الخميس، مارس ٠٦، ٢٠٠٨

أمريكا .. الأمل


منتدى مستقبل أمريكا

البترول .. أو الطاقة الخطأ

في الدراسة التي رسمت استراتيجية الولايات المتحدة العسكرية، و التي قامت بها مؤسسة (راند) التابعة للبنتاجون، تحت عنوان " مستقبل البيئة الآمنة في الشرق الأوسط "، جاء أن مصالح أمريكا الحيوية و الدائمة في الشرق الأوسط، أهمّها ستّ مصالح : كانت الأولى محاربة الإرهاب، و الثانية تخليص المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، أمّا الثالثة فقد كانت تحقيق الاستقرار في إمدادات البترول و أسعاره .
لقد جاء البترول في المكانة الثالثة، قبل بند تحقيق الاستقرار للأنظمة الصديقة، و قبل بند ضمان أمن إسرائيل، لكي يأتي في ذيل القائمة بند تطوير الديموقراطية و حقوق الإنسان، مع توصية بالإقلال من ترديد شعار الديموقراطية إذا ما كان فيه إحراج للأنظمة الصديقة الحاكمة، و الحد من العلاقات مع قوي المعارضة التي تعمل ضد تلك الأنظمة
منذ ثلاثة عقود، تحدّثت في كتاب " العالم سنة 2000، مستقبل جديد للبشر " عن اتفاق بين المراقبين على أن الاعتماد على وقود الحفريات، من بترول و غاز و فحم، لا يمكن أن يمضي إلى الأبد بنفس المعدّل . ثم أوردت قول توفلر " لقد وصلنا إلى نهاية خط من خطوط التطوّر، و علينا أن نبدأ خطّا جديدا، فأسس الطاقة الخاصة بالموجة الثانية ( يقصد عصر الصناعة ) لم تعد مناسبة لنا .. نحن الآن لا نحتاج فقط إلى تدبير قدر معيّن من الطاقة، لكننا نحتاج إلى أن نصل إلى الطاقة بطرق مختلفة، في الأماكن المختلفة، و في أوقات مختلفة من اليوم والسنة .. نحتاج إليها لأغراض جديدة علينا، لم نكن نحلم بها .." .
و في كتابي " أفيقوا يرحمكم الله "، تحدثت عن العوامل التي قادت إلى الدخول في عصر المعلومات، و كان من بينها : استنزاف مخزون الأرض من وقود و خامات، و الوصول بتلويث البيئة إلى نقطة اللاعودة . ذلك لأنّه ما أن حلّ عصر الصناعة حتّى اندفع رجال الصناعة، الرأسماليون و الاشتراكيون، إلى ابتزاز الموارد الطبيعية على أوسع نطاق، و نفثوا السموم القاتلة في الغلاف الجوّي . المضحك أن الولايات المتحدة تعتبر من أكثر الدول تلويثا للغلاف الجوّي، و مع ذلك فالإدارة الأمريكية ترفض المساهمة مع دول العالم في خفض مخاطر هذا الوضع، بدعوى أن ذلك يضر بمصالح كبار الرأسماليين
كنت أعلم أن الانتقال من طاقة عصر الصناعة إلى طاقة عصر المعلومات، النظيفة المتجددة، لن يكون سهلا .. و قلت أنه سيشبه المخاض الصعب، الذي تتخلله الهزات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية .. لكنّي لم أكن أتوقّع من قيادات المجتمع الأمريكي هذا الموقف الرجعي الحاد في مسألة أساسية مثل طبيعة الطاقة التي تعتمد الحياة عليها، بينما يسود التقدّم المعرفي و التكنولوجي المعلوماتي مرافق الحياة الأمريكية .

فمن أين أتى سوء تقديري لمستقبل المجتمع الأمريكي ؟
جاء سوء التقدير من عدم اكتشاف المعنى الحقيقي لما تطلق عليه أمريكا باعتزاز : ديموقراطيتنا
لم أكن أدرك أن الشعب الأمريكي، و رياداته العاقلة الواعية، يقعون في أسر مجموعة من كبار الأثرياء، أثرياء السلاح و البترول و المقاولات و الدواء .. و هؤلاء ليس لهم سوى هدف واحد، هو مضاعفة ثرواتهم و لو على حساب حياة و صحّة الملايين .. و حتّى لو كانت مصالحهم و أطماعهم تقود الولايات المتحدة إلى أزمة كبرى مركّبة، اقتصادية اجتماعية سياسية، أي أزمة حضارية يمكن أن تفقدها كل ما حققته من إنجازات على مدى قرنين من الزمان
لقد كتبت من قبل عمّا يفعله أباطرة صناعة و تجارة السلاح من أجل مضاعفة أرباحهم، و افتعال أي حروب جديدة بين دول العالم بعضها البعض، أو بينها و بين أمريكا، أو بين أمريكا و عدو افتراضي قادم من الفضاء ! .. المهم أن تشتعل الحروب و أن ترصد الميزانيات لمزيد من الأسلحة . و هذا ـ في حقيقة الأمر ـ ينسحب في نفس الوقت على كبار أثرياء البترول ..و المثال الراهن الواضح هو شركة هاليبيرتون التي تكاثرت أصابع الاتهام الموجّهة إليها في السنوات الأخيرة

