الأربعاء، أغسطس ٠٦، ٢٠٠٨

أمريكا .. المؤامرة

" نهاية التاريخ "

و بداية فوكوياما

في صيف عام 1989، ظهر مقال لفوكوياما تحت عنوان " نهاية التاريـخ "، في مجلة " المصلحة القومية "، التي تهتم بأفكار المجموعة المثيرة للجدل من الأصوليين اليهود و الأصوليين المسيحيين، و التي تطلق على نفسها اسم " المحافظون الجدد " عندما ظهر ذلك المقال، كانت الاستجابة له واسعة و إيجابية، و كان مصدرها الأساسي هو مجموعة كتّاب مجلة " المصلحة القومية "، الذين هم في نفس الوقت كتيبة التنظير للمحافظين الجدد .
و سرعان ما تحوّل الشاب فوكوياما، الذي كان يعمل حينذاك نائبا لمدير هيئة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية، إلى شخصية شهيرة بازغة، و حظي بمركز مرموق في مؤسسة ( راند ) التابعة للبنتاجون، كذلك حظي بعقد لنشر كتاب يتيح له أن يتوسّع في نظريته التي حظيت بإعجاب المحافظين الجدد، و إن كان من بينهم القطب المحافظ إرفنج كريستول الذي قال " أنا لا أصدّق كلمة واحدة ممّا جاء في المقال "، لكنه استدرك قابلا الفكرة الأساسية، و عامدا إلى امتداح الكاتب لقدراته العقلية العالية .
ما هي الفكرة الأساسية في نهاية التاريخ ؟ ..
يقول فوكوياما " إن ما نشهده ليس هو مجرّد نهاية الحرب الباردة، أو انقضاء مرحلة معينة من تاريخ ما بعد الحرب، و لكن نهاية التاريخ في نفس الوقت : بمعنى نقطة النهاية في التطور الأيديولوجي للبشر، شيوع الديموقراطية الليبرالية الغربية عالميا، باعتبارها الشكل النهائي للحكومة البشرية .." .
نتيجة للاستجابات السلبية لكتابه، سارع إلى القول بأن الفهم السطحي لافتراضاته هو الذي يقود إلى هذه الاستجابات . و أنّه عندما قال بنهاية التاريخ على أساس انتصار الديموقراطية الليبرالية، لم يكن يعني أن العالم قد تخلّص من معاناته و صراعاته السياسية و مشاكله الاجتماعية الحادة . و قال " انتصار الليبرالية تحقّق في واقع الأفكار و الوعي، و لم يكتمل بعد في واقع العالم المادي .." . و أضاف أن هذا الوضع المثالي سيحكم العالم على المدى البعيد، لكنّه أصرّ على أن الديموقراطية الليبرالية لن يظهر بعدها نظام أفضل أو أرقى لشكل الحكم (!!!) .

سذاجة فكرية

هذا هو النوع من السذاجة الفكرية، الذي رأينا نماذج له على مدى التاريخ، و قاد إلى حكومات شمولية، بل و دكتاتورية .. غير أن الغريب فعلا، هو ألاّ يدرك فوكوياما، و لا الذين تحمّسوا لهذا ( الاختراع ) الفكري في أنحاء العالم، و لا كبار المفكرين في مصر من دكاترة الفكر الاستراتيجي .. ما لم ينتبه له هؤلاء جميعا، هو العلاقة الوثيقة بين الممارسة السياسية، و بين الأسس المجتمعية التي تقوم عليها حياة الناس في مجتمع ما .. لم يفهم هؤلاء أن الممارسة السياسـية، أو المشاركة في إدارة شـئون الحياة، في المجتمع الرعوي أو القبلي، تختلف عن نظيرتها في المجتمع الزراعي، و كذلك عن نظيرتها في المجتمع الصناعي .
لم يفهم هؤلاء أن ديموقراطية التمثيل النيابي، أو الديموقراطية الليبرالية كما يحلو لفوكوياما أن يشير إليها، هي من اختراع مفكّري عصر الصناعة، لمواجهة تضخّم عملية صناعة القرار، نتيجة للمزيد من التركيب الذي أصبحت عليه حياة الأفراد في المجتمع الصناعي، بعد ظهور الإنتاج على نطاق واسع الذي أتاحته الآلة، و انفصاله عن التوزيع و التسويق على نطاق واسع، و بعد ظهور السوق ككيان مستقل بالمعنى المعاصر . و في هذا يعقد ألفن توفلر، المفكّر المستقبلي الكبير، مقارنة بين ديموقراطية التمثيل النيابي، و بين مراحل عمل الآلة في المصنع، فيقول :
" انبهر رجال الأعمال، و المثقفـون الثـوريون، انبهارا كاملا بالآلة في بـداية عصر الصناعة، فأقاموا العديد من نظم الحياة على نفس الأساس الذي تعمل وفقه الآلة . من هنا نبع تصوّر المجتمع الصناعي للعملية التعليمية، و المؤسسات السياسية التي تشترك في ملامح عديدة مع آلات مطلع عصر الصناعة .. حدث هذا في الدول الصناعية الرأسمالية و الاشتراكية في نفس الوقت .." .

هيجل و ماركس

الكاتب الأمريكي روجر كيمبول، كتب معلقا على نهاية التاريخ التي قال بها فوكوياما " فكرة نهاية التاريخ ليست جديدة بالمرّة . بشكل أو آخر، هي أحد مكونات العديد من الأساطير و الأديان، بما في ذلك المسيحية، برؤيتها عن المجيء الثاني . و كل من يعرف الفترة الفاصلة في الفكر الفلسفي الألماني، في القرن التاسع عشر، سيتذكّر أن نهاية التاريخ ظهرت بوضوح في فلسفات هيجل، و خليفته الساخط كارل ماركس " .
و يستطرد كيمبول قائلا أنه من الغريب موقف فوكوياما من نهاية التاريخ الذي يبدو متناقضا بشدّة.. " فهو من ناحية، و باعتباره المخلص لهيجل، ينظر إليه باعتباره الانتصار النهائي للحرّية . و هو يتكلّم عن دول أو أجزاء من العالم، ما زالت ( عالقة ) بالتاريخ، أو ( غائصة في وحل التاريخ ) . كما لو كان الوجود في واقع التاريخ هو أمر يجب علينا أن نتجنّبه . و من ناحية أخرى، يرى أن ( نهاية التاريخ ستكون من الأوقات شديدة الحزن )، جزئيا، لأنّه يؤمن بأن الأشياء التي أطلقنا عليها يوما ( الجرأة، و الشجاعة، و التخيّل، و المثالية، ستحل محلّها الحسابات الاقتصـادية ) ... و من ناحـية أخرى، لأنه ( في عصر ما بعد التاريخ )، لن يكون هناك فـن، و لا فلسـفة، فقط الرعاية السـرمدية لمتحـف التاريخ البشري .." .
لا بد من الاعتراف بقدرات فرانسيس فوكوياما، في مجال رشاقة التعبير، و إضفاء الصبغة العلمية على أغرب الأفكار، التي أثارت اهتمام ـ بل و تصديق ـ الآلاف من البشر، في أنحاء العالم .. لقد كنت أرى البـريق في عيون بعض كبار المفكـّرين لدينا، عندما ظهرت موجة الأفـكار التي تتبناها مجموعة المحافظين الجدد، من أمثال أفكار فوكوياما، و هنتينجتون، و تنشرها في مجلة " المصلحة القومية " .. كيف لم ينتبهوا إلى ضحالة الأفكار المطروحة، و خطأ الاستنتاجات القائمة عليها ؟ . لماذا يحدث هذا، وهم الدارسون الباحثون المتابعون ؟ .. هل هو غياب الرؤية الشاملة الواضحة ؟ .. أم هو غياب المنهج المناسب للتعامل مع الواقع المتغيّر الذي يفرضه الدخول إلى مجتمع المعلومات ؟ .

خطأ شامل، في مقدماته و تواليه

منذ البداية، و في مقاله الذي كان بمثابة إعلان وفاة التاريخ، آمن فرانسيس فوكوياما بأن الديموقراطية الليبرالية ( و نموذجها في رأيه نظام الحكم في الولايات المتحدة ) ، هي نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي الإنساني، و الشكل النهائي لحكومات البشر . و هذا خطأ شامل، في مقدماته و تواليه . فالنظام السياسي الأمريكي لا يعتبره العارفون نظاما ديموقراطيا ..
واقع الأمر يقول أن الولايات المتحدة تحكم كلّ أمورها، مجموعة من كبار الأثرياء في مجال السلاح و البترول و المقاولات، و ربما الدواء أيضا . يتحكمون في الانتخابات على مختلف مستوياتها، من الولايات و حتّى الكونجرس .. و يتحكمون في تمويل الحملات الانتخابية لرئاسة الجمهورية .. بالنسبة للجمهوريين و الديموقراطيين في نفس الوقت .. و أيضا يتحكمون في الرأي العام الأمريكي من خلال وسائل الإعلام و شركات الإنتاج الفني التي يمتلكونها .. و الهدف في نهاية الأمر، أن يضمنوا تخصيص مئات المليارات من الدولارات في ميزانية الدولة، بطريقة تجعلها تتسرّب إلى خزائنهم، بكل الوسائل الممكنة : بالأكاذيب، و التضليل، و التآمر، و الحروب المفتعلة، و افتعال أعداء يتربصون بالشعب الأمريكي المسكين، في البر و البحر و الجو، و من أقصى أبعاد الفضاء .. و هذا هو الذي دفع البعض إلى القول بأن أحداث 11 سبتمبر، تحوطها شكوك عديدة، لفرط انسجامها مع استراتيجيات هذه الطبقة الحاكمة من كبار الأثرياء . و ذلك البعض يحاول دعم شكوكه، بذكر ما ورد في تقرير رئيسي لجماعة المحافظين الجدد، التي تشكّلت في عصر ريجان ، و تدعّمت في عصر بوش، و تفرّغت لدعم كيانها الفكري في زمن حكم كلينتون، و طفت على السطح بقوّة مع بدايات حكم جورج دبليو بوش .. جاء في التقرير الذي وضع عام 2000، أي قبل 11 سبتمبر، ما يلي بالنص الحرفي :
" عملية التحوّل، حتّى لو جاءت معها بتغيرات ثورية، تنسحب في الأغلب على مدى زمني طويل .. و ما ينقصنا حدث حافز كالكارثة ..أشبه ببيرل هاربور جديدة " .

و إلى الرسالة القادمة، لنرى أن أمريكا هي التي في بداية التاريخ !

الأربعاء، يوليو ٢٣، ٢٠٠٨

أمريكا ..كيف تفكّر فينا ؟

سياسة إدارة بوش
سلسلة أكاذيب .. و خسائر !

ما هو سرّ الخسائر الضخمة التي جلبتها إدارة بوش على شعب الولايات المتحدة الأمريكية ؟، لماذا تخفّت أمريكا وراء سلسلة من الأكاذيب و الادّعاءات في حرب العراق ؟، و لماذا خسرت أمريكا الكثير من تحالفاتها، و سمعتها العالمية، في سبيل هذه الحرب ؟ .. هل هو الإدعاء الكاذب بالرغبة الجنونية لدى بوش، المتمثلة في تحويل العراق إلى دولة ديموقراطية ؟! .. أم هل هو ـ كما جاء في الكتاب الذي نطرحه ـ سعي إلى إعادة بناء الدولة العراقية ؟ .. السرّ في هذا كلّه، أن هدف الولايات المتحدة من غزو و احتلال العراق هو وضع اليد على بترولها، حاليا و مستقبلا، و زرع قاعدة عسكرية كبرى، تتيح لها التحكّم في المنطقة، و حتّى حدود الصين . .
على أي حال دعونا نصدّق ـ مؤقتا ـ ما يقوله البنتاجون في كتابه " الدور الأمريكي في بناء الأمم .. من ألمانيا إلى أفغانستان ".. و نستعرض الفصل الخاص بتطبيق الدروس المسـتفادة من عمليات الغـزو السابقة، في تجربة غزو و احتلال العراق .. لنرى التناقضات التي يقع فيها النظام الأمريكي نتيجة لكثرة أكاذيبه التي يطلقها بغرض إخفاء غاياته الحقيقية . .

الفرحة التي لم تتمّ !

يقول الكتاب " بالرغم من أن المرحلة العسكرية في الحرب ضد العراق تم بشكل جيد جدا، و انهار النظام بأسرع ممّا توقّع الكثيرون، فقد تركت الولايات المتحدة لتواجه مهمة لا تحسد عليها، في سعيها لبناء دولة عراقية ديموقراطية، و نشطة اقتصاديا .. " .
ثم يحاول الكتاب أن يجرى مقارنة تاريخية مع تجربة احتلال العراق البريطانية، رغم أن القياس هنا لا يكون واردا، مع اختلاف الزمن و نوع الحياة السائدة، بل و اختلاف معنى المصطلحات المستخدمة . يقول الكتاب " لقد أمضى البريطانيون عدّة عقود، في محاولة تشكيل دولة عراقية، من بقايا الإمبراطورية العثمانية، لكن لا هم، و لا من أعقبوهم من العراقيين، نجحوا في صياغة دولة عراقية حقيقية .." .
و يقول الكتاب أن بناء الدولة في العراق يواجه عدّة تحديات :
أولا ـ غياب أي تقاليد للديموقراطية التعددية : لقد كانت السياسة في العراق تدور دائما حول الحكم الفردي، و تسوية الحسابات بالقوّة .
ثانيا ـ الهوية القومية للعراق : رغم وجود نوع من الهوية القومية العراقية، إلاّ أنها لا تستطيع أن تقف في وجه الأشكال المجتمعية الأخرى، العرقية و الجغرافية و القبائلية، و أيضا الدينية . فأغلبية الشعب، المكونة من الأكراد و الشيعة، ليس لديها تقاليد حقيقية، للتمثيل في السياسة القومية للعراق . و المفروض الآن، أن يجري إدخالها إلى الحقل السياسي .
ثالثا ـ الجريمة المنظمة و العصابات : و ممّا يزيد الطين بلّة، تمتد جذور الجريمة المنظمة و العصابات عميقا في المجتمع العراقي . ( و بالمناسبة، من بين قيادات الجريمة المنظمة في العراق إياد علاوي، الذي اختارته الولايات المتحدة رئيسا للوزارة العراقية المؤقتة . و هناك قائمة بنشاطه التخريبي، في تفجير دور السينما، و أتوبيس الأطفال المدرسي، في بغداد، بعد أن انشقّ عن صدام، وعمل لحساب المخابرات البريطانية و الأمريكية ) .
رابعا : غياب الطبقة المتوسطة : العقد الأخير من العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على العراق، و من الممارسة الدكتاتورية لنظام صدام، أفرغ العراق من طبقته المتوسطة التي كانت قوية في يوم من الأيام، و التي كان لها دورها في تطوير المجتمع المدني .
خامسا : الخروج من حقبة حكم شمولي طويلة : بالإضافة إلى هذه المشاكل العراقية الخاصة، تواجه البلاد التحديات المألوفة لمجتمع يسعى للخروج من حكم شمولي طال أمده .
و يواصل الكتاب طرح العقبات التي تقف في طريق بناء الدولة العراقية، على يد المحتل الأمـريكي طبعا (!) . و يعترف بالخـطأ الذي وقعت فيه الولايات المتحدة، عندما أخذتها العـزّة بالإثم، و تصوّرت أن بإمكانها أن تستغني عن الأمم المتحدة، و معظم دول العالم، في المغامرة العراقية .
يقول الكتاب أن القوّة العسكرية، و خدمات الأمن، و البيروقراطية العراقية، تحتاج إلى إصلاح و تطهير جذريين . و تشتد الحاجة إلى تحقيق العدالة لضحايا حقوق الإنسان ( ملحوظة : لا أدري عن أي حقوق إنسان مهدرة يتكلّم الكتاب، تلك التي أهدرها صدام، أم أهدرتها القوات الأمريكية و البريطانية بالنسبة للمعتقلين و السجناء العراقيين، أم من تكفّلت بهم الوزارة المؤقتة ؟!) .
ثم يتكلّم الكتاب عن المحنة الاقتصادية التي عاشها الشعب العراقي على مدى عقدين من العذاب، يقصد العقوبات الاقتصادية التي تحمّست لها الولايات المتحدة، و ضغطت على الأمم المتحدة حتّى وافقت عليها، المرّة بعد الأخرى، و التي كان الهدف منها معاقبة صدام حسين و نظامه، فوقع العقاب على الشعب العراقي فقط . و يقول الكتاب أن هذه التحديات تكون لها دلالاتها و آثارها .

