكوياما في وجهنا كالسيف، غير منتبه إلى أن ذلك السيف ثنائي الحد .
ديموقراطية التمثيل النيابي، بتنويعاتها المختلفة، هي من ابتكار مفكّري بدايات عصر الصناعة . و قد كانت انتصارا كبيرا للإنسان، رغم جميع عيوبها، التي بدت ظاهرة للعيان منذ منتصف القرن الماضي . و هي ـ كما يقال ـ كانت أقل الخيارات ضررا . و مع انقضاء عصر الصناعة، و اندفاع عصر المعلومات، بدا واضحا أن هذه الممارسة السياسية لم تعد مناسبة لطموحات البشر في مجتمع المعلومات، و بدأ الحديث عن أشكال جديدة للممارسة الديموقراطية، تتيح للفرد أن يشارك ـ بنفسه ـ في اتخاذ القرارات التي تمس حياته، و لا يوكلها لمن ينوب عنه و يتحدّث ـ نظريا ـ باسمه .

السيطرة الراسبوتينية

و ارتبطت الديموقراطية الجديدة، أو ديموقراطية المشاركة، بتحوّل هام في عصر المعلومات، ينهي المركزية السائدة في مؤسسات الحياة الصناعية، و يعظّم الاتجاه إلى اللامركزية في كل جوانب الحياة البشرية . لهذا، فالديموقراطية الجديدة تعني الهبوط بجوهر عملية اتخاذ القرار، من القمّة إلى المستويات التالية، و حتّى القاعدة .
في بدايات كتابه " نهاية التاريخ، و الإنسان الأخير"، يقول فوكوياما " لا نستطيع أن نرسم لأنفسنا عالما يختلف أساسا من العالم الحالي، و هو في نفس الوقت أفضل .." . السؤال الذي يطرح نفسه مباشرة : أفضل لمن ؟ . لمجموعة كبار الأثرياء الذين يقبضون على مصائر البشر في الولايات المتحدة ؟، أم لجماعة الأصوليين المسيحيين و اليهود الذين يشكّلون جماعة المحافظين الجدد التي تسيطر سيطرة ( راسبوتينية ) على الإدارة الأمريكية، و على الرئيس الأمريكي الذي يحاول تغطية صورته السلبية السيئة بالابتسامة الساذجة التي يرسمها على وجهه، و هو يردد توجيهات و أفكار ذلك الوكر الأصولي .
في هذا الزمن، زمن التغيرات الجذرية المتلاحقة، في انتقالنا من نمط عصر الصناعة إلى نمط عصر المعلومات، يجيء فوكوياما ليتكلّم عن " الغياب الكامل لأيّة بدائل معقـولة للديموقراطية الليبرالية "، إلى أن يقول " الشكل الحالي للتنظيم الاجتماعي و السياسي، يعتبر مرضيا تماما للبشر، بالنسبة لأغلب خصائصهم الأساسية " .

* * *

فما الذي حدث في صيف عام 2004، عندما بدأ الانشقاق بين فوكوياما و جماعة المحافظين الجدد .. وكيف تحوّل فوكوياما إلى الانتقاد الحاد لحرب العراق ؟

هذا هو ما سنقرأه في الرسالة القادمة .