ديك تشيني ـ هاليبورتن

" لماذا كان ديك تشيني على ذلك التحمّس الشديد لغزو العراق ؟ . لماذا كرر الربط بين صدام حسين و القاعدة بعد 11 سبتمبر .. و لماذا لم يقتصر على القول بحيازة العراق لأسلحة الدمار الشامل، بل تجاوز ذلك إلى القول بأنه يعلم شخصيا بالتحديد أين توجد ؟.."، هكذا يتساءل جون كول، قائلا أن ديك تشيني قد تسلّم مهام منصبه كنائب للرئيس الأمريكي منتويا شن الحرب على العراق، بأي شكل
كان ديك تشيني يتولّى منصب المدير العام التنفيذي لشركة هاليبيرتون في الفترة ما بين عامي 1995 و 2000 . و هاليبيرتون، مؤسسة تقوم بالعديد من الأشياء، و من بين ذلك ما يتصل بالطاقة و البترول و بالتعاقدات العسكرية . في عام 2001، فازت هاليبيرتون بعقد من وزارة الدفاع لتوريد " خدمات الطوارئ " إلى البنتاجون . لم يكن في العقد ما يريب، فقد جرت المناقصة بين خمسة منافسين، و كان سعر هاليبيرتون أقل الأسعار . لم يكن هناك ما هو غير شرعي أو غير قانوني في الصفقة .. لكن ذلك العقد قد يفسّر إصرار تشيني على حرب العراق .
فالعقد الخاص بتقديم " الخدمات الطارئة " إلى البنتاجون هو منجم ذهب كامن، تحت شرط واحد بالتحديد، هو قيام حالة حرب كبرى . و هكذا أصبح العقد مساويا بلايين الدولارات . و يتساءل الكاتب عن دوافع تشيني في تلك الصفقة، خاصّة أنه كان قد باع نصف أسهمه في هاليبيرتون عام 2000 مقابل 5 ملايين . و هو يرى أن " هاليبيرتون و بيكتيل و مجموعة صغيرة من مكونات الشـكات العاملة في مجال الصناعـات العسكرية تستفيد قطعا من الحرب، و تقوية و دعم هذا القطاع من الاقتصاد الأمريكي يعني تقوية و دعم اليمين السياسي الأمريكي " .
لكن وكالة رويتر قالت في إبريل 2004، على لسان ستيف هولاند، أن تشيني قد قبض 437,178 دولار خلال العام السابق من هاليبيرتون، شركة خدمات حقول البترول بتكساس . و هي الشركة التي كان يرأسها، و التي كسبت بليون دولار من عقود الحكومة في العراق

هل تجف منابع البترول ؟

الاعتماد على البترول، و عدم التخطيط للانتقال إلى أشكال جديدة من الطاقة النظيفة المتجددة، يتم في أمريكا لخدمة كبرى شركات البترول التي تتطابق مصالحها و سياساتها مع اليمين الأمريكي . و المحزن في الأمر أن الولايات المتحدة لها تأثيرها الكبير على الاقتصاد العالمي، بما يعيق محاولات في أوروبا و آسيا لتصحيح هذا المسار .
و هذا الموقف يعتبر نموذجا لانفصام الشخصية في المجتمع الأمريكي، حيث تقف المعلومات و المعرفة عاجزة في وجه القوّة الغاشمة لكبار الرأسماليين الأمريكيين . هذا الانفصام يقف وراء كل أشكال التخلّف الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية .
عقلاء أمريكا يرون عمق الهاوية التي تمضي إليها البلاد، و لا يستطيعون فعل شيء في مواجهة حماقات الإدارة الأمريكية، التي تستولي على إرادتها مجموعات الرجعية الجديدة، و دعاة الصهيونية المسيحية

ماذا يقول هؤلاء العقلاء ؟

يقولون أن رصيد الأرض من البترول و الغاز قد قارب النضوب .. و أن الكارثة لن تقع بعد عشرات السنين و لكنها ستحدث خلال العقد القادم ! . و من بين هؤلاء الذين يطلقون صرخات التحذير، ماثيو سيموندز مستشار إدارة بوش، و مجموعة دراسة الطاقة التي أشرف عليها تشيني، و مستشار العلاقات الخارجية، بالإضافة إلى كونه المدير العام التنفيذي لشركة سيمونز و شركاه العاملة في مجال الطاقة .
و ماذا يقول العقلاء أيضا ؟
تساءل الكاتب فريد كابلان : من هو أول سياسي يتحلّى بالشجاعة الكافية، ليقول علنا أن الولايات المتحدة هي قوة في طريق الهبوط، و أن على القيادات الأمريكية أن تسارع بمناقشة ما يجب فعله ؟ .. و هو يقول أن هذا التشخيص بالانحدار لم يأت من يساريين يتمنون اجتثاث الرأسمالية، و لكن من " مجلس المخابرات القومي "، و بالتحديد من " مركز التفكير الاستراتيجي "، داخل عالم المخابرات . و قد ظهر ذلك التقرير على موقع المخابرات المركزية الأمريكية تحت عنوان " رؤية لعام 2020 "