الجيرة غير المتعاطفة

و نتيجة للملابسات الدبلوماسية للصراع، يكون على الولايات المتحدة أن تتصدّى أيضا للجيران غير المتعاطفين ـ إيران، و سوريا، و تركـيا ـ الذين لهم مصلحة في التأثير على السياسـات العراقية، و ربما زرع عدم الاستقرار في عملية التحوّل السلسة .
و على المستوى العالمي ـ يقول الكتاب ـ قادت الانقسامات السابقة للحرب، في مجلس الأمن بالأمم المتحدة، إلى جعل المهمة أكثر مشقّة على الولايات المتحدة، في تبنّي سوابق نماذج المشاركة في تحمّل العبء، التي حدثت في البوسنة و كوسوفو، و حتّى في أفغانستان . (هنا، لا أعتقد أننا نحتاج إلى تذكير القارئ بأن هذا كان خيار إدارة بوش، و عصابة ديك تشيني من كهـنة المحافظين الجدد، ممّا دفع الولايات المتحدة إلى أن تضرب عرض الحائط بأي رأي أو مشورة من الأمم المتحدة، أو من الدول الصديقة ) .
و يقول الكتاب أنه في نفس الوقت، قادت هذه الأوضاع، إلى أن تصبح الولايات المتحدة غير قادرة على القيام بالعديد من التحضيرات السابقة لبدء الحرب، التي كان من الممكن أن تسهّل التحولات التالية للحرب، مثل تنسيق العمليات الإنسانية مع الأمم المتحدة و المنظمات غير الحكومية، و تنظيم قوى بوليس مدني دولي، و تأسيس سلطة سياسية عالمية، لدحض شكوك العرب بالنسبة لإمبريالية الولايات المتحدة .

إيجابيات الوضع العراقي!

غير أن الكتاب يرى أن العراق تتمتّع ببعض المزايا، في مجال بناء الدولة، و يوردها كالتالي :
أولا : تتمتع بإدارة مدنية يمتد نفوذها إلى أنحاء الدولة، و تعتبر على درجة من الكفاءة النسبية . و هذه الإدارة تحتاج إلى إعادة بناء، و ليس إلى إقامة جديدة من نقطة الصفر . و لأنّها تعتمد على عمالة عراقية، فهذا سيخفّض الحاجة إلى التدخل الدولي المباشر، و يسهّل إدارة الأمن و التنمية عبر البلاد .
ثانيا : الإدارة المدنية القائم، و العلاقات الكثيفة مع وكالات الأمم المتحدة، يعني أن بالإمكان التوصّل إلى حلول للمسائل الإنسانية .
ثالثا : البترول الموجود في العراق يعني أن الدولة لن تبقى معتمدة على المساعدات الدولية، على المدى الأوسط .
و يقول الكتاب في النهاية، أن الولايات المتحدة، و هي تشرع في برنامجها بالغ الطموح لبناء الدول، و الذي يعود إلى سنة 1945 ( و هو يشير هنا إلى إعادة بناء ألمانيا و إيطاليا )، يمكن أن تتعلّم دروسا هامة من الدراسات التي تمت على الحالات المختلفة، و التي يتضمنّها هذا الكتاب . ثم ينتقل الكتاب إلى محاولة تبرير استمرار بقاء الاحتلال الأمريكي للعراق، رغم وقائع الفشل المتتالية، فيقول " لا تستطيع الولايات المتحدة أن تطبق استراتيجيات انسحاب مبكّر، و لا أن تترك المهمة نصف منجزة . و السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون عن أقرب وقت تستطيع فيه أمريكا الرحيل، و لكن بأي قدر و بأي سرعة تستطيع أن تشارك السلطة مع العراقيين, و مع المجتمع الدولي ؟ .."

* * *

لنكتشف الخلط الفكري الذي يشوب تحليلات فوكوياما في هذا الكتاب، يحسن أن نراجع ما قاله في كتابه الشهير " نهاية التاريخ "، لنرى جذور هذه الأفكار الغريبة، و الرؤى المختلطة، و المنهج الانتهازي الذي يضفي على المؤامرة الكبرى صبغة الفكر الأصيل .. تماما كما فعل زبانية أدولف هتلر من المفكّرين، في القرن الماضي، و أسفر عن مآسي الحرب العالمية الثانية، بما أحدثته من خراب و دمار و تقتيل .

الأربعاء، يوليو ٠٩، ٢٠٠٨

أمريكا .. المؤامرة

أمريكا.. ماذاتفعل بها

الرغبة القاتلة في التفرّد ؟

لا أدري كيف لم ينتبه كتاب الدور الأمريكي في بناء الدول.. من ألمانيا إلى العراق ، و هو يتساءل عن سر النجاح الذي تحقق في ألمانيا و اليابان، ثم الفشل في محاولات الصومال و هاييتي و أفغانستان . إلى اختلاف البنية المجتمعية في ألمانيا و اليابان، عنها في الدول الأخرى ..
قبل أن نفكّر في إعادة البناء، أو في فرض نظم على مجتمع ما، لا بد أن نعرف بشكل علمي طبيعة الأسس المجتمعية السائدة فيه، و النابعة من طبيعة التكنولوجيا السائدة، التي يقوم عليها عمل معظم أفراد ذاك المجتمع .
مشكلة أمريكا الكبرى، في الداخل و الخارج، أنها لا تنتبه ـ وسط دوامـة الأطماع و شعور التفرّد بالقوّة ـ إلى العلاقة بين التكنولوجيا الابتكارية الأساسية السائدة، و التي تقوم عليها عمالة المجتمع، و بين نوع الأنظمة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية المطلوبة .
عصر الزراعة، قام لعشرة آلاف سنة على تكنولوجيات محدودة، لا يحتاج إلى أكثر منها . و لذلك، مع كل الاختلافات العرقية و العقائدية و الجغرافية بين الدول الزراعية في قارات العالم، كانت الحياة تسير وفق نظم سياسية و اقتصادية و اجتماعية واحدة، في معظم الأحيان .
و بعد ذلك، كلّما تحول شعب إلى الصناعة، في أي قارة من القارات، سارت حياته وفق النظم الخاصة بالمجتمع الصناعي، في مجال السياسة و طرق الحكم و اتخاذ القرار. و في مجال الاقتصاد من حيث انفصال الإنتاج على نطاق واسع، و التوزيع على نطاق واسع، و قيام السوق بمعناها الصناعي . و اعتمد ذلك الشعب مفهوما اجتماعيا ينسب إلى عصر الصناعة، من حيث الأسرة و التعليم و الرعاية الصحية و الاجتماعية . كما أصبح يسير وفق القيم و المبادئ و العقائد النابعة من احتياج الصناعة .
و نفس الشيء يحدث اليوم، في انتقالنا من عصر الصناعة إلى عصر المعلومات .
أزمة أمريكا الداخلية في جوهرها : اقتحام عصر المعلومات بعلوم و معارف و تكنولوجيات معلوماتية متقدّمة، و جمود عند خليط من قيم مجتمع الصناعة في حياتها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، نتيجة لسيطرة القلة من كبار الأثرياء . كما أن أزمة أمريكا، في تعاملها مع الخارج، التي يكشف عنها هذا الكتاب، هي نفس الأزمة، في تصوّر إمكان إعادة بناء الصومال مثلا بتكويناته المجتمعية الحالية، بنفس منطق إعادة بناء ألمانيا و اليابان، و هما الدولتان الصناعيتان اللتان كانتا تصنّفان على نفس المستوى الصناعي لأمريكا، قبل الحرب العالمية الثانية
الذي يجب أن تفهمه أمريكا جيدا، أنه من الخطأ تصوّر إمكان فرض نظم المجتمع الصناعي على مجتمع زراعي، لم يتحوّل معظم أهله إلى العمل الصناعي .. ديموقراطية التمثيل النيابي، بكل ما يتّصل بها من أحزاب و صناديق انتخاب و معارك انتخابية، هي من اختراع عصر الصناعة، و قامت تلبية لاحتياجات الحياة الصناعية، و مصالح الاقتصاد الصناعي .
و هذا الخلط يجعلني مفضلا تجاوز الفصل الخاص بمقارنة حالات التدخّل الأمريكي في الكتاب .

الرغبة القاتلة في التفرّد

في فصل بعنوان " التفرّد بالقيادة، في مقابل المشاركة متعددة الجنسيات "، نكتشف مدى الرغبة الأمريكية القاتلة في التفرّد بالعمل، و في فرض إرادتها على العالم . و الكتاب يعترف أنّه لولا ضيق ذات اليد (!)، لانفردت أمريكا بالعمل جميعه !! . يقول الكتاب أن أمريكا تحمّلت معظم العبء في تحويل اليابان، و جانبا كبيرا من العبء الألماني، عندما كانت تحقق 50% من إجمالي الإنتاج المحلي في العالم . و في التسعينيات، و عندما هبطت النسبة إلى 22%، أصبح التعاون العالمي في عبء العمليات حتميا . و كانت مشكلة أمريكا بعد ذلك أن تساهم بما هو متاح في الجهد العالمي، مع الاحتفاظ بأكبر قدر من التفرّد بالقرار .
و يتكلّم الكتاب عن أسباب فشل العمليات في الصومال و هاييتي . و كيف نجحت الأمم المتحدة في إقامة قيادة مشتركة بالنسبة لعمليات البوسنة، و مساهمة عسكرية واسعة من خلال "الناتو" . و يقول الكتاب " يبدو أن الترتيبات التي تمت في كوسوفو توفّر الصورة الأمثل للجهود المندمجة، بين قيادة الولايات المتحدة، و المساهمة الأوربية، و المشاركة الواسعة في الأعباء المالية، و الوحدة القوية في القيادة .. " . و يبدي الكتاب اعتزازا بالنسبة للعمليات الخاصة بكوسوفو، باعتبار أن " الولايات المتحدة قد نجحت في أن تقوم بدور قيادي يحوز الرضا، رغم أنها دفعت 16% فقط من تكاليف إعادة البنـاء، و قدمت 16% فقط من قوات حفظ السلام ..".
و يخرج الكتاب باستخلاص من تجربتي كوسوفو و البوسنة، مفاده أن " نجاح هذين النموذجين في إدارة عملية إعادة بناء على نطاق واسع، اعتمد بشدة على قابلية الولايات المتحدة، و حلفائها الرئيسيين، للتوصّل إلى رؤية مشتركة لأهداف المشروع، ثم لتشكيل استجابات المؤسسات المعنية ـ و هي أساسا حلف شمال الأطلنطي، و الاتحاد الأوروبي، و الأمم المتحدة ـ وفقا للأهداف المتفق عليها .." .
و عندما ينتقل الكتاب إلى التدخلات الأخيرة، يقول في مقارنات غير مفهومة " المحصلة النهائية التي توصلنا إليها حاليا في أفغانستان، تجيء أفضل من نظيرتها في الصومال، و أيضا أفضل مما توصلنا إليه في هاييتي، و لكن ليس بنفس جودة البوسنة و كوسوفو . على أي حال، عملية أفغانستان أقل تكلفة مالية بكثير .." .

تغيير النظم، و ليس إحياء الاقتصاد

تحت عنوان " اشتراطات النجاح " يقول الكتاب " بناء الدول، كما عرّفناه، و الأكثر أهمية، كما عرّف المسئولون عن العمليات أهدافهم في وقت تدخلهم، لم يكن هدفه الأساسي إعادة بناء اقتصاد دولة ما، و لكن إحداث تحوّل في مؤسساتها السياسية .." . لاحظ هنا، أنهم لا يقرون بعلاقة وثيقة بين طبيعة البنية الاقتصادية، و البنية السياسية المناسبة لها .
و يستطرد الكتاب قائلا " إن نشر الديموقراطية في أمريكا اللاتينية، و آسيا، و أجزاء من أفريقيا، يوحي بأن هذا الشكل من الحكومات ليس قاصرا على الحضارة الغربية، أو على الاقتصاديات الصناعية المتقدمة .. لكن فشل التدخل الذي يتم بقيادة الولايات المتحدة في تشجيع التحوّل إلى الديموقراطية في هذه الدول، له تفسيرات أخرى غير التفسيرات الاقتصادية الخالصة .. و وحدة الأعراق الجنسية، هو متغيّر آخر ممكن الأخذ به عند تفسير الفروق في نتائج عمليات إعادة بناء الدول المختلفة . فالصومال و هاييتي و أفغانستان، كانت منقسمة على نفسها عرقيا و قبليا، بأشكال لم تكن متحققة في ألمانيا أو اليابان ." .
و مرة أخرى، يخرج الكتاب باستخلاص قاصر عندما يقول " ما يميّز ألمانيا و اليابان و البوسنة و كوسوفو من ناحية، عن الصومال و هاييتي و أفغانستان من الناحية الأخرى، ليست هي مستويات التطور الاقتصادي، أو التأثر بالثقافة الغربية، أو التجانس العرقي . الذي يميز بين هاتين المجموعتين من الدول، هو مستوى الجهد الذي بذله المجتمع الدولي من تحوّلها إلى الديموقراطية .." .
و نعود لنقول أن التفكير في التحوّل الديموقراطي تحتاج إلى أمرين، تحديد نوع الممارسة الديموقراطية التي نتكلّم عنها : ديموقراطية الشورى التي نبعت من احتياجات المجتمع الزراعي، أم ديموقراطية التمثيل النيابي التي اخترعها المجتمع الصناعي لتلبية احتياجات صناعة القرار فيه، أم ديموقراطية المشاركة التي لا ينيب فيها الفرد من يتخذ عنه قراراته المصيرية، و يتولاّها بنفسه .. و الأمر الثاني، فهم طبيعة التكوين المجتمعي الذي نتصدّى لتحويله ديموقراطيا، و أن نحدد طبيعة التكنولوجيا التي تعتمد عليها الأغلبية السائدة من العمالة فيه، لكي نختار له نوع الممارسة الديموقراطية التي تتناسب مع هذا التشكيل المجتمعي .

الاستخلاصات العامة

فصل الاستخلاصات يعتبر من الفصول الهامة، لأنّه يحدد لنا الاستراتيجيات التي يمكن أن تتبعها أمريكا في عمليات التدخّل العسكري القادمة ! . يقول الكتاب " لقد استنبطنا عددا من الاستخلاصات العامة، بالإضافة إلى العديد من الدروس المستمدّة من الحالات التي ناقشناها " . فماذا تتضمّن هذه الاستخلاصات :
أوّلا – الوقت وتعداد القوّات و المال : يصر واضعو الكتاب على أن العوامل المؤثرة في مدى صعوبة أو سهولة في عملية إعادة البناء، الخبرة الديموقراطية السابقة للشعب، و مستوى التطوّر الاقتصادي، و مدى التجانس القومي . لكن أهم العوامل و الذي يكون مؤثّرا في النتائج الإيجابية المتحققة، يبدو أنه يكون مستوى الجهد المبذول .. مقاسا بالوقت الذي تستغرقه العملية، و تعداد الجند و العاملين من قوى التدخّل، و النقود .
ثانياـ العمل الجماعي يكون أكثر تعقيدا، و أقل تكلفة : عمليات إعادة البناء التي تقوم بها جهات متعددة تكون أكثر تعقيدا و تبديدا للوقت، قياسا على انفراد أمريكا بالعمل . لكن الجهد الجماعي يكون أقل تكلفة .
ثالثا ـ العمل الجماعي أكثر نجاحا و تأثيرا : اشتراك عدة دول في عملية إعادة البناء، يمكن أن ينتج تحوّلات باقية الأثر، و قبولا إقليميا أكبر، قياسا على الجهد الفردي لأمريكا .
رابعا ـ وحدة قيادة لقوات متعددة الجنسيات : يمكن أن يتحقّق النجاح لقيادة موحّدة، تضم مجموعة من القوات متعددة الجنسيات، إذا ما كان المشاركون الرئيسيين يمضون وفق رؤية مشتركة، و من الممكن أن يشكّلوا تبعا لذلك مؤسسات دولية .
خامسا ـ العلاقة بين حجم قوات استقرار الأوضاع، و قدر المخاطر : يبدو أن هناك علاقة عكسية بين حجم القوات المستخدمة في استقرار الأوضاع الجديدة، و مقدار المخاطر التي تتعرّض لها هذه القوات . كلما كان تعداد قوات حفظ الأوضاع أكبر، قل عدد إصابات و معاناة الجنود . الثابت، أن معظم العمليات العسكرية التي تضمنّت قوات حفظ أوضاع مناسبة، بعد انتهاء العملية العسكرية، لم تحدث فيها معاناة من الإصابات .
سادسا ـ الدول المجاورة تأثيرها كبير : يمكن أن يكون للدول التي تجاور الدولة التي خضعت للتدخّل العسكري أثرا كبيرا و ملموسا . يكاد أن يكون من المستحيل تقريبا، لجمع أطراف دولة متفرّقة متجزّئة، عندما تعمل الدول المجاورة إلى تمزيقها . يجب بذل كل جهد ممكن لضمان مساندة الدول المجاورة .
سابعا ـ المظالم السابقة، قد تسهّل التطبيق الديموقراطي : الاعتماد على المظالم السابقة في الدولة المعنية، و على إحساس الشعب بها، يمكن أن يكون عنصر هام في عملية التطبيق الديموقراطي . و لكن يمكن أيضا أن يصبح ذلك من أكثر الجوانب نقاشية في الاندفاع إلى أي عملية إعادة بناء دولة ما .. و من ثم يجب ألا نحاول ذلك إلا إذا توفّر التزام عميق و طويل المدى، للعملية بأكملها .
ثامنا ـ عدم وجود طريق مختصر : لا يوجد طريق مختصر و سريع لعملية بناء دولة . و يبدو أن الحد الأدنى المطلوب لفرض تحوّل جاد و مستمر نحو الديموقراطية، هو خمس سنوات .