و المخابرات الأمريكية تفول

هل سينضب معين أمريكا من البترول بعد عقد و نصف ؟ .. و هل ستفقد أمريكا قوتّها الحالية التي تنفرد بها، بنفس التوقيت ؟ ..هذه ليست أحلام للشعوب التي تذوق الهوان على يد أمريكا , و جيوشها، و مخابراتها، و أجهزتها السرّية، في آسيا و أفريقيا و أمريكا الجنوبية .. وكما أنها ليست أماني اليسـاريين المجروحين بانهيار الاتحاد السوفييتي، و تفكّك الكتلة الشرقية .. لكنها آراء جادة لخبراء اقتصاديين كبار في الولايات المتحدة، و دراسات لأجهزة المخابرات الأمريكية
لولا جشع كبار أثرياء البترول في الولايات المتحدة، و إصرارهم على استنزاف آخر قطرة نفط في أعماق الأرض، على حساب تطور العديد من الشعوب، و على حساب ما يلحق بالبيئة من تلوّث نتيجة الاعتماد على هذا النوع المتخلّف من الطاقة .. لولا ذلك، لكانت الولايات المتحدة قد تطوّرت في مجال الطاقة، بما يتوازن مع تقدّمها العلمي و التكنولوجي، و بما يتّفق مع ريادتها في اقتحام عصر المعلومات . لكن القرار الأخير ليس بيد عقلاء أمريكا، و ليس لحساب مستقبل شعبها، بل هو في يد أباطرة رأس المال الأمريكي، في مجالات السلاح و البترول و المقاولات ..
رغم تصاعد أصوات التحذير المنطلقة من العلماء و المفكّرين الأمريكيين، حول خطورة مواصلة الاعتماد على وقود الحفريات : نتيجة لتناقص رصيده و جفاف منابعه، و بسبب أن الصناعات الجديدة لمجتمع المعلومات لا تحتاج إلى مثل هذه الطاقة غير النظيفة، و تعتمد على قدر أقل بكثير من الطاقة، قياسا على الصناعات التي قام عليها المجتمع الصناعي .. رغم تلك التحذيرات، فقد تغلّبت أنانية المصالح قصيرة المدى، للحكّام الحقيقيين للولايات المتحدة، من أباطرة البترول، و أعاقت انتقال الولايات المتحدة للتنوّع من أشكال الطاقة الجديدة و المتجددة، و النظيفة في نفس الوقت

مستشار بوش و شيني

كان ماثيو سيمونز من بين كبار مستشاري إدارة بوش، و عمل كمستشار للهيئة التي شكّلها ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي عام 2001، المختصة بدراسة شئـون الطاقة، كما عمل كخبير في العلاقات الخارجية . و يعتبر سيمونز من كبار خبراء الاستثمارات المصرفية في الطاقة، وهو يعمل كمدير عام تنفيذي لشركة سيمونز و شركاه الدولية، متصرّفا في محفظة استثمارات تصل إلى ما يقرب من 65 بليون دولار . و قد عمل سابقا كأستاذ في كلية هارفارد .
و قد اشتهر سيمونز بأمرين متناقضين : أنه من أشـد المتحمسين المساندين للرئيس بوش و لسياساته، لكنّه الشخص الوحيد من داخل تلك الإدارة الذي تكلّم بصراحة عن نضوب موارد البترول
في مايو 2003، تحدّث سيمونز من مكتبه في هيوستون، خلال مؤتمر تلفزيوني عن طريق الأقمارالصناعية، إلى أعضاء المؤتمر العالمي الثاني لدراسة أوضاع تدفّق البترول . و كانت ملاحظاته تكشف الكثير من خفايا الوضع، و كيف أن إدارة بوش كانت تعلم عن أوضاع رصيد البترول المتناقص، قبل أن تصل إلى الحكم .. كما كان حديثه كاشفا عن العواقب الوخيمة الناتجة عن تناقص الغاز الطبيعي الشديد في شمال أمريكا، ممّا دفع الكاتب ستيف أندروز إلى نقل أهم فقرات ذلك الحديث، ثم مناقشة سيمونز حول آرائه المثيرة حول الأزمة القريبة

نشكر الله على الشرق الأوسط

ماذا يقول سيمونز ؟، يقول أن منابع البترول خارج الأوبك، و خارج روسيا، إما أن تكون قد جفّت، أو هي بصدد أن تجفّ . على المخططين الجادين في مجال الطاقة أن يعترفوا بأن إمدادات البترول من خارج الأوبك قد أوشكت على الانتهاء .. لكننا نشكر الله على الشرق الأوسط . فالشرق الأوسط هو السبيل الوحيد لتعويض التناقص في كل مكان : طاقة الشرق الأوسط هي الأرض الموعودة .. إذا كانت كل الطرق تقود إلى روما، فبالنسبة للنفط و الغاز روما هي الشرق الأوسط
و يواصل سيمونز قائلا أن مخزون الشرق الأوسط ما زال قائما، و هو ما زال الأرخص في استخراجه، و هو ما زال يحفـل بإمكانات الاستكشافات الجديدة .. لكنه يعود فيتسـاءل " و لكن هل نحن متأكّدون من هذا ؟ " . ثم يجيب بنفسه قائلا أن بترول و غاز الشرق الأوسط لا ينتشر في أنحاء الشرق الأوسط، و لكنه محصور في المثلث الذهبي .. وفي شرح المثلث الذهبي يقول " إذا بدأت من كركوك في الشمال، ثم و مددت خطا إلى أسفل، عبر حقول البترول الكبيرة في إيران، ثم واصلت التوجّه إلى الجنوب على بعد 600 أو 700 ميل لتصل الحقول الكبرى للإمارات العربية، ثم صعدت إلى أعلى 800 ميل حيث كركوك " .
و عن البترول السعودي، يقول سيمونز أن السعودية ظنّت أنها قد توصّلت إلى اكتشافات بترولية عظيمة عام 1989 . و لكن عندما وصلنا إلى عام 2003، اكتشفنا أن أحد الحقول، مع خمسة حقول تابعة، احتاجت إلى أن يتم ضخّ الغاز فيها للحصول على 200 ألف برميل في اليوم .
و هو يستطرد قائلا " لم تحدث في المملكة العربية السعودية اكتشافات بترولية كبرى منذ أواخر الستينات، و معظم البترول السعودي يأتي من حقول آبار عتيقة جدا، تعد على الأصابع . و جميع الحقول تقريبا بها ضغط ماء مرتفع متصاعد .. غوار،أكبر حقول البترول في العالم يجري حقنه يوميا بسبعة ملايين برميل من مياه البحر، لرفع ضغط المخزون من النفط .." . و هو يقول أن السعودية العربية ربّما لم تعد بعد من بين منتجي البترول قليل التكلفة
و هو يقول أن معظم العلماء الجادون يبدون قلقهم من أن العالم سيفتقد إمداداته من البترول . غير أن معظمهم يعتقد أن ذلك اليوم ما زال يبعد عنّا بسنوات . . " لكن تحليلي للوضع يفيد أن نضوب البترول أصبح قريبا.. و ليس على بعد سنوات عديدة

نمو الصين و الهند

و نفس التقدير نجده عند موريس بيسكلوس الكاتب الاقتصادي العالمي، الذي يقول " وسط النقاش الدائر حول العلاقة بين الإمدادات و الطلب في البترول، و الذي تصاعد إلى مستويات عليا، يحذّر تقرير جديد من أن العالم يمكن أن يواجه كارثة نقص فيه قبل نهاية العقد القادم .." . و إذا كان الذين يطرحون هذه الرؤية يعتبرون أقلية حاليا، فإنها تصبح أكثر شعبية مع مواجهة البترول مصاعب متزايدة في الوفاء بالطلب عليه، مع استمرار تزايد سعره . و هو يستند إلى رأي جماعة خبرة في شئون الطاقة، يعكس مخاوفها من أن استمرار النسبة الحالية بين الإنتاج و الطلب يمكن أن تقود إلى معركة نهائية كبرى في عالم الطاقة .
و هو يستطرد قائلا أن أزمة البترول على مدى السنوات الثلاثين الماضية، ضاعف من أثرها الضغوط الجديدة الإضافية من الاقتصاديات المتنامية للصين، و الهند، و غيرهما من الدول . و يقول : وفقا لآخر البيانات القادمة من وكالة الطاقة الدولية في باريس، أن الطلب العالمي يمكن أن ينمو بنسبة 18,3 %، أي إلى 16,82 بليون برميل يوميا . كما تفيد الدراسات أن بترول الدول غير الداخلة في الأوبك، و الذي يشكّل الثلثين بالنسبة لإجمالي إنتاج البترول العالمي، قد أصبح في وضع راكد نسبيا، مع هبوط الإنتاج فيه بشكل متواصل، قبل نهاية هذا العقد

حتّى الأوبك تبدو عاجزة

و هو يقول أنه حتّى الأوبك، التي تتربّع على أكبر مخزونات نفط في العالم، لن تكون قادرة على الوفاء بالاحتياج العالمي، الذي من المتوقّع أن يتسارع بنسبة 4,2 % سنويا . و يستطرد بيسكلوس قائلا " دول الخليج، مثل العربية السعودية و إيران و العراق و الكويت و الإمارات المتحدة، و التي تصنع قلب الأوبك، قد تخلّفت في مجال تكنولوجيات استخراج البترول . و حتّى لو كان مخزونها ما زال موجودا، فإنه يحتاج إلى استثمارات هائلة لتطوير قدرات الاستخراج إلى الحد الاقتصادي .." . و نتيجة لخوف مؤسسات البترول العالمية من التقلّب الذي اتّسمت به دورات البترول السابقة، فإنها تحجم عن رصد أموالها السائلة في استكشاف ما يمكن أن يكون قد بقي من بترول في مخازنه الأرضية . و أحد الأسباب المنطقية لهذا التردد، هو أن ذلك المخزون من البترول يوجد في مستويات أعمق ، مما يجعل تكلفة استخراجه غير اقتصادية

* * *

نتيجة لاعتماد أمريكا على القوّة الخطأ، و الطاقة الخطأ، في الوقت الخطأ، هل يمكن أن يضعف هذا من مستوى قوّتها التي تعمّق لدى قيادتها وهم القدرة على التحكّم في العالم ؟ .. دعونا نرى لماذا تعتقد وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أن سيطرة أمريكا العالمية يمكن أن تنقضي خلال 15 سنة

الجمعة، فبراير ٢٢، ٢٠٠٨

أمريكا .. الأمل

منتدى مستقبل أمريكا

القوّة الخطأ

من العنف و الثروة..إلى المعرفة

لقد شرحت أكثر من مرّة طبيعة التغيير الذي تحدثه التكنولوجيات الابتكارية الكبرى، كالآلة البخارية، و التكنولوجيا الكهروميكانيكية في عصر الصناعة، و الكمبيوتر و أقمار الاتصال و المستحدثات الرقمية في عصر المعلومات . و بينت كيف تقود التكنولوجيا السائدة إلى نظم حياة جديدة، تختلف ـ بل تتناقض ـ مع النظم النابعة من التكنولوجيات السابقة .
خير مثال لتوضيح ذلك، التعرّف على طبيعة القوة السائدة التي يعتمد عليها المجتمع .
الولايات المتحدة تعرّضت لنكوص شديد في هذا المجال نتيجة لإلحاح مصالح كبار تجّار السلاح . و لكي نفهم تطور وسائل القوّة مع تطور المجتمع البشري، يمكن أن نستفيد من الطرح المبدع الذي قام به الكاتب المستقبلي الأمريكي ألفن توفلر، في كتابه " تحوّل القوّة "
قرن الغزال و الصاروخ