و إلى الرسالة التالية، لنرى سياسة إدارة بوش كسلسلة أكاذيب .. و خسائر

الاثنين، يونيو ٠٩، ٢٠٠٨

أمريكا .. المؤامرة

من ألمانيا إلى أفغانستان

الدور الأمريكي العجيب في بناء الأمم

نواصل فيما يلي اســتعراضنا لكتاب البنتاجون الأمريكي، الصادر عن مؤسسة ( راند )، تحت إسم " الدور الأمريكي في بناء الدول.. من ألمانيا إلى العراق " .
يقول الكتاب أن احتلال أمريكا لألمانيا و اليابان، بعد الحرب العالمية الثانية، كان الخبرة الأولى لأمريكا في استخدام القوّة العسكرية، في أعقاب الصراع، لفرض تحوّل مجتمعي أساسي سريع .
و هذه أوّل مغالطة، فتعبير " تحوّل مجتمعي " ينسحب على حالة تحويل دولة من النظام الزراعي إلى النظام الصناعي مثلا، أو من الصناعي إلى المعلوماتي . و حقيقة الأمر أن ألمانيا و اليابان كانتا دولتين صناعيتين كبيرتين، قبل الحرب العالمية الثانية، و بعد التدخّل العسكري الأمريكي في نهاية الحرب العالمية الثانية . لم تكن العملية عملية تحولات مجتمعية، بل كانت تلاطم مصالح استعمارية سادت عصر الصناعة بأكمله . فالاستعمار العسكري كان جانبا من جوانب المجتمع الصناعي، و أحد ضرورات المنافسة الاقتصادية .. فقامت العديد من الحروب ـ المعلنة و الخفية ـ بين الدول الاستعمارية، و التي كانت الحرب العالمية الثانية إحداها .
ثم يقول التقرير " وبالنسبة للسنوات الأربعين التالية، كانت هناك محاولات قليلة لتقليد عمليات النجاح السابقة . و خلال الحرب الباردة، كانت سياسة الولايات المتحدة تركّز على الاحتواء و الردع و الإصلاح تجاه الأمر الواقع .. و كان استخدام القوة العسـكرية للحفاظ على الأمر الواقـع، و ليس لتغييره.. على إدارة الأزمات و ليس حلّ المشاكل التي تسببها .." .
و من الواضح أن أمريكا كانت تتخذ ذلك الموقف، توقيا للصدام مع الاتحاد السوفييتي . و من الواضح أيضا أن تلك السياسة قد تغيّرت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي .
يقول التقرير " تدخلات الولايات المتحدة في أماكن مثل جمهورية الدومينيكان، و لبنان، و جرينادا، و بنما، كان بهدف الإطاحة بأنظمة غير صديقة، و إقامة أخرى صديقة، أكثر من كونه سعيا إلى إحداث تحولات مجتمعية أساسية .." . إلى أن يقول " نهاية الحرب الباردة خلقت مشاكل جديدة للولايات المتحدة، و فتحت احتمالات جديدة .. خلال الحرب الباردة، عمدت الولايات المتحدة و الاتحاد السوفييتي، و أحيانا كلا منهما، إلى دعم عدد من الحكومات الضعيفة لأسباب جغرافية سياسية . على سبيل المثال، اعتبرت كل من يوغوسلافيا و أفغانستان قطعة هامة من الناحية الاستراتيجية الجغرافية، فوق رقعة شطرنج الحرب الباردة، و استقبلت أنظمتهما الحاكمة دعما خارجيا قويا .. و مع اختفاء الاتحاد السوفييتي، فقدت موسكو قدرتها، كما فقدت واشنطن منطقها الجغرافي السياسي لدعم مثل تلك الأنظمة .. و أصبحت واشنطن حرّة في تجاهل الاضطرابات الإقليمية، إذا كانت لا تهدد مصالح الولايات المتحدة .." .
و بكل صراحة، يقول التقرير أن الولايات المتحدة ـ منذ نهاية الحرب الباردة ـ أصبحت لديها القوة التي لا ينافسها أحد لحل المشاكل العالمية، و ليس مجرّد احتواءها .

ضمان الدعم الدولي

أصبحت الولايات المتحدة قادرة على تأمين دعم دولي لجهودها، عندما تختار الاعتماد على ذلك الدعم، هذا هو ما يقوله كتاب الدور الأمريكي في بناء الأمم من ألمانيا إلى أفغانستان . و يضيف أن المجتمع العالمي أصبح أكثر ميلا لسياسة التدخّل العسكري . و رغم البيئة الدولية متزايدة الدعم لهذا الجهد، فإن التكلفة و المخاطر المرتبطة ببناء الدول ظلّت عالية . و نتيجة لذلك فلم تقدم الولايات المتحدة على هذه العمليات بسهولة .
لقد انسحبت من الصومال عام 1993، عند أول مقاومة جادة صادفتها . و آثرت عدم المشاركة في الجهود الدولية من أجل إيقاف المذابح في رواندا عام 1994 . كما قاومت الجهود الأوربية للاشتراك في قوّة حفظ السلام بالبلقان، على مدى أربع سنوات من الحرب الأهلية الدموية . و بعد تدخلها في البوسنة، قضت ثلاث سنوات أخرى في محاولة التوصّل إلى حلول غير عسكرية للصراع العرقي في كوسوفو .
و رغم هذا التحفّظ، كان كل تدخّل بقيادة الولايات المتحدة، فيما بعد الحرب الباردة، أكبر و أوسع في نطاقه ، و أكثر طموحا في مقاصده، من الذي سبقه .
و يقول الكتاب أن الهدف الأساسي في الصومال كان إنسانيا صرفا، ثم توسّع بعد ذلك ليسـتهدف إرساء نظام ديموقراطي . و في هاييتي، كان الهدف إعادة تنصيب رئيس، و إدارة انتخابات وفقا للدستور القائم . و في البوسنة كان دولة متعددة الأعراق . في كوسوفو، كان الهدف تأسيس حكومة ديموقراطية، و اقتصاد حر، من الصفر فعلا .
في حملة الانتخابات الرئاسية عام 2000، انتقد جورج بوش إدارة كلينتون، لأجندتها المتسعة في مجال بناء الدول . و لكن كرئيس، تبنّى بوش مجموعة أكثر تواضعا من الأهداف، عندما واجه بتحديات شبيهة في أفغانستان . و الجهد الحالي لهذه الإدارة يمضي في السبيل المعاكس، نحو عمليات أكبر، أكثر طموحا تقودها الولايات المتحدة في مجال بناء الدول .
و في نهاية هذا الفصل، نجد هذا الاستخلاص " يبدو أن بناء الدول، هو المسئولية التي لا يمكن التنصّل منها، بالنسبة للقوّة العظمى الوحيدة في العالم .." .

المنصرف .. و الوارد

و كالعادة، يقوم الكتاب بمسك دفاتر عمليات التدخل العسكري للولايات المتحدة في أنحاء العالم، ليحدد العلاقة بين الإنفاق و المكسب .. فيقول " و بعد تقييم الحالات السبع التي ندرسها، أجرينا مقارنة البيانات الكمّية لعمليات بناء الدول، و التقدّم الذي تحقق في مجال الديموقراطية، و خلق اقتصاد لامع .. " .
و بعد محاولات غير مقنعة، لتثمين خطوات التدخّل، و جرد حسابات المكسب و الخسـارة، يقول الكتاب " بالرغم من أن كل حالة تكون فريدة في نوعها، فقد حاولنا أن نجد مساحات تكون المقارنات فيها مفيدة . بشكل خاصّ، حاولنا في عملية بناء الدولة أن نقدّر و نقارن مقاييس الدخل ( مثل القوات العسكرية، و الوقت المنصرم، و المساعدات الاقتصادية )، و الخرج ( الانتخابات الديموقراطية، و زيادة متوسّط نصيب الفرد من الدخل القومي) .." .
في الفصول التالية، يتناول الكتاب موضوع وحدة القيادة، في مقابل المشاركة متعددة الجنسيات . ثم يجري مقارنات بالنسبة للمدى الزمني الذي استغرقته عمليات التدخّل المختلفة . و يحدد الكتاب بعض حقائق مستفادة من مجموع تلك التجارب، ثم يحاول أن يطبّق تلك الدروس على العراق . و سنحاول أن نوجز ذلك فيما يلي من حديث .
لكن من الضروري أن نلفت النظر هنا إلى خطأ كبير يقع فيه من وضعوا ذلك الكتاب، و تقع فيه دائما الإدارة الأمريكية : و هو الحديث عن بناء الدول، وإجراء المقارنات بينها، دون الانتباه إلى الأساس المجتمعي لكل دولة من تلك الدول .. نوع العمل السائد في دولة ما، و علاقته بنوع النظم السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية التي تناسبه . و قد يكون من المفيد طرح هذا بتوسّع بعد الانتهاء من استعراض الكتاب .
و قبل أن نواصل طرح فصول ذلك الكتاب، نريد أن نشير إلى ما نراه الخطأ الأساسي الذي تقع فيه أمريكا كثيرا، و بالتبعية وقع فيه هذا الكتاب .

مصالح من ؟!..

ما هو جوهر الموضوع ؟ .. الموضوع هو أن أمريكا ـ قبل 11سبتمبر و بعدها ـ تريد تأمين مصالحها في بعض أنحاء العالم، بتغيير أو تعديل النظم الحاكمة في بعض الدول، بما يضمن عدم تهديد هذه المصالح، حاليا أو في المستقبل . و الاسم الحركي المقبول عالميا، و لدى الدول المعنية، هو إعادة بناء الدول، و الهدف الفعلي تغيير النظم الحاكمة لبعض الدول، و فرض قيادات تكون مستعدة لتطبيق استراتيجية المصالح الأمريكية .
و عندما نتحدّث عن المصالح الأمريكية، أرجو ألاّ ينصرف ذهن أحد إلى أننا نتكلّم عن مصالح الشعب الأمريكي، إنّما مصالح طبقة كبار الأثرياء، في مجالات السلاح أساسا، و البترول و المقاولات أيضا . و لا بأس هنا من أن نذكّر القارئ بالتصنيف الحقيقي العلمي للنظام الحاكم في أمريكا، و الذي ينطبق عليه مصطلح ( البلوتوقراطية )، و هي بالقطع ليست ديموقراطية، و لكنها تعني حكم كبار الأثرياء .
عمليات تغيير الأنظمة الحاكمة في العالم، تضع لها أمريكا شعارات مختلفة، تناسب مقتضى الحال . فهي سيادة الحرّية مرة، و تطبيق الديموقراطية مرّة ثانية، و القضاء على أسلحة الدمار الشامل مرّة ثالثة .. ثم القضاء على الإرهاب أخيرا .
و من واقع الكتاب الذي نتحدث عنه، تخفق أمريكا على مدى عدة عقود، في جهودها الميمونة لبناء الأمم، و تحاول إرجاع ذلك الإخفاق إلى أسباب مختلفة، ليس من بينها السبب الحقيقي، و هو :
أن الاعتبار الأوّل، الذي يجب أن ندخله في حسابنا عند تصوّر النظام الأنسب لشـعب ما، هو أن نرصد نوع تكنولوجيات العمل السائدة بين أفراد ذلك الشعب، لكي نعرف أي نوع من النظم السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية يناسبه .

و إلى الرسالة التالية، لنستعرض الفصول التالية من هذا الكتاب الكاشف لحقيقة أطماع أمريكا

الأربعاء، مايو ٢٨، ٢٠٠٨

أمريكا .. المؤامرة

المستنقع الأمريكي بالعراق

و خبرة بناء الدول المزعومة

" راند "، مؤسسة أبحاث تابعة للسلاح الجوي، في وزارة الدفاع الأمريكية . و من بين أهم منشوراتها، كتاب " الدور الأمريكي في بناء الدول .. من ألمانيا إلى العراق "، الذي ظهر في النصف الثاني من عام 2003، قامت به إدارة أبحاث الأمن القومي، لحساب مكتب وزير الدفاع، و عدّة جهات أخرى، من بينها وكالات الدفاع و الإدارة البحرية و مجتمع المخابرات الأمريكية . و دراسات راند النظرية تتحوّل إلى استراتيجيات و خطط حربية، تعتمد عليها الولايات المتحدة في حروبها التوسّعية، في إطار الوهم الخطير الذي يعشّش في عقول مجموعة الرجعيين الجدد التي تسيطر على الإدارة الأمريكية .
الكلام في راند يجيء صريحا للغاية، و يساعدنا في سعينا للتعرّف على المخططات الحقيقية للولايات المتحدة الأمريكية، بعيدا عن الأكاذيب المتوالية التي تصدر عن قياداتها .
من ذلك، ما ساعدني شخصيا في فهم جوهر التحركات الأمريكية الجارية تحت شعار الشرق الأوسط الكبير . كتاب صدر عن راند عام 2004، يحمل عنوان " بيئة الأمن المستقبلية في الشرق الأوسط: الصراع، الاستقرار، و التغيير السياسي " .
في ذلك الكتاب، و تحت عنوان " مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط "، ورد الترتيب الحقيقي الصادق لمصالح أمريكا في المنطقة .. و جاءت الديموقراطية بشروط و في آخر القائمة ! . وردت المصالح الأمريكية الست بالترتيب و الأولوية التالية :
أولا : مواجهة الإرهاب، خاصة بعد 11/9 ، حيث تحوّل الصديق و الحليف بن لادن إلى ألدّ الخصوم .
ثانيا : مواجهة انتشار أسلحة الدمار الشامل . ( و هو المبرر الذي استندت الإدارة الأمريكية، كذبا، لغزو العراق )
ثالثا : ضمان البترول بالسعر المناسب .
رابعا : ضمان استقرار الأنظمة العربية الصديقة ( الحديث هنا يكون أساسا عن السعودية و مصر ) .
خامسا : ضمان أمن إسرائيل . ( لاحظ أنه تالي في الأهمية لاستقرار الأنظمة الصديقة !) .
سادسا : تشجيع الديموقراطية و حقوق الإنسان، و لكن بنبرة هادئة، و مع عدم دعم العلاقات مع خصوم النظم الحاكمة الذين يرفعون هذه الشعارات .


فن اغتيال قادة الخصوم !

من بين كتب راند، كتاب بعنوان " عمليات ضد قادة الخصوم " . و يشرح الكتاب تنوّع تلك العمليات بين الهجوم المباشر، و حبك المؤامرات، و إثارة الفتن . و يقول أن الكتاب يتضمّن تحليل 24 حالة من محاولات اغتيال القادة خصوم أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية .. و كيف أن هذه المحاولات لم تنجح إلاّ مع الأدميرال الياباني إيسوروكو ياماموتو، الذي أسقطت طائرته أثناء الحرب . يحكي، ببساطة و براءة، عن محاولات اغتيال فاشلة استهدفت فيديل كاسترو، و معمر القذافي، و صدام حسين، و محمد فرح عيديد، و أسامة بن لادن، و أخيرا و ليس آخرا سلوبودان ميلوسيفيتش ! .
قائمة الكتب طويلة، و هي مفيدة لكل من يريد أن يتعرّف على العقلية البرجماتية (الذرائعية) الأمريكية، التي تؤمن بأن كلّ ما هو نافع، فهو موجود و يعتبر خيرا . كتب عديدة عن مواجهة الإرهاب الجديد، و إرهاب عصر المعلومات، و استغلال الصراعات العرقية، و مصادر الصراع في القرن الحادي و العشرين، و ظهور الخصوم المنافسون، و عدّة كتب عن الصين و ما تشكّله من تهديدات لأمريكا ..

بناء الدول .. آخر صيحة !