يقول توفلر أن القوّة، أيا كانت طبيعتها، تكون متباينة في قدرها.. إلى أن يقول " في ظلّ الصراعات القاسية التي لن تلبث أن تجتاح مؤسساتنا و مدارسنا و مستشفياتنا، و مشروعاتنا الاقتصادية، و اتحاداتنا التجارية، و حكوماتنا .. في ظل هذه الصراعات لن يصل إلى أهدافه الاستراتيجية إلاّ أولئك الذين يدركون نوعية القوّة السائدة في المجتمع الذي يعيشون فيه .." .
و لا ينكر أحد أن العنف سواء جاء من خنجر قرن غزال، أو صاروخ نووي، يمكن أن يحقّق نتائج هائلة واضحة الأثر . إلاّ أن العنف ـ كنوع من أنواع القوّة ـ يتّصف بنقيصة أساسية، حتّى في الأحوال التي ينجح فيها في تحقيق أهدافه . و السرّ هو أنه يولّد مقـاومة، تجعل ضحاياه يتربصون أول فرصة للأخذ بثأرهم . و من أكبر عناصر الضعف في العنف كمصدر للقوّة، عدم مرونته، إذ أنه يستخدم للعقاب فقط . لهذا، يعتبر نوعية متدنية من أشكال و أنواع القوّة .
و من ناحية أخرى، تعتبر الثروة كمصدر للقوّة، أداة أفضل إلى حدّ بعيد . فأنت بالمال الذي تملكه تستطيع أن تعاقب و تثيب و تكافئ أيضا . لذا، فالثروة أكثر مرونة، و إن كانت قوّة من نوعية متوسّطة
قوّة المعرفة

أمّا أعلى نوعيات القوّة، فهي التي تستمد من تطبيق المعرفة . فالنوعية العالية من القوّة، ليست هي تلك التي تقف أمام إرادة الآخرين، لكنها التي تجعل الآخرين يفعلون ما تريده أنت، حتّى إذا كانوا يميلون إلى تصرّف آخر .
و يمكن وصف القوّة بأنّها عالية، إذا كانت أكثر كفاءة، أي إذا كانت تستخدم أقل موارد و مصادر قوّة في تحقيق الهدف . و المعرفة كقوّة، يمكن أن تستخدم بكفاءة ـ في أغلب الأحيان ـ لتجعل الطرف الآخر يميل إلى سبيلك الذي اخترته للحركة .
و من بين مصادر التحكّم الاجتماعي الثلاثة، تعتبر المعرفة أكثرها خصوبة و تنوّعا، فهي تستخدم في العقاب و المكافأة و الإلحاح و الإقناع .. و أيضا في التحويل و التبديل . بإمكان قوّة المعرفة أن تحوّل الأعداء إلى أصدقاء . و باستخدام المعارف السليمة و المناسبة يمكن للإنسان أن يواجه المواقف السيّئة، متجنّبا تبديد قوى العنف و الثروة . هذا بالإضافة إلى أننا ـ باستخدام قوّة المعرفة ـ يمكن أن نضاعف قوتي العنف و الثروة .
المعنى الأوسع للمعرفة عند ألفن توفلر يتضمّن المعلومة المصنّفة، و البيانات، و الصور، و الرؤى، بالإضافة إلى المواقف و القيم،و غير ذلك من النتاج الرمزي للمجتمع، سواء كانت (صادقة)، أم (تقريبية)، أم حتّى (كاذبة) . ذلك لأن هذا كلّه يجري استخدامه و الاستفادة منه على أيدي الباحثين عن القوّة، كما كان الشأن دائما . و هو يدخل أيضا في اصطلاح " المعرفة "، وسائل الاتصال التي تشكّل بدورها الرسائل التي تشيع في وسائل الإعلام .
و المعرفة، بالإضافة إلى مرونتها الكبيرة، لها من الخصائص الأخرى ما يجعلها مختلفة بشكل جذري عن غيرها من مصادر القوّة، في عصر المعلومات . فقوّة القسر و الإرغام و العنف، و قوّة المال و الثروة، تتسم جميعا بأنّها محدودة .. فهناك حدّ لمدى العنف الذي يمكن استخدامه، قبل أن نحطّم ما نسعى إلى اقتناصه أو الدفاع عنه ( أنظر ما فعلته إدارة بوش في العراق ! ) . و يصدق الشيء نفسه على الثروة، فالمال لا يمكن أن يشتري كلّ شيء، و عند حدّ معيّن تفرغ حتّى أكثر الجيوب انتفاخا بالنقود( انظر الميزانية الأمريكية بعد عدة سنوات من حكم بوش الابن ) .
و الحال على عكس ذلك مع المعرفة، فسيظل دائما بالإمكان أن نسعى لتوليد المزيد منها