آخر صيحة في الإدارة الأمريكية هي بناء الدول . و الكتاب الذي اخترناه من بين كتب بناء الدول ظهر عام 2003 تحت اسم " الدور الأمريكي في بناء الدول.. من ألمانيا إلى العراق " .
و قد جاء في مقدمة الكتاب " هذا التقرير يتضمن نتائج دراسة حول أفضل ممارسات في بناء الدول . هدفه هو تحليل النشاط الأمريكي و الدولي، العسكري و السياسي و الاقتصادي، في أعقاب أوضاع الصراعات، منذ الحرب العالمية الثانية .. و طرح الاحتمالات بالنسبة العمليات العسكرية الأمريكية المستقبلية . هذا التقرير يتضمن الدروس المسـتفادة من كلّ من هذه العمليات، ثم تطـبيقاتها على حالة العراق " .
يقول الكتاب أنّه منذ نهاية الحرب الباردة، استثمرت الولايات المتحدة الأمريكية قدرا ملموسا من الموارد العسكرية و السياسية و الاقتصادية، لإدارة عملياتها في أعقاب الصراعات و القلاقل المدنية . ( هنا قد يتساءل القارئ عن سرّ اهتمام الولايات المتحدة بملاحقة الصراعات و القلاقل في أنحاء العالم الأربعة .. للإجابة، نحيله إلى " مشروع القرن الأمريكي الجديد "، الذي وضعته مجموعة من المحافظين الجدد التابعين للمحافظ الأكبر ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي، و الذي التزمت به إدارة جورج دبليو بوش، و الذي يستهدف السيطرة الأمريكية المطلقة على العالم بأكمله، الأصدقاء قبل الأعداء ! ) .

كتالوج التسميات ..

يقول الكتاب " لقد استخدمت عدّة مصطلحات متنوعة، على مدى 57 سنة مضت، لوصف النشاط الذي نسعى إلى تحليله . كان يشار إلى العمليات الألمانية و اليابانية باصطلاح (احتلال) . أما عمليات الصومال، و هاييتي، و البوسنة، فقد كان يطلق عليها بشكل عام اصطلاح ( مهمة حفظ السلام، أو فرض السلام ) . لكن الإدارة الأمريكية الحالية تميل إلى مصطلحات مثل (إحلال الاستقرار) و (إعادة البناء)، عندما تشير إلى العمليات التالية للصراعات في أفغانسـتان و العـراق "، ثم يقفز الكتاب قفزة بهلوانية فيقول " في جميع هذه الحالات كان الهدف هو استخدام القوّة العسكرية لدعم العملية الديموقراطية "(!!!) . و يعود ليستدرك قائلا أن جميع تلك الاصطلاحات التي أوردها لا تعبّر بشكل كامل عن نطاق مثل تلك العمليات .. و لا حتّى تعبير ( بناء الدول )، و إن كان هو الأقرب إلى التعبير الأكثر دقّة .
يختار الكتاب لدراسته سبع حالات تاريخية : ألمانيا، و اليابان، و الصومال، و هاييتي، و البوسنة، و كوسوفو، و أفغانستان . و يقول الكتاب " نحن لم نضمّن الخبرات الاستعمارية للولايات المتحدة الأمريكية في الفليبين، لأن محاولة التحوّل المجتمعي هناك كان يقصد بها أن تنسحب على عدة أجيال .. كما لم نورد تدخلات زمن الحرب الباردة في كوريا و فيتنام و جمهورية الدومينيكان و لبنان و جرينادا و بنما، نظرا لأن عمر تلك التدخلات كان قصيرا (!!)، و كانت أهدافها السياسية محدودة .." .
طبعا الكلام غريب، و إلى حد ما مضحك ..
حرب أمريكا في فيتنام كانت تدخـلا قصيرا، و بأهداف سـياسية محدودة ؟! .. و إذا كان الهدف من هذه الدراسة هو الاعتماد على دروسها المستفادة في الحرب العراقية، فلماذا لم يركّز الكتاب على دروس الخيبة الشاملة في مستنقع فيتنام، لنعقد المقارنات مع خيبتها الحالية في الحرب العراقية ؟ .
من أجل التوصّل إلى أفضل الممارسات التي تقود إلى الديموقراطية، يعمد الكتاب إلى
أولا : وصف طبيعة التسوية التي أنهت الصراع .
ثانيا : وصف أبعاد المشكلة، لتطوير أفضل الممارسات التي نحتاجها، للتعرّف على مدى التحديات التي تواجه الولايات المتحدة، من خلال الحالة التي تجري دراستها .
ثالثا : وصف الترتيبات المؤسسية و السياسات التي جرى تبنيها خلال العملية . و بصفة خاصة دور الولايات المتحدة و غيرها من الدول، و المنظمات الدولية المعنية في عمليات إعادة البناء .
رابعا : امتحان كيفية تطوّر العملية مع مرور الزمن، كيف استقرت بيئة الأمن، أو كيف تدهورت؟، و كيف أصبح الوضع الإنساني، و كيف تأسست الإدارة المدنية، و كيف تطوّرت العملية الديموقراطية، و كيف سارت عملية إعادة البناء الاقتصادي ؟ .
خامسا : تقييم كل عملية، و الاعتماد على مختلف التقييمات في التوصّل إلى أهم الدروس المستفادة، من مقارنة الخبرات السابقة .
أخيرا : تطبيق هذه الدروس المستفادة على حالة عملية العراق . التحـديات التي نواجهها في إعادة بناء العراق . و التوصيات الأكثر فعالية لخلق عراق سليمة اقتصاديا، و ديموقراطية .

و السؤال المطروح .. هل تحقّق ذلك في حالة العراق ؟ .. و لماذا تؤكّد الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها أمريكا في عملية العراق، في التحضير، وفي عهد بريمر، و حتّى الآن، عدم وجود دروس مستفادة ؟ .. على أي حال .. دعونا نستعرض باقي الكتاب، لعلنا نحصل على إجابة شافية .
و رغم أن الكتاب ينطلق من كذبة كبرى، تتصل بالأهداف الحقيقية لأمريكا، من تدخّلاتها و مؤامراتها و حروبها، و يحاول إسباغ صفة إنسانية على المذابح الكبرى التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية في جميع أنحاء العالم، سـعيا وراء المزيد من الأرباح لطبقة كبار أثرياء السـلاح و البترول و المقاولات التي تحكمها .. رغم هذا، فقد يكون من المفيد أن نرى كيف تفكّر الولايات المتحدة الأمريكية في تبرير استغلالها للبشر، داخلها و خارجها .. في الرسالة التالية .

الأربعاء، مايو ٢١، ٢٠٠٨

خنجر فوكوياما في جسد "المحافظون الجدد"

جاء كلينتون.. و انصرف،

وبدأت أكاذيب و فضائح بوش

سقط بوش الأب في الانتخابات، و جاء كلينتون . غير أن شيني طليعة مقاتلي تجار السلاح و البترول لم يصمت .. أسرع في الأيام الأخيرة لوجوده في مكتبه بإجراء تعديلات في خطته السابقة، ليجعلها خفيفة على قلب الإدارة الجديدة .
لكن الإدارة الجديدة رفضت الخطة بلباقة . لقد سعى كلينتون إلى تعظيم وضع القوّة الراهن لأمريكا، و إلى تنمية مصالحها، من خلال الدبلوماسية الاقتصادية، و المؤسسات التعددية الأمريكية ( الخاضعة لسيطرة أمريكا )، و من خلال تجارة حرّة عالمية أوسع، و تنمية التحالفات الصديقة .. باختصار : تحوّلت السياسة الأمريكية من السيطرة على العالم، إلى العولمة .
خلال ثماني سنوات، هي حكم كلينتون، لم تهدأ الجماعة التي كانت على أقصى يمين الحزب الجمهوري، و تمخّض جهدهم عن " مشروع القرن الأمريكي الجديد "، الذي أشرنا إليه . كانت هذه الجماعة تضم مقاتلين أشداء، من أمثال دونالد رامسفيلد، و ديك تشيني، و جيمس وولسي، و بول وولفويتز, و ريتشارد بيرل، و بيل كريستول، و زالماي خليل زاد ( الذي عمل كحاكم مدني على أفغانسـتان بعد غزوها،ثم سفيرا لأمريكا في العراق، و حاليا ممثل أمريكا في الأمم المتحدة )، و آخرين . و قد اختار هؤلاء لافتة " المحافظون الجدد "، باعتبارها أكرم من " الرجعيون الجدد "، وظلوا يترقبون على نار، حتّى انتهت رئاسة كلينتون، و جاءت اللعبة المناسبة، جورج دبليو بوش .

عندما تصبح الكارثة أمنية !

في إدارة بوش الابن تربعت القبيلة بكاملها على كراسي الحكم، و احتلت أهم المناصب، فسيطرت بالكامل على صناعة القرار العسكري . و لكن، من أجل الشروع في حملاتهم العسكرية الخارجية، دون إثارة التحفظات، من داخل الحزب و خارجه، و من العناصر الأشد محافظة مثل الانعزاليين الذين يرفضون توسيع نطاق دور الحكومة الفيدرالية و يعارضون المغامرات العسكرية الخارجية .
في أحد التقارير الرئيسية لجماعة المحافظين الجدد، و الذي وضع في عام 2000، وردت هذه الكلمات بالنص " عملية التحوّل، حتّى لو جاءت معها ببعض التغيرات الثـورية، تنسـحب في الأغلب على مدى زمني طويل .. وما ينقصنا هو حدث حافز كالكارثة .. أشبه ببيرل هاربور جديدة .." .
و تحقّق الأمل المنشود في الحدث المنقذ ..كارثة 11 سبتمبر ! .
هل هي صدفة، أم أن الحجاب قد كشف عن هؤلاء الرجعيين الجدد ؟ .. أم هل نستجيب لآراء العديد من المحللين، الذين يصل بهم الأمر إلى افتراض أن هذه المجموعة كانت تعرف بالكارثة القادمة عن طريق إسرائيل، و أعطت ظهرها حتّى تمّت بنتائجها الكارثية المطلوبة ؟..
بالمناسبة، في موقع على الإنترنيت، شاهدت تسجيلا، نصف الصورة الأيمن فيلم ارتطام الطائرتين بالبرجين، و النصف الأيسر الرئيس بوش مع فصل دراسي للأطفال يقرأ عليهم قصة " العنزة العنيدة "، و يظهر أحد المرافقين و يهمس في أذنه و ينصرف، فيواصل القراءة ..و في أسفل القسمين ساعة تحدد توقيت الأحداث هنا و هناك ثانية بثانية .. لم يظهر على بوش أي رد فعل للحدث الذي أبلغ به، و هذا يعني أحد أمرين : إمّا أنه ممثـل بارع، أو أنه كان يعلم مسبقا ! .
بهذه المناسبة، دعونا نورد لمحة ممّا أورده الإعلام الموالي لتجار السلاح ، و قبيلة المحافظين الجدد، و بالتبعية لجورج دبليو بوش ..
قال بوش للمذيع الشهير لاري كنج، على قناة سي إن إن الموالية للنظام بشدة، مدافعا عن تصرفه، بالبقاء لسبع دقائق خلال الهجوم، و بعد أن عرف بأمره :
" حسن .. كنت لتوّي قد أخبرت عن طريق أندرو كارد أن أمريكا تتعرّض لهجوم . كنت أستجمع أفكاري . و كنت أجلس مع مجموعة من الأطفال .. و وقتها اتخذت قراري بإنهاء هذا الجانب من البرنامج .." .
و في حديث أجراه مع بوش الصحفي سكوت بالترو، من ( ذا وول ستريت جورنال )، قال بوش بالنصّ ما ترجمته " كنت أجلس خارج حجرة الفصل الدراسي، أستعد للدخول إليها، فرأيت طائرة تصطدم بالبرج ـ من الواضح أن التلفزيون كان مفتوحا . و أنا قد تعودت على السفر بالطائرة، فقلت لنفسي : حسن، هاهو طيّار فظيع " .
يعلّق الصحفي قائلا أن بوش بعد عدّة أسابيع من قوله السابق، ردد نفس القصة، في لقاء عام بأونتاريو، كاليفورنيا .. و حقيقة الأمر أن مشاهد ارتطام أول طائرة بمركز التجارة العالمي لم تتم إذاعته على شاشات التلفزيون إلاّ في مساء ذلك اليوم، عندما تم التوصّل إلى لقطات الفيديو التي التقطها الهواة .. و يضيف الصحفي أن جهاز التلفزيون في الحجرة التي كان السيد بوش يجلس فيها، لم يكن حتّى موصّل بالتيار، وفقا لأقوال السيدة ريجيل ناظرة المدرسة ! ..
يعتقد البعض أن هذا التخبّط في أقوال بوش، لا يرجع فقط إلى محاولة الكذب و اختلاق قصّة يراها مناسبة، و لكن لتعاطي بعض العقاقير التي يصفها له أطباء البيت الأبيض، لمواجهة نوبات الاكتئاب الشديدة التي تصيبه .

غنائم أثرياء السلاح

و بدأ أثريـاء السلاح في جمع الغنائم .. و تم رفع ميزانيات التسـليح بأكثر من طريقة، و لأكثر من غرض .. المهم أن تتحوّل بلايين الدولارات إلى خزائن صنّاع السلاح . و جاء هذا بالطبع على حساب الشعب الأمريكي، و نتج عنه تخفيضات جوهرية في ميزانيات الخدمات الأساسية من تأمين اجتماعي و تعليم و صحة . فماذا قال الرئيس بوش في تبريره لهذه الجريمة :
" كنّا نود أن نواصل تمويل التعليم، و عمليات حماية البيئة، و توفير الدواء للمسنين من خلال التأمين الصحي .. و لكن، كما ترون لا توجد أموال زائدة، تبقّت لنا بعد ملاحقتنا للأشرار .. إنّها ليست غلطتنا " .
كلام عجيب .. لو أن الشعب الأمريكي يصدّقه، فألف سلامة على عقول شعوبنا .
المهم، ماذا حدث للمشروعات العديدة التي تراكمت منذ أيام بوش الأب، و حتّى ولاية بوش الابن، مرورا بسنوات حكم كلينتون ؟ . ظهرت خلاصة المشروعات القديمة في مشروع " إعادة بناء الدفاعات الأمريكية : استراتيجية، و قوات، و موارد للقرن الجديد " . و ما هو جوهر هذا المشروع ؟ . بعد خروج الاتحاد السوفييتي من الصورة،الآن هو أكثر الأوقات " مناسبة لفرض المصالح و المبادئ الأمريكية .. التحدي الذي يجيء مع القرن الجديد هو الحفاظ على هذا ( السلام الأمريكي ) و تنميته " . و كيف تتم المحافظة على ذلك السلام الأمريكي و تنميته ؟، تقول الأوراق " بالحرب، و بالتحديد بكسب الحروب المتعددة، التي تحدث في نفس الوقت على نطاق واسع " .
و كانت خيبة الأمل الكبرى في أفغانستان و العراق .. و كان المستنقع الذي يتجاوز مأساوية مستنقع حرب فييتنام، لو أدخلنا في اعتبارنا تغيّر الزمن، و تغيّر وعي الجمـاهير، في أمريكا و في العالم .. هذه النتيجة المؤلمة خيّبت أمل مهندسي الفكر في قبيلة " المحافظون الجدد "، الذين كانوا قد تصوّروا نجاح العمليات العسكرية في أفغانستان و العراق .. و حلموا بالجماهير في كلّ من البلدين تهتف مرحّبة بالحرب الأمريكية .. و تطلب من سحرة النظام الأمريكي أن يخططوا لهم تفاصيل الطريقة المثلى لإعادة بناء هذه الدول المحتلّة، و غيرها من الدول العربية و الإسلامية التي لم تحتل بعد ..
فأصبح شعار إعادة بناء الدول من الشعارات الرائجة في أمريكا .. و قبل أن نستعرض الكتاب الأهم في هذا الصدد لفرانسيس فوكوياما " بناء الدولة"، دعونا نستعرض ما صدر عن (رانـد)، التابعة للبنتاجون، قبل ذلك، باسم " الدور الأمريكي في بناء الدولة، من ألمانيا إلى العراق " .


* * *

و إلى الرسالة التالية، لنرى المستنقع الأمريكي بالعراق، و خبرة بناء الدول المزعومة !

الاثنين، مايو ١٢، ٢٠٠٨

خنجر فوكوياما في جسد "المحافظون الجدد"

لعبة معاداة أوروبا
لتغطية فشل الإدارة الأمريكية

لقد سعى كراوتهامر و آخرون من دعاة الحرب ـ و من أشهرهم روبرت كاجان ـ إلى جعل معاداة أوروبا نوع من الألعاب الرياضية !، هكذا يقول داني بوستيل، و يزعمون أن شكوك أوروبا حول العراق، هو تحوّل في الإدراك، أشبه ما يكون بتحركات القشرة الأرضية، و تؤشّر إلى صدع في العلاقات عبر الأطلنطية، له دلالته الخطيرة .
و هنا، لا يستبعد فوكوياما هذا المنطق نهائيا، لكنه يشير إلى نوع من الخداع و خفّة اليد في إقحام هذه المسألة في النقاش حول سلامة الحرب العراقية . و يقول أن كراوتهامر، لو كان قد حاول عوضا عن توجيه الاتهامات و الإهانات إلى أوروبا، أن " يستمع بعناية إلى ما يقوله فعلا بعض الأوروبيين ( و هو أمر لا يجيده الأمريكيون هذه الأيام )، لكان قد اكتشـف أن الكثير من اعتراضاتهم على الحرب لم تكن معيارية، ذات علاقة بالموضوعات الإجرائية و الأمم المتحدة، بل كانت عقلانية، تتصل بالحكمة الكلّية من غزو العراق .." .
في وجه محاولات كراوتهامر للتغطية على أخطاء الإدارة الأمريكية و جورج بوش و رفاقه، على العكس من ذلك يدعو فوكوياما أمريكا إلى التصدّي لهذه الأخطاء وجها لوجه، مع التأكّد أنّها " خلقت لنا مشكلة شرعية كبرى .. مشكلة يمكن أن تهدد مصالح أمريكا، لزمن طويل قادم .." .
و يضيف فوكوياما أن اهتمامنا بهذا الأمر، ليس فقط من أجل الأسباب الواقعية للأوضاع القادمة ( مثل القدرة على اجتذاب الحلفـاء الذين يقاسمون الأحمال)، و لكن لأسباب مبدئية أيضا ( كالقدرة على القيادة القائمة على جـاذبية من نحن ) .
يدين فوكوياما مجموعة المحافظين الجدد، بأنّها تنظر إلى السياسة الخارجية الأمريكية من خلال منظار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني . و يقول أن كراوتهامر يتبنّى الخط الليكودي المتشدد في إسرائيل، و أن هذا " يلوّن رؤيته و آرائه بالنسبة للطريقة التي يجب أن تتعامل بها الولايات المتحدة مع العرب، بشكل عام ..".

لكي يحترمك العرب !

قال كراوتهامر خلال حوار إذاعي معه أن الطريقة الوحيدة لاكتساب احترام العرب، هي أن تمد يدك إلى أسفل، و تهصر ما بين الساقين ( النص الحرفي لكلامه كان أقل تهذيبا ! .. ) .
و فوكوياما يناقش منطق نقل أسلوب آرييل شارون الفكري إلى الاستراتيجية الأمريكية، فيقول " هل نحن مثل إسرائيل، محاصرون بصراع وحشي مع جانب كبير من العالم العربي و الإسلامي، مع سبل قليلة مفتوحة أمامنا للتعامل معهم، غير القبضة الحديدية ؟ " . و في حوار آخر، تساءل فوكوياما " هل يعقل أن يجري تطبيق استراتيجية وضعتها دولة صغيرة، محاطة بالأعداء من كل جانب، على ظروف دولة هي القوّة العظمى الوحيدة في العالم ؟ " ..
و في دعوته إلى استراتيجية أكثر تركيبا، تتوازن فيها النسبة بين ( العصا و الجزرة )، يقول " اتباع سياسة أمريكية تجاه العالم الإسلامي، شبيهة بسياسة شارون، تعتمد على العصا بشكل كبير، ستتمخّض عن كارثة .. فنحن ليس لدينا ما يكفي من العصي في مخـازننا ممّا ( يجعلهم يحـترموننا ) .. يكرهنا الإسـلاميون ـ بالتأكيد ـ منذ البداية، لكن أحادية القطب التي يرفع كراوتهامر لواءها، قد ضاعفت تلك الكراهية للولايات المتحدة، في المعركة الأكبر لكسب القلوب و العقول .." .

تهويد المحافظين الجدد

لم يكن كراوتهامر يتوقّع مثل ذلك التحوّل الذي طرأ على أفكار فوكوياما في مثل هذا الزمن القصير .
و في ردّه على فوكوياما، عمد كراوتهامر إلى استخدام الشتائم في وصف كلامه " سخيف "، و " أحمق "، و " لا معنى له "، و " متناقض على الإطلاق " . و قال أن فوكوياما قد " لحق بالركب في حماس، متصيدا المصاعب التي نواجهها في العراق لتفنيد أي سياسة سابقة قادتنا إلى هناك .." . و هو يواصل قائلا " أمّا عن ادعاء فوكوياما بأن جهود إعادة البناء بدت عقيمة منذ البداية، فمن الغريب أن فوكوياما لم يتنبّأ بذلك من قبل .. لقد انتظر لمدة سنة، حتى يتشمم اتجاه الريح، لكي يتنبّأ بما هو موجود " .
و عمّا قاله فوكوياما عن دور إسرائيل، يدين كراوتهامر غريمه بالسعي إلى تهويد حركة المحافظين الجدد . و يضيف ـ مراعيا الزمالة القديمة ـ أن أقوال فوكوياما لم تكن بمثل فظاظة أقوال بات بوكانين، و محاظـير محمد الماليزي، و غيرهم الذين يرددون أن " المحافظين الجدد الأمريكيين ( اليهود في نظرهم ) يعملون لحساب إسرائيل، و يسعون إلى اختطاف السياسة الخارجية الأمريكية، و جعلها في خدمة إسرائيل، و المؤامرة اليهودية الأكبر ..". و يستطرد كراوتهامر قائلا " أن تناول فوكوياما كان أكثر عمقا و وضوحا .. لكن الذي يجعل منطق فوكوياما سخيف تماما، أن من يمسكون بزمام السياسة التي ينتقدها شخصيات مثل بوش و بلير و تشيني و رامسفيلد .. كيف أمكن أن يغرقوا في هذا التوحّد الوهمي مع إسرائيل ؟ ..هل هم متخلفون عقليا ؟ أم كانوا منومين مغناطيسيا بواسطة المحافظين الجدد، كي يشتركوا معا في الرباط القبلي ؟".

خنجر فوكوياما

يتساءل الكاتب داني بوستيل " إلى أي مدى وصل خنجر فوكوياما في جسد المحافظين الجدد ؟، هل ما زال هو شخصيا منهم ؟ " . و يضيف قائلا أن فوكوياما يبدو غامضا في هذه النقطة . فموقفه لا يدخل في باب الخلاف بين أفراد العائلة.. و يؤمن داني بوستيل أن قطار فوكوياما قد خرج نهائيا من محطة المحافظين الجدد .
و من ناحية أخرى، يقول جون مائيرشيمير العالم أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو " فوكوياما يفهم بشكل صحيح تماما، أن سياسـة بوش قد حطّت على الصخـور " . و يقول أن فوكوياما قدّم " خدمة كبرى "، بقوله أن اسـتراتيجية المحافظين الجدد للتعامل مع العراق " تحطّمت و احترقت .." . ثم يضيف أن فوكوياما " يجب أن يحظى بالتقدير لأمانته في هذه الناحية ..و لمواجهته الواقع .." .
و يرى مائيرشيمير أن دلالة تدخّل فوكوياما تمضي إلى ما هو أبعد من كونها أول خلاف داخلي بين المحافظين الجدد حول العراق، " و هي ليست فقط لكونها ملاحقة أحد أعضاء قبيلة المحافظين الجد لعضو آخر في القبيلة .. لأن فوكوياما هو أكثر أعضاء القبيلة أهمية .

التهديد بانهيار القبيلة

يتقق مائيرشيمير مع كراوتهامر في أن انتقادات فوكوياما تهدد بتفكيك مشروع المحافظين الجدد . و يوضّح هذا قائلا أن فوكوياما، أوّلا : يتحدّى " دافع أحادية القطب الذي يوحّد ـ بقوة ـ الرؤية العالمية للمحافظين الجدد " . و ثانيا : يشكّك فوكوياما في فكرة أن حرب العراق ظاهرة ديموقراطية متسلسلة في العالم العربي ـ الإسلامي . و يضيف مائيرشيمير أن فوكوياما يتصف " باحترام صحّي قوي لحدود القوة العسكرية . ثم هناك رأي فوكوياما بالنسبة لحدود القدرة على الهندسة الاجتماعية، و آرائه فيما يختص بميل المحافظين الجدد إلى ربط تهديد الأمن الإسرائيلي بتهديد أمن الولايات المتحدة .
هذه المعركة الكلامية بين أكبر قطبين من أقطاب قبيلة المحافظين الجدد، سببت طنينا عاليا في واشنطن . فقد جرت قبل انتخابات الولاية الثانية لجورج بوش . لهذا قال الكاتب دافيد فروم، و الذي كان يقوم سابقا بكتابة خطب بوش، و يعمل حاليا في كتاب حول تاريخ اتخاذ القرار في السياسة الخارجية بإدارة الرئيس بوش .. قال أن ما قام به فوكوياما يمكن أن تكون له دلالة كبيرة في هزيمة بوش .
غير أن كراوتهامر يتجاوز هذا الحد في تقييمه لمعركة فوكوياما فيقول " إننا نحارب الآن حول من الذي سيتحكّم في مصير و قدر الحزب الجمهوري .. و العواقب ستكون كبيرة .." .

ماذا فعلت حرب العراق ؟

يعلّق فوكوياما على هذا كله قائلا " الحماس الذي أبداه الكثيرون ممن يضعون لافتة المحافظين الجدد لحرب العراق، قد كان أكثر إدانة للمحافظين الجدد من جميع ما كان يمكنني أن أقوله .." .
و يضيف قائلا للمحافظين الجدد أن جرعة من التأمّل الداخلي قد تفيدهم، " .. و هذا هو الشيء الذي يصدمني .. و هو نفس الشيء الذي يصدمني بالنسبة للرئيس بوش أيضا . ربما كنت أغفر الكثير لو أن أحدا من هؤلاء الذين كانوا من أشد المدافعين عن الحرب، قد أظهر أي نوع من إعادة النظر و التأمّل فيما حدث، أو أبدوا معرفة بوجود إشكالية ما فيما أوصوا به . . لم يفعل هذا كراوتهامر .. و لا فعله الرئيس بوش، و أرى في هذا خللا كبيرا .. و يبدو لي أنه لن يساعدهم في قضيتهم هذه لو بقوا على إصرارهم، و أنّهم كانوا مصيبين في كل ما فعلوه .." .

بدايات المؤامرة الإمبراطورية
في بدايات تسعينيات القرن الماضي، التقى بوش الأب بمجموعة من الصحفيين، و قال لهم ما معناه .. أنه بعد أن انتهينا من ترتيب البيت ( يعني أمريكا ) من الداخل، علينا أن نعيد ترتيب العالم من حولنا ! .
في ذلك الوقت اعتبرنا أن الأمر مجرّد تمهيد لحرب الخليج .. لم نكن نعلم بالخطط المجنونة التي يدبّرها ديك تشيني، وزير الدفاع في ذلك الوقت، مع مجموعة من الرجعيين المتعصّبين، من الأصوليين اليهود و المسيحيين الصهيونيين .. لم نكن قد سمعنا عن " استراتيجية الدفاع للتسعينيات "، أو عن" مشروع القرن الأمريكي الجديد "، الذي تولّد عن السابق، و عرف بعد ذلك بالاسم الرمزي ( باناك ) .
فما هو جوهر هذه المشروعات الجنونية .. إنّها خطة تسعى بها الولايات المتحدة لحكم العالم .. الغرض المعلن هو التكيّف مع وضع أحادية القطب، التي وجدت أمريكا نفسها فيها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لكنّها في جوهرها قصة سعي للسيطرة التامة على العالم . هذه المشروعات تطالب الولايات المتحدة بأن تتوصّل إلى تفوّق عسكري كاسح، يمنع قيام أي قوى مضادة جديدة تنافسها على المسرح العالمي .. إنّها تطالب بالسيطرة الكاملة على الأصدقاء و الأعداء سواء . و هي لا تقول أن الولايات المتحدة يجب أن تكون قوية، أو الأقوى، بل يجب أن تكون الأكثر قوّة على الإطلاق .
لكن .. لماذا ؟!
يقول الكاتب الأمريكي دافيد أرمسترونج " قبل أن تستهدف الخطة السيطرة، كانت تستهدف المال .." .
عندما تضاءل الخطر السوفييتي بوضوح، انخفض دعم الرأي العام لميزانيات التسلّح الهائلة، التي تبتلع العديد من الميزانيات التي تمس مصالح أبناء الشعب اليومية . و هنا، ظهر دور كولن باول، مستشار الأمن القومي في إدارة رونالد ريجان . لقد استشعر باول التغيرات التي تحدث في الاتحاد السوفييتي، و شأنه شأن ديك تشيني، أراد تفادي التخفيضات في الميزانية العسكرية . و لكي يظهر قدراته أمام الجانب الأهم من حكّام الولايات المتحدة، أعني بذلك كبار أثرياء صناعة السلاح، الذين أتوا به و بريجان و معظم أعضاء المجلسين بفضل إنفاقهم و ضغوطهم و إعلامهم، تفتّق ذهنه عن مبرر لمواصلة تدفّق الميزانيات على خزائن تجار السلاح . قال أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على إدارة القوى القائمة على الملعب العالمي، و عليها أن تبقى كقوّة عسكرية عظمى، حتّى تؤمّن السلام، و تشكّل النظام البازغ بما يتّفق مع المصالح الأمريكية .
و من ناحية أخرى، تحرّك داعية القوّة المفرطة و الانفراد بالسيطرة، بول وولفويتز نائب وزير الدفاع لشئون التخطيط، لمساندة باول و لمواجهة ضغط النواب الديموقراطيين من أجل خفض ميزانية التسـليح . فطرح باول مبدأه الجديد " لم يعد ممكنا للولايات المتحدة أن تحدد احتياجاتها العسكرية على أساس التهديدات المعروفـة . بل على البنتـاجون أن يركّز على تحقيق القـدرة على مواجهة تنوّع واسـع من التحديات غير المعروفة .." . هذه الفكرة التي أسعدت تجار السلاح، أصبحت ركنا أساسيا في المشروعات الجنونية التالية

على الفور قام تشيني بدمج أفكار باول و وولفويتز، و وضع ما أسماه الاستراتيجية الواقعية . و تقدّم الثلاثة إلى الرئيس بوش الأب، و بعد عدّة أسابيع كشف بوش الأب النقاب عن الاستراتيجية الجديدة .. ثم سقط بوش الأب، و جاء كلينتون ..فماذا فعل ديك تشيني ؟..إلى الرسالة التالية .

الجمعة، مايو ٠٢، ٢٠٠٨

أمريكا .. إلى أين ؟ !

المفكّـرون العرب ..

و الوقوع في غـرام المصطلحات
من "العولمة" إلى "نهاية التاريخ"

منذ أكثر من ربع قرن، عندما بدأت تعريف القارئ العربي بمجتمع المعلومات، و ما يجب علينا أن نفعله لكي نسهّل لحاقنا بركب التطور الذي يمر به المجتمع البشري .. منذ ذلك التاريخ، تحدثت عن عنصر هام من عناصر عصر المعلومات، هو خروج الإنسان من نطاق الواقع المحلّي أو الإقليمي أو القومي إلى الواقع العالمي (Globalizm ) . كنت أترجم المصطلح إلى العالمية ( بمعنى الانتماء إلى العالم )، بينما ترجمه آخرون إلى الكوكبية ( بمعنى الانتماء إلى كوكب الأرض ) .. إلى أن ظهر اصطلاح " العولمة "، الذي قاومته لبعض الوقت ( ربّما لخلاعته ! )، ثم رضخت لإجماع الآخرين ..
عندما استقرّ اصطلاح " العولمة "، كانت كتائب المفكرين في معقل الرأسمالية الأمريكية الحاكمة، و التي تنتمي إلى جماعة " المحافظون الجدد "، قد طرحت تفسيرا انتهازيا للعولمة، يقوم أساسا على دعم مصالح كبار الأثرياء في الولايات المتحدة و العالم، من خلال الاتفاقيات المضللة، ذات الظاهر البريء
و قد وقع معظم المفكرين العرب في غرام المصطلح، مصطلح " العولمة " .. يختالون باستخدامه دون انتباه لعملية التزوير الفكري التي يتضمنها تفسيره الرأسمالي ..
ثم انهالت المصطلحات، فظهر " نهاية التاريخ " لفرانسيس فوكوياما ، و " صراع الحضارات " لصمويل هنتينجتون .. و تبارى كتابنا و مفكرونا في ترديد المصطلحان، على سبيل التأنّق الفكري، دون الانتباه إلى الأجهزة و الجهات التي احتضنت و شجّعت أمثال هذين الكاتبين على طرح و إشاعة المنطق الذي يهيئ الرأي العام الأمريكي و العالمي، لتقبّل الإجراءات العسكرية الأمريكية، التي تتم لحساب كبار الأثرياء الذين يحكمون أمريكا، و التي تستهدف تنشيط تجارة السلاح، و احتكار منابع البترول، و إقامة القواعد العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء العالم .. بحيث تحقق الولايات المتحدة أحلامها المعلنة حول " الإمبراطورية الأمريكية "، القادرة على فرض سيطرتها على الأصدقاء قبل الأعداء ..
و قد خصصت كتابا، يتعقب أحد خيوط هذه المؤامرة، من خلال كتابات فرانسيس فوكوياما .. منذ " نهاية التاريخ "، و حتّى كتابه " أمريكا في مفترق الطرق "، مرورا بكتابه " بناء الدول " .. أحاول فيه أن أكشف المغالطات التي لم ينتبه إليها معظم الذين فرحوا بترديد المصطلحات و العناوين ..

شرخ في جبهة الرجعيين الجدد !