الحلف الشيطاني

ما تفعله الولايات المتحدة حاليا، هو استخدام القوّة الخطأ، في الزمن الخطأ . و تعود هذه النكسة الحضارية إلى الحلف الشيطاني المنعقد بين رؤوس الأموال الكبرى في السلاح و البترول و المقاولات، و أيضا الدواء، و بين مجموعة اليهود و أتباع المسيحية الصهيونية الذين يطلقون على أنفسهم اسم المحافظين الجدد . كانت بذرة ذلك الحلف القاتل في عصر ريجان، و كان ميلاده الواقعي في عصر بوش الأب، الذي قال للصحفيين و هو يتأهّب لحرب الخليج " لقد انتهينا من ترتيب البيت الأمريكي داخليا، و سنبدأ في ترتيب العالم ! .." . ثم كانت الخطيئة الكبرى لذلك الحلف في عصر جورج دبليو بوش، الذي أسلم نفسه لعملية غسيل المخ الكبرى، التي بدأت به هو شخصيا .
لقد غرقت الإدارة الأمريكية في ذلك المخطط الجهنمي، الذي وقف ضدّه معظم قادة الدول، و جميع شعوب العالم، و العناصر الواعية في الشعب الأمريكي .. و الأهم من ذلك كلّه، هو وقوف واحد من قيادات ذلك الحلف في وجه ما يجري، و إدانته لحرب العراق، و عدم موافقته على ولاية ثانية لبوش .. و كان ذلك هو فرانسيس فوكوياما، من أهم القيادات الفكرية للمحافظين الجدد، و صاحب الكتاب الشهير " نهاية التاريخ "، بمناسبة سقوط الاتحاد السوفييتي، و بداية ما يطلق عليه أحادية القطب .
لقد أفاق فوكوياما من حلم الانفراد بالقوّة، فرفض أكاذيب الإدارة الأمريكية حول واقع عملية غزو العراق، و في المعركة الكلامية الدائرة بينه و بين أكثر جماعة المحافظين الجدد رجعية، تشارلز كراوتهامر، يقول " .. ربما كنت أغفر الكثير لو أن أحدا من هؤلاء الذين كانوا أشد المدافعين عن الحرب، قد أظهر أي نوع من إعادة النظر، و التأمل فيما حدث .. أو أبدوا معرفة بوجود إشكالية فيما أوصوا به . كراوتهامر لم يفعـل هذا، و لا فعله الرئيس بوش .. و أرى في هذا خللا كبيرا ..المحافظون الجدد يقفون اليوم أمام احتمالين : إمّا أن يتكيفوا مع الحقائق المتغيرة على أرض الواقع، أو يواصلوا الوقوف إلى جانب مجموعة المبادئ الجامدة التي يؤمنون بها .. و اختيارهم سيحدد هل ستموت حركتهم أم تواصل البقاء ..".

و في الرسالة التالية نتكلّم عن الخطأ الثالث ..

الطاقة الخطأ

السبت، فبراير ١٦، ٢٠٠٨

أمركا ... الأمل

منتدى مستقبل أمريكا
لماذا لا ؟

نعم .. منتدى لمستقبل أمريكا .. لماذا لا ؟، ألم تفرض علينا أمريكا طوفانا من المنتديات و المؤتمرات، في محاولة لرسم واقع جديد يخدم مصالحها، تحت شعار الإصلاح السياسي ؟ ..
المسألة ليست مزحة، أو " قافية " منتديات . كما أن نيتنا في تقديم النصائح لأمريكا، أمينة و صادقة، و ليست كمناورتها، فنحن نحبّ الشعب الأمريكي، و نشفق عليه من الهوّة التي تسوقه إليها قياداته السياسية و الفكرية .. لكن، هذا التزيّد من جانبنا، لا يعني بأي حال من الأحوال، أن أحوالنا في العلم العربي، و في مصر بالتحديد،لا تحتاج إلى عمليات إعادة بناء شاملة، وفق رؤية مستقبلية، تستند إلى تقييم أمين للواقع الحالي، و إلى إدراك لطبيعة الحياة التي يمضي إليها البشر وفقا لمتطلبات مجتمع المعلومات و المعرفة..و لكن، هذه قصّة أخرى، مجالها موقع "مستقبليات".

سنرى معا، فيما يلي من حديث كيف قادت مصالح كبار الأثرياء إلى مضي أمريكا في طريق:

· الديموقراطية الخطأ

· القوّة الخطأ
· الطاقة الخطأ
و سنكتشف عمق إصابة الحياة الأمريكية بداء ( الشيزوفرينيا ) أو انفصام الشخصية