قبل أن يتسلّم بوش ولايته الثانية، دارت معركة مجالها أقطاب التنظيم الرجعي، الذي يطلق أصحابه على أنفسهم اسم " المحافظون الجدد "، و الذي يتحكّم في عقل و أفكار و مشاعر جورج دبليو بوش .. و هكذا بدأ بوش ولايته الثانية بداية غير متفائلة .
في موقع ( الديموقراطية الصريحة ) بالإنترنيت، استعرض داني بوستيل الصراع المحتدم بين قطبين كبيرين من أقطاب المحافظين الجدد، هما فرانسيس فوكوياما، صاحب كتاب "نهاية التاريخ" المثير للجدل، و تشارلز كراوتهامر أكبر المتحمسين لغزو العراق، و هو الذي أطلق على نهاية الحرب الباردة تعبير " تفوّق القطب الواحد"، الذي تحوّل عام 2002 إلى " عصر القطب الواحد " .
يقول بوستيل أن تعبير "المحافظون الجدد" قد سلّطت عليه الأضواء في السنوات الأخيرة، أكثر بكثير ممّا حظي به طوال 30 سنة من تاريخه . و قد تضاعف نفوذ هذه المجموعة أو الاتجاه أو الحركة، بعد أحداث 11 سبتمبر، و كانت حرب العراق هي التتويج الفعلي لجهودها .
لقد واجهت هذه المجموعة، التي تستولي حاليا على الرئيس الأمريكي، و يحتلّ أفرادها المراكز الرئيسية في الإدارة الأمريكية .. واجهت انتقادات مريرة من كافة عناصر الطيف السياسي في الولايات المتحدة، و خاصة من أصحاب الفكر اليساري الأمريكي . و رغم تجاهل المحافظون الجدد لأنواع النقد التي توجّه إليهم، فإن الهجوم الوحشي عليهم جاء أخيرا من اليمين ! .
و لعل أحدث هجوم على حرب العراق، و على مهندسيها من المحافظين الجدد، قد أصاب أهدافه بقوّة غير مسبوقة . ذلك لأن النقد الذي قام به فرانسيس فوكوياما نظر إليه على اعتباره مسألة داخلية.. و ليس فقط لأن فوكوياما يعتبر من أشهر منظري المحافظين الجدد، و لكن لأن مناقشته لمسائل جوهرية بالنسبة لحرب العراق ظهرت في عقر دار المحافظين الجدد، على شكل 12 صفحة في مناقشة المسألة العراقية، ظهرت في صيف 2004، منشـورة في الجريدة المعبّرة عن فكر المحافظين الجدد ( ذا ناشيونال انتريست ) .
لقد كان مقال فوكوياما عبارة عن هجوم عنيف على واحد من أكبر قيادات المحافظين الجدد، هو تشارلز كراوتهامر، " الذي أصبح تفكيره الاستراتيجي شعارا لمعسكر المحافظين الجدد ، و الذي كانت فكرة الغزو العراقي في بؤرته . كان كراوتهامر أحد أكثر المنادين بفكرة الحرب حماسا .
في فبراير 2004، ألقى كراوتهامر خطابا في تجمّع المحافظين الجدد بمعهد " المشروع الأمريكي " بواشنطن، قدّم من خلاله دفاعا قويا عن حرب العراق من خلال مضمونه الخاص بأحادية القطب، أو ما يطلق عليه حاليا تعبير " الواقعية الديموقراطية" ! .
كان فوكوياما من بين حضور ذلك الخطاب .. و لم يعجبه ما سمع !..
بعد ذلك، كتب فوكوياما في جريدة المحافظين الجدد يقول أن خطاب كراوتهامر مقطوع الصلة بالواقع "..عند قراءة كراوتهامر، يسود الفرد انطباع أن حرب العراق ـ التي تعتبر تطبيقا حرفيا لأحادية القطب الأمريكية ـ كانت نجاحا غير مسبوق، ثبت من خلاله صحّة كلّ الافتراضات و التوقّعات التي قامت عليها الحرب .. و لن تجد في طرح كراوتهامر أي إشارة ـ و لو عابرة ـ عن الحقائق الجديدة التي كشفت عنها الأيام، خلال الاحتلال .." .
و يواصل فوكوياما مناقشته لمنطق كراوتهامر فيقول إنه " غير واقعي بالمرّة، فيما يعكسه من مبالغة في قوّة الولايات المتحدة، و في قدرتنا على التحكّم في أحداث العالم ... و من بين وجهات النظر المختلفة التي أصبحت الآن مرتبطة بالمحافظين الجدد، أغربها بالنسبة لي هي الاقتناع بأن الولايات المتحدة يمكنها تحويل العراق إلى ديموقراطية على النسق الغربي .. ثم المضي من ذلك إلى تحويل دول الشـرق الأوسط الكبير إلى الديموقراطية .." .
و يواصل فوكوياما متسائلا " إذا لم يكن بإمكان الولايات المتحدة أن تقضي على الفقر داخلها، أو أن تقوم بتجويد نظامها التعليمي، كيف تتوقّع أن تطبّق الديموقراطية على جانب من العالم، قد عمد إلى مقاومتها بعناد، و هو غارق في مناهضة أمريكا .." .

التقييم العام لا يسرّ !

و يطرح فوكوياما بعد ذلك جانبا من أفكاره التي بلورها في كتابه الأخير ( بناء الدول .. الحكم و النظام العالمي في القرن الحادي و العشرين )، و الذي سنتناوله بالتفصيل فيما يلي من حديث، لأهميته القصوى بالنسبة لنا، فهو يرسي أسسا جديدة لكيفية قيام الولايات المتحدة بإعادة بناء حياتنا، وفقا للنموذج الأقرب لمصالحها و أحلامها، و الذي تحاول أن تقنع العالم أنه الأفضل للدول النامية .
يقول " لقد انشغلت أمريكا بما يصل إلى 18 مشروع لبناء دول، بين فتحها للفليبين عام 1899، و الاحتلال الحالي لأفغانستان و العراق .. و التقييم العام لذلك لا يسرّ .." .
و عن احتلال العراق، يقول فوكوياما " منذ غزو الولايات المتحدة للعراق، وحقيقة الأمر تقول أننا نبدو كالضيف الثقيل الذي لم يوجّه إليه صاحب البيت الدعوة إلى حفل العشاء .. لقد كنّا كعادتنا ناقصي كفاءة، و غير قادرين على تنظيم أنفسنا في التخطيط للقيام بمهمة إعادة البناء، الأمر التي كان يمكن التنبؤ يه مسبقا، و الذي ما كان يجب أن يفاجئ أي شخص يعرف التاريخ الأمريكي .." .
و يختم فوكوياما كلامه في هذه النقطة قائلا أن أمريكا " تحتاج أن تكون أكثر واقعية بالنسبة لقدراتها في مجال (بناء الدول )، و أكثر حرصا عند التصدّي لمشروعات ( البناء الاجتماعي ) الكبيرة، في أجزاء من العالم لا تفهمها جيدا .." .

و إلى الرسالة التالية، لنرى ما يقوله فوكوياما عن لعبة معاداة أوروبا، بكل ما يحوطها من نزق

الخميس، أبريل ٢٤، ٢٠٠٨

أمريكا .. و الحليف الخطأ

أمريكا .. و الحليف الخطأ

نحن الشعب اليهودي،
نســــيطر على أمريكا

عندما شاع خبر عن تجسس إسرائيل على أسرار وزارة الدفاع الأمريكية، توقّع البعض حدوث أزمة بين إسرائيل و أمريكا .. أو رد فعل غاضب من أمريكا، على أقلّ تقدير .. لكن الأمرمضى و كأنه حادث مرور في ضاحية من ضواحي واشنطون ! .
لكي نفهم السرّ في هذا، علينا أن نعود إلى ما أذاعه راديو " هنا إسرائيل "، في 3 أكتوبر 2001 قالت الإذاعة العبرية أن شيمون بيريز حذّر آرييل شارون من أن رفض طلب أمريكا لوقف النار مع الفلسطينيين قد يهدد مصالح إسرائيل، " بحيث تتحوّل الولايات المتحدة إلى خصم لنا .." . هنا، استدار شارون الغاضب ليواجه بيريز، و هو يقول بحدّة " كلما فعلنا شيئا تقول لي أن الأمريكيين سيفعلون هذا أو ذاك .. أريد أن أخبرك بشيء، بكلّ وضوح، لا تقلق حول ضغوط أمريكية على إسرائيل .. فنحن، الشعب اليهودي، نسيطر على أمريكا .. و الأمريكيون يعرفون ذلك .." .
هذا هو ما تقوله إذاعة " هنا إسرائيل"، و هي بالقطع ليست معادية للسامية .. و أيضا تقول جريدة "هاآرتز" في 11 فبراير 2004 ( و هي أيضا بالقطع ليست معادية للسامية )، أن حرب العراق هي من بين أفكار 25 مثقفا من المحافظين الجدد، معظمهم يهود .. و هم الذين دفعوا الرئيس بوش لتغيير مسار التاريخ
جاسوس في البنتاجون

في تقرير لوكالة (سي بي إس)، بتاريخ 26 أغسطس 2004، جاء أن وكالة (إف بي آي) تحقق مع
محلل في و كالة مخابرات وزارة الدفاع، لورانس فرانكلين، الملحق بمكتب نائب وزير الدفاع للتخطيط دوجلاس فيث، بتهمة التجسس لحساب إسرائيل . التهمة الموجّهة إلى فرانكلين، أنه سلّم " آيباك " مستندات سرّية، من بينها التي تتضمّن تفاصيل سياسة إدارة الرئيس بوش تجاه إيران، و قامت آيباك بتسليمها إلى حكومة إسرائيل .
و " آيباك "، هي الاختصار لاسم لجنة الشئون العامّة الأمريكية الإسرائيلية . و رغم البراءة التي يعكسها الاسم، هي في حقيقتها جماعة ضغط يهودية قوية، تساند أيّ حكومة في إسرائيل .. و إن كانت خلال السنوات العشر الأخيرة قد مالت ناحية الليكود في إسرائيل، و اليمين السياسي في أمريكا .
و بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، نجحت آيباك، بمساعدة بعض الحلفاء، في وضع رقابة كاملة على كلّ من مجلسي الكونجرس .. لم يجرؤ عضو على إلقاء خطاب ينتقد فيه سياسة إسرائيل، رغم المخالفات و الفظائع التي دأبت إسرائيل على اقترافها.. و التي تعتبر خرقا للقانون الدولي، و مخالفة لقرارات مجلس الأمن القومي، بالأمم المتحدة .
و في المناسبات النادرة التي وقف فيها عضو بالكونجرس متحديا نفوذ آيباك، يصبح مستهدفا في الانتخابات التالية، بحيث لا يعاد انتخابه، بفضل الأموال الطائلة لموضوعة تحت تصرّف آيباك، و جهود المنظمات الأخرى التي تتبعها .

الرؤوس الكبيرة ..

يقول جيم لوب، مراسل آي بي إس في واشنطن، أن جهود مكتب التحقيقات الفيدرالي التي أوقعت خبير الشئون الإيرانية بالبنتاجون، لورانس فرانكلين، أثبتت أن التهمة كانت أوسع ممّا كان يظن، فقد اصبحت تدور حول تسليم إسرائيل ـ دون ترخيص ـ برامج كمبيوتر و تصميمات عسكرية شديدة الخصوصية . و لمّا كان العديد من تجّار السلاح الإسرائيليين، ذوي العلاقات القوية بحكومة تل أبيب، يتعاملون مع السوق السوداء، فقد انتهي المطاف بالمعلومات العسكرية الاستراتيجية إن تستقرّ في أيدي دول ذات علاقات ضعيفة مع الولايات المتحدة، بل أن بعض هذه التكنولوجيات كانت تباع غالبا للقاعدة .
نفس المصدر يقول أن مكتب التحقيقات الفدرالي يركّز جهوده حاليا على مراجعة دقيقة لسلسلة التحقيقات القديمة في مجال كشف نشاط التجسس، و التي كانت قد بدأت مع عدّة رؤوس كبيرة في جماعة المحافظين الجدد ( التي تسيطر على عقل بوش ) .. و هي تحقيقات لم يتح لها أن تكتمل تحت ضغوط أحبطت جهود جهات مقاومة التجسس .
بعض تلك التحقيقات القديمة، كانت مع أشخاص مسئولين حاليا و سابقا في وزارة الدفاع، من بينهم بول وولفويتز، و دوجلاس فيث، و ريتشارد بيرل .

لغز يهودي آخر

في ذلك الوقت نشرت جريدة جيروساليم بوست، أن مكتب التحقيقات الفيدرالي قد اقتحم مكتب ستيف روزين، الذي يدير لغز آخر من الألغاز اليهودية ذات الأسماء الطويلة .. " مكتب شئون السياسة الخارجية للجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية " ! . و هو واحد من جماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة . عندما سرت شائعات حول تحقيقات يقوم بها مكتب التحقيقات الفيدرالي، حول الطريقة التي تمكّن بها ( مكتب البنتاجون للسياسات الخاصّة )، الذي ابتدعه دوجلاس فيث، من تحريف معلومات استخبارية حول العراق، بالإضافة إلى احتمال تجميع المكتب لمعلبومات حسّاسة، دون إذن بذلك .
و حقيقة الأمر أن التحقيقات كانت تقوم بها مخابرات الكونجرس، و ليس مكتب التحقيقات الفيدرالي . و كان التحقيق يدور حول احتمال قيام موظفو البنتاجون، بحضّ بعض العناصر غير الرسمية، بتجميع ما يسمح بإسقاط النظامين الإيراني و السوري .
كذلك امتدت التحقيقات إلى ما يطلق عليه " قسم شئون الشرق الأدنى و جنوب آسيا "، نتيجة لقيام بعض مسئولي ذلك القسم بجمع معلومات مثيرة للجدل حول أسلحة الدمار الشامل في العراق، من العراقيين المقيمين بالخارج، مثل أحمد جلبي ـ دون تصريح رسمي ـ لمساعدة بوش في اتخاذ قرار غزو العراق ..

تمييع القضية

يقول مراسل نيويورك سن، إيلي ليك، أن النائب المسئول عن التحقيقات في هذه القضية، بول ماكنولتي، أمر مكتب التحقيقات الفيدرالي ألاّ يمضي إلى ما هو أبعد من ذلك، و أن يمتنع عن عمليات القبض على المتّهمين التي كان بتأهّب لها، نتيجة لوصول القصة إلى (سي إن إن) و (سي بي إس)، قائلا لرجال المكتب " دعونا ننظر في القضية قبل أن تفعلوا أي شيء .." . و قال مصدر مطّلع رفض ذكر اسمه، أن النائب العام آسكروفت، الذي اختار ماكنولتي، لكي يطمئن إلى أن المسألة لن تتجاوز الحد المرسوم لها . و علّق المصدر قائلا " لا أتوقّع أي إجراء في هذا الموضوع قبل ثلاثة أسابيع .. و يجري الآن اختيار المحلّفين، و الاحتمال الأرجح هو أن التهمة التي كانت ( تجسّس )، سيعاد تخفيضها لتصبح ( إساءة استخدام معلومات سرّية ) ! " .
و عن هذا، تقول الكاتبة لاورا روزن " شخصيا .. لا أتوقّع أي تطورات جادة نتيجة لكل هذه التحقيقات، باعتبار أن (آيباك) تتمتّع بحماية قوية في كابيتول هيل . و الاتهامات السابقة التي تضمنت التجسس لحساب إسرائيل، تمّ دفنها جميعا . أمّا بالنسبة لجماعة المحافظين الجدد في البنتاجون، فحتّى لو كانوا قد ارتكبوا عملا غير قانـوني، فلن يعانوا كثيرا من جـرّاء ذلك . انظروا .. أين هم مجرمي إيران ـ كونترا ؟ .. هؤلاء الذين خرّبوا الدستور الأمريكي، و سرقوا أسلحة من البنتاجون، لكي يبيعوها بطريقة غير قانونية للخوميني . أحد المتهمين في "إيران ـ كونترا"، و الذي كذب على الكونجرس، يعمل الآن في مكتب الأمن القومي، كمسئول عن الموضوع الإسرائيلي ـ الفلسطيني .. ذلك هو إليوت أبرامز، الذي عفا عنه بوش الأب، و هو الآن يضع سياسة البيت الأبيض بالنسبة لمسلمي العالم .. " .
و في هذا يقول الكاتب جيم لوب :
سنرتكب خطأ إذا نظرنا إلى فرانكلين ( يقصد الجاسوس الإسرائيلي لورانس فرانكلين ) كهدف رئيسي للتحقيقات الجارية .. الأفضل أن ننظر إليه باعتباره قطعة واحدة من لغز اكبر ممّا نتصوّر
منذ نصف قرن، عندما كنّا نقول أن أمريكا هي إسرائيل، و إسرائيل هي أمريكا، كنّا نتّهم بالسذاجة السياسية .. و تمر الأيام لنكتشف أن إسرائيل هي التي تتحكّم في أمريكا، و أنها من خلال خطة عظمى قد استطاعت أن تدخل أمريكا إلى الفخ .. و من لا يصدّق هذا عليه أن يسترجع كلمات شارون لبيريز، المنشورة علنا في الصحافة الإسرائيلية :
" نحن الشعب اليهودي تسيطر على أمريكا .. و الأمريكيون يعرفون ذلك ! .." .