أولا : الديموقراطية الخطأ
أمر غريب ! .. رغم أن الإدارة الأمريكية لا تملّ إسداء النصائح الديموقراطية لدول العالم فأوّل بند في "منتدى مستقبل أمريكا" سيكون إقامة نظام ديموقراطي حقيقي في الولايات المتحدة الأمريكية .. فالواقع يقول أنها لا تعرف الديموقراطية، و أن ما تمارسه ـ بكل الضجة و الإنفاق و التزوير ـ لا يمكن اعتباره السبيل إلى الديموقراطية، أو يدخل ضمن أشكال ديموقراطيات التمثيل النيابي التي ابتدعها عصر الصناعة، و بداهة لا يمت بصلة لأشكال الممارسة الديموقراطية التي تنسجم مع متطلبات مجتمع المعلومات، مثل ديموقراطية المشاركة، أو الديموقراطية التوقّعية .
النظام السياسي للولايات المتحدة ليس ديموقراطية نيابية ـ كما يظن الجميع ـ بل "بلوتوقراطية "، أي ديموقراطية كبار الأثرياء . و قاموس الديموقراطية يقول " البلوتوقراطية تعني نظام حكومي، يكون فيه الثراء هو الأساس الرئيسي للسلطة، و الكلمة مشتقّة من كلمة ( بلوتاس ) الإغريقية و التي تعني الثروة " .
روبرت روثنبيرجر، صاحب كتاب (ما بعد البلوتوقـراطية – ديموقراطية حقيقـية لأمريكا ) يقول " معظم الأمراض الأمريكية العديدة، السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، مصدرها و عامل تعميقها.. أنّها دولة بلوتوقراطية تحكمها القلّة الثرية، التي تمارس سيطرة دائمة على القوّة و الثروة."، إلى أن يقول أن الخدمة الكبرى التي قدّمها الشكل التمثيلي للأغنياء، هي أنهم في الوقت الذي يرفضون فيه الديموقراطية، يبدون كديموقراطيين ! . . أمّا الكثرة أو الأغلبية المستبعدة فهي منقسمة على نفسها بآلاف الطرق، تستجدي الحكومة الصمّاء أن تدخل احتياجاتهم و اهتماماتهم في حساباتها : حقوق الأقلية، و حقوق المرأة، أمانة المؤسسات و الشركات، أخلاقيات الإعلام، حماية البيئة، و توازن حقيقي بين المصالح .. و هو يركّز في كتابه على خلق مواطنة حقيقية، تضم مواطنين يمارسون الديموقراطية الحقيقية .
خطورة هذا الوضع تكمن في سيطرة كبار الأثرياء على كل شيء . هم الذين يموّلون معظـم أو أهم من يتقدمون لعضوية المجالس النيابية، و هم الذين يموّلون أطراف حملة الرئاسة الأمريكية من الجمهوريين أو الديموقراطيين على السواء، لكي يتاح لهم أن يستردوا مئات و آلاف أضعاف ما أنفقوه، بموافقة الرئاسة و الكونجرس، على شكل مشاريع، و تخصيصات في الميزانية يستفيد منها نشاطهم .
و في هذا يقول المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي وسط حملة انتخابات الرئاسة الأخيرة : لا تفعل الحملة الرئاسية للولايات المتحدة سوى أن تشير إلى العجز الديموقراطي الحاد في أقوى دول العالم . فبإمكان الأمريكيين أن يختاروا بين اثنين من أعضاء أكبر حزبين، ولدا في أحضان الثروة و السلطة و السياسة، و درسا في نفس جامعة النخبة الأمريكية، و انضما إلى نفس المجتمع السرّي الذي يفرض على أعضائه أسلوب و وسائل الحكم . و هما يستطيعان الدخول إلى هذه المنافسة بفضل تمويل كلّ منهما على يد نفس قوى المؤسسات الاقتصادية .. إن السخرية التي لا مفرّ منها، هي أن الولايات المتحدة التي طالما انهمكت ( في الدعوة لبناء الديموقراطية ) في أنحاء العالم، أصبحت في أشد الاحتياج إلى أن تسعى إلى إعادة إحياء الديموقراطية داخلها

البحث عن عدو

ميزانيات الدفاع الضخمة التي وصلت إلى 344 بليون دولار ( بليون أي مليار أو ألف مليون )، جعلت الكاتب بن كوهين، يقول في الإنترنيت ـ ساخرا ـ تحت عنوان " مطلوب عدو يبرر 344 بليون دولار كميزانية حرب ! " .. لماذا يحتاج البنتاجون هذه الميزانية، التي تبلغ ثلاثة أضعاف مجموع ميزانيات الحرب في روسيا و الصين، و أعداء أمريكا المحتملين ( كوبا، إيران، العراق، ليبيا، كوريا الشمالية، السودان، و سوريا ) ؟ .. و لماذا تريد الحكومة الفيدرالية أن تنفق 344 بليون دولار على البنتاجون، بينما هي تنفق حاليا ما لا يتجاوز 42 بليون دولار على التعليم، و 26 بليون دولار على المساكن، و بليون واحد على بناء المدارس ؟ . و يواصل قائلا .. في بلدنا، أغنى دولة في العالم :
أولا : يتعلّم 14 مليون طفل في مدارس تحتاج بشدّة إلى تجديد و إحلال .
ثانيا : في اختبار عالمي احتلّ تلاميذ الصف الثامن المكانة 18 في الحساب، و 19 في العلوم، وهو دون مستوى سلوفينيا، و سنغافورة، و المجر، و غيرهم .
ثالثا : معدّل فقر الأطفال يزيد عن 15 %، ممّا يعني أن طفل من كل ستة أطفال يعيش حياة فقر .
رابعا : أكثر من 40 مليون أمريكي، بما في ذلك حوالي 10 ملايين طفل، لا يتمتّعون بأي تأمين صحي
أعلى نسبة مساجين

و من ناحية أخرى، يقول مايكل تونري، أستاذ القانون المرموق، في كتابه (التفكير في الجريمة)، أن الولايات المتحدة فيها أعلى نسبة من مواطنيها في السجون، بالنسبة لأي دولة على الأرض، ومعدّل الموقوفين و المسجونين أعلى من نظيره في الدول الأوربية بما يصل إلى 12 مرّة . و يقول الأستاذ تونري أنه خلال العقـود الثلاثة الماضية، زاد عدد الأمريكيين في السجون بنسبة700%. لقد تجاوز معدّل الزيادة في المسجونين معدّل الزيادة في السكان بمراحل .
و هو يضيف : نظام عدالة المجرمين في الولايات المتحدة يفتقد العدالة و النظرة المسئولة . إنه فقط يخدم طموح الإدّعاء .. إن العدالة في مجال الجريمة بأمريكا تعمل كما كان يحدث في عصر ستالين من عمليات اكتساح الطرقات، التي يصبح فيها المواطنون قليلي الحظ : أعداء الشعب لمجرّد اعتقالهم
اللعنة الأمريكية الجديدة