* * *

و هكذا، تضاف إلى المهام الصعبة المطروحة على الشعب الأمريكي مهمّة إضافية .. و يصبح السبيل إلى إنقاذ الحياة الأمريكية، و تخليصها من أيدي المسيطرين عليها، يقتضي مراجعة خطأ جديد يضاف إلى الأخطاء الثلاثة التي أشرنا إليها من قبل ـ الديموقراطية الخطأ، و القوّة الخطأ، و الطاقة الخطأ ـ هو الحليف الخطأ ! .

الخميس، أبريل ١٧، ٢٠٠٨

أمريكا .. إسرائيل

الولايات المتحدة الأمريكية

... و السـؤال الصعـب

و الآن ..هل يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تحقق شيئا من مشروع " قرن الشعوب الأوّل ، الذي أوردناه في الرسالة السابقة" ؟ .. هل هي حرّة في اتخاذ القرارات التي تتفق مع مصالحها الحقيقية .. أعني مصالح شعبها، على المدى البعيد ؟ .." .. هذا هو السؤال الصعب، بل الأصعب .
الشرط الكافي و اللازم لإصلاح ما أفسده النظام الحاكم الأمريكي، بعد أن نجحت إسرائيل في السيطرة على عقل القيادات الأمريكية، بالضغط، و التآمر، و بغسيل المخ المتواصل الذي لا ينجو منه أحدا، في أي ولاية من ولايات أمريكا .. الشرط اللازم و الكافي، هو أن تخرج الولايات المتحدة من ذلك الفخ المحكم الذي نصبته الصهيونية العالمية، من خلال خطتها الكبرى .
و أنا في هذا، لن أعتمد على مجرّد عاطفتي أو رأيي .. دعونا نسمع ما يقوله الأمريكيون الشرفاء في هذا الصدد ..

الخضوع الكامل لإسرائيل

" لم يكن ليقع 11سبتمبر، لو رفضت حكومة الولايات المتّحدة مساعدة إسـرائيل في إهانة و تخريب المجتمع الفلسطيني . قلّة هم من يعبرون عن هذا الاستخلاص علانية، لكن الكثيرون يعتبرونه الحقيقية . أعتقد أن الكارثة كان من الممكن منعها، لو أن أيّ من رؤساء الولايات المتحدة، خلال 35 سنة مضت، كانت لديه الشجاعة و الحكمة لكي يوقف كل المساعدات الأمريكية، إلى أن تنسحب إسرائيل من الأراضي العربية التي استولت عليها عام 1967، في الحرب العربية الإسرائيلية .." .
هذه الكلمات كتبها عضو الكونجرس الأمريكي عن الحزب الجمهوري، بول فيندلي، الذي مثّل ولاية إلينويز لمدة 22 سنة، و مؤلّف كتاب " لقد واتتهم الجرأة لكي يتكلّموا .."، و هو في نفس الوقت أحد أمناء لجنة العلاقات الخارجية للتعليم في أمريكا . لقد كتب مقاله هذا في 15 سبتمبر، عقب أحداث 11 سبتمبر .
قد نتّفق معه، و قد نختلف، لكن ما يقوله يعتبر مؤشرا لتيار في الولايات المتحدة الأمريكية، يتمرّد على الخضـوع الكامل لإسـرائيل من جانب حكومات أمريكا الجمهورية و الديموقراطـية معا.. تيار لم يستطع اللوبي اليهودي، و لا " مؤسسة الدفاع عن الديموقراطية " بكل نفوذها المعتمد على الصهيونية و الرجعية الأمريكية الجديدة و أموالها المسخّرة لإخفاء الوجه القبيح للممارسات الإسرائيلية، أن يوقفه .

كيف استدرجت أمريكا للفخّ ؟

يقول الكاتب أن الحكومة الأمريكية كانت في وقت سابق محبوبة في أنحاء العالم، لكنّها وجدت نفسها ملعونة في معظم الدول، من أهم أسـباب هذه الظاهرة، دعم أمريكا غير المشـروط لعدوان إسـرائيل، و ضربها الحائط بميثاق الأمم المتحدة، و القانون الدولي، و مبادئ جميع الأديان المعروفة . و هو يتساءل : كيف استدرج الشعب الأمريكي إلى هذا الفخّ ؟ .
بفضل التأثير الخانق للوبي الإسرائيلي في أمريكا، على مدى 35 سنة، اختفى الحوار الصريح حول الصراع العربي الإسرائيلي في حكوماتنا . و هو يقول " و لدي خبرة مباشرة بهذا الشأن، فقد كنت عضوا في لجنة الشئون الخارجية بالكونجرس في يونيو 1967، عندما استولت إسرائيل على مرتفعات الجولان، و الضفّة الغربية و غزّة في فلسطين، و قد ظللت عضوا في هذه اللجنة 16 سنة، و ما زلت حتّى الآن على صلة بكل ما يدور في الكونجرس ".
و هو يستطرد " في كابيتول هيل ( الكونجرس الأمريكي )، انتقاد إسرائيل، حتّى في النقاشات الخاصّة، ممنوع تماما، و يعتبر نوعا من نقص الوطنية، و قد تصل التهمة إلى معاداة السامية ! . و قد تأكّد غياب الحديث الحر، عندما واجهت القلّة التي حاولت أن ترفع صوتها ـ من أمثال السيناتور أديلاي ستيفنسون، و شارلز بيرسي، و الأعضاء الجمهوريين بول ماكلوسكي، و سنثيا ماكيني، و إيرل هيليارد، و شخصي ـ هزيمة أكيدة على يد الأعضاء الزملاء في الكونجرس، الذين تموّل حملاتهم القوى الموالية لإسرائيل .

شارون .. رجل السلام !!

و يقول بول فيندلي أن هذا الانحياز أصبح باديا خارج أمريكا، حيث تحرص معظم وسائط الإعلام على تغطية الاعتداءات و ضروب العدوان الإسرائيلية، و تشجب بشكل عام إذعان أمريكا و عدم إدانتها لأي من هذه الممارسات المرفوضة .
عندما استقبل الرئيس بوش رئيس الوزراء آرييل شارون، الذي أطلق عليه لبعض الوقت لقب " سفاح بيروت "، مرحبا به و قائلا له " صديقي العزيز"، و " رجل السلام "، بعد أن استخدمت القوات الإسرائيلية الأسلحة التي وهبتها إياها أمريكا، في استكمال تخريبها للضفة الغربية في الربيع السابق .. عندما حدث هذا، انفجر غضب عالمي على السياسة الأمريكية، بالغا درجة الغليان .
و يعقّب فيندلي قائلا " هذا الغضب لا يجب أن يدهش أحدا، من الذين يقرأون الصحف الأجنبية، أو يستمعون إلى محطة الإذاعة البريطانية . ففي العديد من التصريحات التليفزيونية، قبل 11 سبتمبر بزمن طويل، قام أسـامة بن لادن، الذي اعتقدت السلطات الأمريكية أنّه مخطط 11 سبتمبر، بشـجب خضوع الولايات المتحدة لممارسات إسرائيل في تخريب المجتمع الفلسطيني، و اعتبر هذا تهمة أساسية.." . و العديد من الشخصيات الأجنبية قد أبدت معارضتها للسياسات الأمريكية بشكل متكرر و متواتر و حاد، غير مسبوق، بخاصّة منذ أن أعلن بوش عن تصميمه لدخول الحرب مع العراق ( نذكّر أن هذا المقال كتبه فيندلي في 15 سبتمبر 2002 ) .
و يقول أن تهديدات اللوبي الصهيوني و ضغوطة تظلّ سائدة ، هكذا يقول فيندلي. و يبدو أنّها تصل إلى جميع المراكز الحكومية، و حتّى إلى دور العبادة، و معاهد الدراسات العليا . و هي تبدو فعّالة إلى أبعد حدّ في إسكات العديد من اليهود، الذين يعترضون على تكتيكات اللوبي، و وحشية إسرائيل .
في إسرائيل، أم واشنطن ؟!

يستطرد فيندلي ..لا يستطيع أحد أن يقول بعدالة 11 سبتمبر . و هؤلاء الذين ارتكبوا هذا الجرم يستحقون العقوبة القصوى، لكن من المنطقي أن تسعى أمريكا بعناية إلى التعرّف على الدوافع . فالإرهاب ينبع أساسا، و دائما، من الشعور العميق بالمظالم . إذا أمكن إزالة هذه المظالم، و إيقاف أسبابها، فالأغلب أن تتلاشى المشاعر السيئة التي أثارتها .
و اليوم، بعد عام من أحداث 11سبتمر ـ يقول فيندلي ـ لم يحاول الرئيس بوش أي محاولة للتخفيف من تلك المظالم، أو للتعرّف عليها . و الحق، أنّه جعل المشهد أكثر سوءا بدعمه للحرب إسرائيل الدينية ضد الفلسطينيين، ممّا ضاعف الغضب على أمريكا . " لقد عانت أمريكا من 11 سبتمبر و نتائجها، وقد تجد نفسها قريبا في حرب مع العراق، يحدث هذا أساسا لأن السياسة الأمريكية، في الشرق الأوسط، توضع في إسرائيل و ليس في واشنطن .." . و يستطرد " إسرائيل دولة عابثة بالقوانين، و يجب أن تعامل على هذا الأساس . و بدلا من مساعدة شارون على تعميق معاناة الشعب الفلسطيني، على رئيسنا أن يعلّق جميع مساعدتنا لإسرائيل إلى حين أن تنهي احتلالها للأراضي العربية .." .

اللوبي الصهيوني و حرب العراق

رغم التحذيرات العديدة التي تلقاها بوش من الأجهزة الأمريكية، فقد غابت عنه القدرة على رؤية الأمور بوضوح، نتيجة الضغوط التي مارسها عليه اللوبي الصهيوني، و التي جاءت منسجمة مع المخطط العدواني، الذي رسمته الرجعية الجديدة، قبل وصول بوش إلى الرئاسة . و هكذا تجاهلت إدارة بوش مخاطر الإرهاب قبل 11 سبتمبر، منشغلة بفكرة مسيطرة، و قديمة، لغزو العراق .
لقد ظهر هذا بوضوح، عندما اتّهم ريتشارد كلارك المستشار الأمني السابق للبيت الأبيض، إدارة جورج بوش بعدم الاهتمام ـ بشكل كاف ـ بمخاطر الإرهاب قبل هجمات 11 سبتمبر 2001 . تجيء أهمية هذا التصريح من أن كلارك كان رئيسا لفريق مكافحة الإرهاب في أربع إدارات أمريكية، بدءا من إدارة رونالد ريجان، و حتّى إدارة جورج بوش الحالية، إلى أن استقال منذ عام، بعد أن حاول جاهدا أن يلفت نظر الرئيس جورج بوش إلى مخاطر الإرهاب قبل هجمات 11 سبتمبر، دون أن يحقّق نجاحا معه أو مع من يعملون معه، نتيجة الغرق في جنون غزو العراق .

الحكومة الأمريكية خذلت الضحايا
و هذا هو ما قاله كلارك في كتابه الذي أصدره مؤخّرا، و الذي قال فيه أن " رئيس الولايات المتحدة قوّض إلى حدّ كبير جهود الحرب على الإرهاب، بشن الحرب على العراق .."، و في شهادة كلارك أمام لجنة الكونجرس التي تشكّلت للبحث في أسباب وقوع الهجمات، بدأ بالاعتذار إلى قرابة 3000 فرد لقوا حتفهم في هجمات 11 سبتمبر2001، قائلا أن الحكومة الأمريكية قد خذلتهم ! . و شرح كلارك كيف حاول بوش، بطرف خفي، أن يحصل من كلارك في ثلاثة لقاءات بالبيت الأبيض على ما يفيد وجود صلة بين العراق و بين الهجوم على مركز التجارة العالمي و البنتاجون .
لقد حاول بوش، و حاولت إدارته، تلطيخ سمعة كلارك، ثم اتهامه بالعمل لحساب المرشح الديموقراطي كيري، لكن إجماع الشخصيات الجادة في الحزب الجمهوري و الديموقراطي على جدّية كلارك و أمانته، و شجاعته في الحق التي تجلّت في أكثر من مناسبة .. كل هذا أفشل محاولات بوش، و أفقده الكثير من التأييد الشعبي الذي كان يتمتّع به بعد هجمات 11 سبتمبر

و إلى الرسالة القادمة، عنما قال شارون لبيريز غاضبا : نحن الشعب اليهودي نسيطر على أمريكا ! .. و هم يعرفون ذلك

الاثنين، مارس ٢٤، ٢٠٠٨

منتدى مستقبل أمريكا

بين الشيزوفرينيا
و الرؤية المستقبلية

تكلمت على مدى ربع قرن، مستنفذا وسائل الإعلام الشخصي و الجماهيري التي أتيحت لي عن مشكلتنا، و عن أهمية سعينا إلى تبنّي رؤية مستقبلية تساعدنا على اللحاق بمجتمع المعلومات الذي تمضي إليه البشرية .... لكنني لم أنجح في إشاعة الوعي المطلوب إلاّ في عدد قليل من أصحاب الاهتمام العام . و السبب هو في صنّاع القرار بالعالم العربي و الإسلامي، الذين يتناقض هذا الوعي مع مصالحهم، و مع بقائهم على كراسي الحكم في بلادهم .. الغريب في الأمر أن غياب الرؤية المستقبلية في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، يدفعها ـ هي أيضا ـ إلى منزلق شديد الخطر، يضرّ بها أكبر الضرر، و من ورائها النظم الحاكمة التي تدور في فلكها
أنا لم أكن أمزح عندما طرحت فكرة " منتدى مستقبل أمريكا "، فالولايات المتحدة تعيش اليوم في مأزق فريد، لا تجد له نظيرا بين الدول المتقدمة أو المتخلّفة .. ليس فقط نتيجة لطبيعة النشأة، أو ترامي الأطراف، أو نتيجة الغرق في الذات، و لا من حيث الفلسفة البرجماتية ( النفعية ) التي قامت عليها التقاليد الأمريكية الانتهازية، و قادت إلى الأكاذيب الكبرى الراسخة في الحياة الأمريكية، و التي تجعل دعوى الشفافية التي تحضّ عليها تبدو مضحكة للغاية .
المأزق الأمريكي ينبع أساسا من انفصام الشخصية أو الشيزوفرانيا .. يأتي من التناقض الحاد بين التقدّم العلمي و التكنولوجي، الذي جمعت له أمريكا العقول من جميع أنحاء العالم، و الذي جعلها تحتل مكانة الريادة في الدخول إلى مجتمع المعلومات، بالنسبة لباقي الدول المتطوّرة ..و بين التخلّف الواضح في حياتها الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية . هذا التناقض هو مصدر الخلل الذي يقود إلى تآكل النفـوذ و المكاسب، و كل ما حققه النظام الأمريكي حتّى الآن .

بين بيل جيتس
و ديك تشيني

أراني هنا مضطرا إلى أن أعود إلى الحديث عن آثار التكنولوجيا على حياة المجتمعات البشرية . لأقول أن شيوع تكنولوجيا ابتكارية كبرى، مثل تكنولوجيا المعلومات، لا يبقى أثره عند تسهيل أمور الحياة العملية و اليومية، بل تقود في مرحلة من مراحل الانتشار إلى تغيير أنظمة الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية .. بل و تغيير المبادئ و الأسس و القيم التي تقوم عليها الحياة . و لمن يريد أن يزداد اقتناعا بهذا، أن يحاول رصد أثر الآلة البخارية و من ثم التكنولوجيا الكهروميكانيكية على حياة البشر في مختلف جوانب الحياة، خلال المجتمع الصناعي .
فما الذي حدث في الولايات المتحدة الأمريكية ؟
وقعت في التناقض الكبير، بين الطفرة المعلوماتية، و بين مصالح كبار الأثرياء من تجار السلاح و البترول و المقاولات .. بين بيل جيتس، و ديك تشيني ! .. سعدت الرأسمالية الكبرى بإنجازات تكنولوجيا المعلومات، باعتبارها السبيل إلى المزيد من الأرباح . و في النصف الثاني من القرن الماضي، عندما بدأت التحولات الكبرى المصاحبة لشيوع الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات المتطوّرة، أراد كبار أثرياء أمريكا أن يستفيدوا من التكنولوجيا الجديدة، دون أن يسمحوا لآثارها أن تمتد إلى الحياة الأمريكية .. أن يعتمدوا على الكمبيوتر و الإدارة الرقمية و أقمار الاتصال، و باقي التكنولوجيات المعلوماتية، مع الاحتفاظ بمبادئ و أسس و نظم و عقائد عصر الصناعة

سرقة مستقبل شعب أمريكا

في عصر الرئيس الجمهوري ريجان، و من بعده الرئيس بوش الأب، بدأت عملية سرقة منظمة لمستقبل الشعب الأمريكي، مستفيدة من أحلام الانفراد بحكم العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ..و كانت مقولة بوش الأب الشهيرة السابقة لحرب الخليج " .. لقد انتهينا من ترتيب البيت من الداخل، و علينا أن نبدأ ترتيب العالم .. " .
ساعد في سرقة مستقبل الشعب الأمريكي مجموعة من الرجعيين اليهود و المسيحيين الصهيونيين، بقيادة نائب الرئيس الحالي ديك تشيني، أحد أعضاء مجتمع كبار الأثرياء، المتحكّم الحقيقي في شئون أمريكا .. و قد أطلقوا على أنفسهم ـ بكل صراحة ـ اسم " المحافظون الجدد " .. و كانت مهمتهم أن يحافظوا على الأوضاع التي توفّر لهم المزيد من الإثراء، حتّى لو تناقضت مع التطور الطبيعي للمجتمع الأمريكي .
في عام 1997، و في عهد الرئيس كلينتون الديموقراطي، نشطت مجموعة تشيني بشكل منظّم استعدادا للحظة العودة إلى الحكم، و أصدرت " مشروع القرن الأمريكي الجديد "، الذي يقول عنه دافيد آرمسترونج :
" كانت الخطة أن تحكم الولايات المتحدة العالم .. و تمنع أي منافسين من الظهور .. أن تسيطر على الأصدقاء والأعداء معا .. لا أن تكون الولايات المتحدة قـوية، أو أقـوى، بل أن تكون الأقوى على الإطلاق .. و الخطة، قبل أن تكون حول السيطرة، كانت حول المال .."
و عندما اختارت المحكمة العليا جورج دبليو بوش رئيسا عام 2000، أصبحت قبيلة ديك تشيني على كراسي الأحكام ! . و في أحد تقارير القبيلة عام 2000، ما سبق أن أشرت إليه، و هو قولهم فيما يحتاجونه من ظروف استثنائية تتيح لهم تفويت مؤامرتهم على الشعب الأمريكي " ينقصنا بعض الأحداث الكارثية المساعدة .. مثل ( بيرل هاربور ) جديدة " .

و لا أدري :هل بمحض الصدفة،
أم بعمق التدبير،
دث هجوم 11 سبتمبر ؟

هكذا أصبحت الظروف مواتية لفرض مشروعات القبيلة .. و انفتحت شهية كبار صناع السلاح و تجار البترول للحروب التي تسمح بتخصيص المزيد من عشرات مليارات الدولارات من ميزانية الدولة . و نجح تشيني في أن يجمع بين أصابعه خيوط بوش التي انفرد بها، و راح يحرّكه وفق مصالح كبار الأثرياء، والذي يعتبر واحدا منهم .. و بمساعدة وسائل الإعلام القوية التي يمتلكها نفس الأثرياء، تم تخويف الشعب الأمريكي بلا توقّف، بما يسهّل التحكّم في إرادته .. و هكذا استولي كبار الأثرياء على الرئيس الأمريكي، بمساعدة القبيلة المسئولة عن التنظير، و كذلك استولوا على المجلسين النيابيين، و محركات الرأي العام .. لقد حلّت لحظتهم التاريخية .. لقد استولوا على أمريكا بالكامل ! .
لكن الثمن كان فادحا .. و سيكون أكثر فداحة في المستقبل . و بديهي، أن الذي سيدفع الثمن هو الشعب الأمريكي، و شعوب العالم التي دخلت في أول بنود المخطط الجهنمي للسيطرة .
و ماذا بعد ؟ .. الواقع الحالي للولايات المتحدة يفيد أنها في أشد الحاجة إلى الإفاقة من أوهامها، و السعي السـريع لإعادة بناء المجتمع الأمريكي وفقا لمقتضيات مجتمع المعلومـات،حتّى لا تستفحل حالة الانفصام الحالية في المجتمع الأمريكي، و القيام بالتحوّلات الأساسية الضرورية، لتدارك الموقف المتفاقم في النظام الأمريكي

أهم التحوّلات المطلوبة :

أولا : التحول من حكم كبار الأثرياء ( البلوتوكراسي )، إلى ديموقراطية المشاركة الأكثر انسجاما مع متطلبات عصر المعلومات من ديموقراطية التمثيل النيابي . و التي تستفيد من سهولة وصول الجمهور للمعارف، في إرساء نظام يتكفّل فيه المواطن باتخاذ القرار المتّفق مع مصلحته، دون أن ينيب أحد أو يوكّله لهذه المهمة . و هذا يعتمد أيضا على التحوّل التالي .
ثانيا : التحول من المركزية الممعنة الحالية، التي كانت ضرورية في ظل المجتمع الصناعي، إلى اللامركزية التي تنسجم مع التوجّه إلى التنوّع و الاختلاف، الذي تفرضه ثورة المعلومات .
ثالثا : التحوّل إلى اقتصاديات مجتمع المعلومات، و إدراك عدم جدوى النظريات و الممارسات الاقتصادية الرأسمالية النابعة من حاجة عصر الصناعة، للتعامل مع واقع عصر المعلومات . و التفكير في بدائل لأكثر الأمور أساسية في الاقتصاد الصناعي، مثل حق الملكية، الذي يتناقض مع طبيعة المعلومات و المعارف .
رابعا : تحرير عمليات تخصيص الميزانيات من سيطرة تجار السلاح و البترول، و الإسراع بتخصيص الميزانيات المناسبة لإعادة بناء التعليم الأمريكي، و نظم الرعاية الصحية، و الخدمات العامة . و التوقّف عن استخدام التعليم كأداة غسيل مخّ للأجيال الصغيرة، تستكمل بها عمليات غسيل المخ عن طريق الأفلام و ألعاب الكمبيوتر .
خامسا : التوقف عن المحاولات اليائسة للتحكّم في عقل الإنسان الأمريكي، عن طريق وسائل الإعلام و الثقافة العميلة، و إدراك عدم جدوى ذلك حاليا مع تنامي نفوذ الإنترنيت .

الجمعة، مارس ١٤، ٢٠٠٨

أمريكا .. المؤامرة

الولايات المتّحدة الأمريكية ...

هل تفقد ســيطرتها العالمية

قبل 2020 ؟

من هو أول سياسي ستكون لديه الشجاعة الكافية ليعلن على الملأ أن الولايات المتحدة عبارة عن قوّة تفقد قدراتها، و أن على قادة أمريكا أن يسارعوا إلى مناقشة ما الذي يجب فعله في مواجهة ذلك ؟ جاء ذلك الإعلان من المجلس القومي للاستخبارات، " مركز التفكير الاستراتيجي "، داخل مجتمع مخابرات الولايات المتحدة، من واقع التقرير الحديث المكوّن من 119 صفحة، المعروف باسم " مشروع 2020 " .
و قد لفت هذا التقرير انتباه، بل أثار اندهاش، العديد من الكتّاب السياسيين، و وسائل الإعلام الأمريكية، بعد الاطلاع على التقرير في موقع " المخابرات المركزية الأمريكية " على شبكة الإنترنيت .. أتيح لي أن أطلع على بعض تعليقات وسائل الإعلام الأمريكية حول ذلك التقرير الهام، في ( واشنطن بوست )، و ( يو إس توداي )، ( سيياتيل تايم )، و ( سليت ) التي قال كاتبها فريد كابلان معلّقا: لقد حظي هذا التقرير بانتباه متواضع من الصحافة على مدى الأسبوعين الماضيين، بالنسبة لما يتنبّأ به .. من أنه في عام 2020 سيظل ( الإسلام السياسي ) حاضرا ( كقوّة فعّالة ) .. لم تنتبه إلى الاستخلاصات الأساسية لذلك التقرير سوى قلّة من المقالات و الأعمدة : مثل احتمال بزوغ الصين و الهند .. كلاعبين عالميين كبيرين جديدين .. ممّا سيغير الخريطة الجغرافية السياسية

الأمن الإقليمي للصين

في هذا العالم الذي يبعد عنّا بأقلّ من 13 سنة ـ يقول التقرير ـ ستعمل القوى القادمة الجديدة، التي لن تقتصر على الصين و الهند، بل ربّما البرازيل و أندونيسيا، ودول أخري .. ستعمل على تسريع التآكل في القوّة الأمريكية باتباع "استراتيجيات مرسومة لاستبعاد أو عزل الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إرغامنا أو إغراءنا بالعمل وفقا لقواعدهم" .. هذا هو بعض ما جاء في تقرير مجلس المخابرات القومي .
و يقول كابلان أن السياسة الخارجية الأمريكية تشجّع ذلك التوجّه، و كما يقول التقرير " انشغال الولايات المتحدة بحربها على الإرهاب، يتناقض إلى حد بعيد مع مقتضيات الأمن في معظم آسيا " . و التقرير لا ينكر أهمية الحرب على الإرهاب . بل يقول أن " السؤال المحوري " بالنسبة لمستقبل قوّة أمريكا و نفوذها، هو ما إذا كان في مقدور صناع السياسات بها " أن يقدّموا للدول الآسيوية رؤية مقبولة للأمن الإقليمي، و نظاما ينافس ـ و ربما يتفوّق على ـ ذلك الذي تقدمه الصين ؟ " . إن كانت الإجابة بالنفي، " فالولايات المتحـدة تكون قد انفصلت عن ما هو في مصلحة الولايات المتحدة .. و الحلفاء الآسـيويين الحاليين، سيتزايد احتمال التحاقهم بالقطار الصيني، ممّا يتيح للصين أن تخلق أمنها الإقليمي، بعيدا عن الولايات المتحدة " .
و قد يصل الأمر بالنسبة لهذه القوى الجديدة أن تبحث عن آخرين تحاكيهم، و في هذا قد يتطلعون إلى الاتحاد الأوروبي، و ليس الولايات المتحدة، كنموذج للحكم العالمي و الإقليمي .
يقول تقرير رؤية 2020 " هذا التحوّل إلى العالم متعدد الأقطاب، لن يكون بلا آلام .. و سيضرب الطبقات المتوسطة في الدول المتطورة، بصفة خاصّة "، مع المزيد من تراجع في الوظائف و فرص العمل، و تناقص في تدفق استثمارات رؤوس الأموال . باختصار، يتنبّأ المجلس القومي للمخابرات بأن هذا الوضع لن يتضمّن فقط مجرّد إعادة تقييم لتوازن القوى العالمية، و لكن أيضا ـ بالإضافة إلى ما تفعله عملية إعادة التقييم هذه ـ خسارة في الثروات، و الدخول، و بكل المفاهيم، بأمن العالم
و يعلّق فريد كابلان على ذلك قائلا " هذه المؤشرات يجب أن تكون قد أصبحت واضحة لكل من يقرأ الصحف . لا يمر يوم، دون قصة جديدة حول الكيفية التي نرهن بها مستقبلنا، للبنك المركزي الصيني أو الياباني .." . فالعجز في ميزانية الولايات المتحدة يقترب من نصف تريليون دولار، يجري تمويله عن طريق شرائهم سندات الخزانة . و العجز التجاري للولايات المتحدة ـ و معظمه يرجع إلى شراء السلع المصنوعة في الصين ـ يتجاوز الآن 3 تريليون دولار

الدولار في خطر

و في أثناء هذاـ يقول كابلان ـ تحل الصين محل الولايات المتحدة في جميع أنحاء آسيا .. في التجارة، و الاستثمار، و التعليم، و الثقافة، و السياحة . و هي تقتحم أيضا سوق التجارة في أمريكا اللاتينية ( الصين الآن هي الأولى في سوق التصدير بالنسبة لشيلي، و الثانية في سوق التجارة البرازيلي) . طلبة الهندسة الآسيويين، الذين كانوا يتجهون تقليديا إلى الجامعات الأمريكية، أصبحوا يلتحقون بجامعات بكين .
و في الوقت الذي يصبح فيه الاتحاد الأوروبي كيانا مترابطا، انخفضت قيمة الدولار بمقدار الثلث أمام اليورو في السنتين الأخيرتين، و ما زال الانخفاض مستمرا . و مع انخفاض سعر الفائدة بالنسبة للدولار، بدأ المستثمرون في سوق العملة، بما في ذلك الذين كانوا يموّلون العجز الأمريكي، في تنويع ممتلكاتهم
في الصين، و اليابان، و روسيا، و الشرق الأوسط، بدأت البنوك المركزية في التخفّف من الدولار، لحساب اليورو . و سياسات بوش التي ضاعفت ديننا، جعلت وضع الدولار خطرا، بالنسبة لاعتباره عملة الاحتياطي العالمي

ماء بارد على أحلام بوش

يتساءل الكاتب فريد كابلان " ما الذي فعلته إدارة بوش، لتغيير المسار، أو على الأقل لتتقي اللطمة ؟ " .. لقد أصدر المجلس القومي للاستخبارات التقرير قبل عدّة أسابيع من الخطاب الافتتاحي لولاية بوش الثانية، لكنه ساعد في صبّ المزيـد من المياه الباردة على الخـيال الناعم لأمريكا، بكونها تقدم الحـرية للشـعوب المقهورة في كل مكان ! .. بالنسبة لآسيا يقول التقرير أن " القادة، الحاليين و المستقبليين، ينتمون إلى اللاأدرية بالنسبة لموضوع الديموقراطية، و يبدون اهتماما أكبر بتطوير ما هو محسوس بين أيديهم، باعتباره أكثر نماذج الحكم فعالية .." .
و يعلّق كابلان على هذا قائلا : إذا كان الرئيس يريد حقيقة أن ينشر الحرية و الديموقراطية في أنحاء كوكبنا، فسيحتاج ـ بالإضافة إلى أشياء أخرى ـ إلى أن يقدّم أمـريكا باعتبارها ذلك ( النموذج للديموقراطية )، لكي يظهر للعالم، عن طريق هذا النموذج من الديموقراطية، أن الديموقراطيات الحرّة تكون ناجحة، و تستحق الأخذ بها . غير أن تقرير مجلس الاستخبارات القومي يرسم عالما يصبح فيه الذين ينظرون إلى أمريكا كنموذج لأي شيْ، يصبحون أقل فأقل .. لا يمكننا أن نبيع الحرية، إذا لم نكن قادرين على أن نبيع أنفسنا

أرض جديدة لتفريخ الإرهاب

في جريدة واشنطن بوست، كتبت دانا بريست عن مشروع 2020، قائلة " لقد حلّت العراق محل أفغانستان، باعتبارها أرضا لتدريب الجيل الجديد التالي من الإرهابيين ( المتخصّصين )، وفقا لما جاء في التقرير الذي صدر عن مجلس الاستخبارات القومي، الذي يعتبر هيئة التفكير لمديري المخابرات المركزية الأمريكية " .. و في هذا يقول دافيد لاو، مسئول التهديدات عبر الدولية في الجهاز " أن العراق يوفّر للإرهابيين أرضا للتدريب و التجنيد، و فرصة لتنمية المهارات التقنية .. و على مدى الوقت، و في ظل أفضل السيناريوهات، هنا أيضا احتمال أن بعض المجاهدين الذين لم يقتلوا في العراق حاليا، سيمضون إلى بيوتهم، أيا كان موقع تلك البيوت، لكي ينتشروا بعد ذلك في دول أخرى .." . و قال هذا المسئول أن التقرير الذي استغرق العمل فيه عاما كاملا، و جرت فيه الاستعانة بالتحليلات التي قام بها ألف خبير أمريكي و أجنبي . و يتضمن التقرير تقييما لدور العراق الجديد كأرض تفريخ للإرهابيين الإسلاميين .
كما يقول رئيس المجلس روبيرت هاتشينجز، أن العراق " أصبح مغناطيسـا للنشاطات الإرهابـية العالمية " .
و تقول دانا بريست، في واشنطن بوست، نقلا عن التقرير، أنّه عندما نصل إلى عام 2020، ستنجب القاعدة جماعات أخرى من المتطرفين المسلمين، و التي ستندمج مع الحركات الانفصالية المحلية، الأمر الذي يجمع خبراء الإرهاب على أنه يحدث فعلا الآن . و يقول تقرير مجلس الاستخبارات القومي، أن هذا النوع من الحركات اللامركزية، دائمة التوالد و التشكّل، يصبح كشفه و التغلب عليه أكثر صعوبة .
و يشير التقرير إلى سهولة اتصال التنظيمات الإرهابية من خلال الإنترنيت، بحيث تصبح على حد تعبير التقرير " سلسلة انتقائية من الجماعات، و الخلايا، و الأفراد، التي لا تحتاج إلى قيادة ثابتة .." .

هذا هو مستقبل أمريكا مع الإرهاب، كما يرسمه أكبر تجمّع استخبارات أمريكي ..