في مايو 2005، كتب بول كروجمان في ( النيويورك تايمز ) يقول : الناس الذين يديرون شئون أمريكا حاليا، ليسوا محافظين .. إنّهم أصوليون، الذين يريدون أن يمضوا بعيدا عن النظام الاقتصادي الذي لدينا، و الأزمة المالية التي يدبرونها، قد توفّر لهم المبررات التي يريدونها
إلى أن يضيف : في دولة و ثقافة تقع فريسة مثل هذه القلّة الضئيلة تموت الديموقراطية . التجربة الأمريكية العظيمة لن تنتهي بسبب عجز داخلي، و لكن عن طريق استراتيجية محبوكة جيدا أرسى أصولها ( المحافظون الجدد )، لكي يحل محل تلك التجربة شيء أشبه بإقطاع العصور الوسطى، إنّما جرت صياغته بمنطق عالم التكنولوجيا المتفوّقة
و تقول شادية دراري في مجلّة ( فري انكوايري ) أن المحافظين الجدد ينسجمون تماما مع وجهة النظر التي تقول أن البشرية أكثر شرّا من أن تطلق لها حرّيتها .. الكثير من البهجة و المسرات تعتبر خطيئة، و المعاناة أمر طيّب لأنّها تجعل الإنسان يصيح طالبا الخلاص من الله . و مع وجود المحافظون الجدد و دعاة الحقّ المسيحي في السلطة، فعلى الأمريكيين أن ينسوا البحث عن السعادة، و أن ينتظروا الحروب الدائمة، و الموت، و الكوارث
و إلى الرسالة التالية لنستعرض الخطأ الكبير الثاني الذي ترتكبه الرأسمالية .. نعني بذلك

القوّة الخطأ

الأربعاء، فبراير ٠٦، ٢٠٠٨

ذرائع التحرّش الأمريكي



من النظم المعادية، إلى الدول غير المستقرّة

ثم أخيرا تقليعة :عدم التأكّد الاستراتيجي

لم يكن " مشروع القرن الأمريكي الجديد "، أو ( باناك )، كافيا لتلبية مطامع كبار أثرياء السلاح و البترول و المقاولات، الذي يحكمون الولايات المتحدة فعلا ؟ .. و كما لم تحقق تجارب التدخّل الحالية للإدارة الأمريكية في أفغانستان و العراق ذلك النجاح، الذي كا من الممكن يغريها بالدخول في مغامرات شاملة لإخضاع دول العالم جميعا.. الأصدقاء قبل الأعداء ؟! .. الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي كان يرسم أبعادها في البنتاجون دونالد رامسفيلد، تضمّنت تحولا أساسيا: من ملاحقة الدول المعادية، أو محور الشر كما يحلو لبوش أن يقول، إلى ملاحقة الدول ذات الأنظمة غير المستقرّة .
يقول مايكل تشوسادوفسكي، في دراسة له صادرة عن ( مركز أبحاث العولمة )، حول هذه الجزئية " بينما كانت سياسة الحرب الاستباقية تصوّر العمل العسكري باعتباره ( وسيلة دفاع عن النفس )، ضد الدول التي توصف بأنها ( معادية ) للولايات المتحدة، فإن سياسة البنتاجون الجديدة تصوّر احتمال التدخّل العسكري ضد دول ( لا ) تشكّل تهديدا واضحا لأمن الأرض الأمريكية .." .!
التهديدات الأربعة
يحدد المشروع أربعة تهديدات عظمى تواجه الولايات المتحدة، هي بالضبط كما جاءت في المشروع :
تحديات تقليدية : و هي التي تصدر عن قوى عسكرية معروفة جيدا، تعتمد على أشكال مفهومة تماما من الحروب
تهديدات غير منتظمة : تأتي من قوى تستخدم ما يطلق عليه الأساليب ( غير التقليدية ) للتغلّب على القوى الأكبر
التحدي الكارثة : و هو إشارة إلى استخدام العدو لأسلحة الدمار الشامل
تحديات تمزيقية : و هي إشارة إلى خصوم محتملين، يستخدمون تكنولوجيات جديدة، للتفوّق على المزايا التي تتمتّع بها الولايات المتحدة
السيطرة العسكرية العالمية

و هذه الخريطة العسكرية، تحدد إطار " مشروع السيطرة العسكرية على العالم " . و هو يقوم على أساس زيادة هائلة في الإنفاق الدفاعي . و يتلخّص الغرض الذي يقوم عليه المشروع في التفوّق العسكري على أي دولة على سطح الأرض، بما في ذلك الحلفاء الأوروبيين لأمريكا .
" عملية التفوّق " هذه، ظهرت في المؤتمر السنوي لمجلس السياسـات الخارجية .. و الذي جاء فيه أن : ستكون الميزانية العسكرية للولايات المتحدة هذا العام (2005) أكبر من ميزانية 25 دولة التالية مجتمعة .. و هكذا، إذا بقي نسق الإنفاق العسكري على حاله، أي تناقص الإنفاق العسكري الأوروبي، و تزايد الأمريكي، فبعد حوالي خمس سنوات، سيكون إنفاق الولايات المتحدة أكثر مما تنفقه باقي دول العالم مجتمعة على الدفاع
حاليا، تنفق أمريكا أكثر من 500 بليون دولار سنويا، على الدفاع و الاستخبارات العسكرية، و هو قدر أقل قليلا من إجمالي الدخل القومي للاتحاد الروسي، و الذي جرى تقديره عام 2004 بحوالي 613 بليون دولار . و وفقا للمعهد الدولي لأبحاث السلام في استوكهولم، يزيد الإنفاق العسكري العالمي عن 950 بليون دولار، منها ما يقرب من النصف يخص ميزانية الولايات المتحدة العسكرية .
و هذا يعطينا فكرة واضحة، بالنسبة لما نشير إليه من سيطرة كبار أثرياء السلاح و البترول و المقاولات، الذين تصبّ معظم هذه الأموال في خزائنهم، على كلّ شيء في الولايات المتحدة، مؤسسة الرئاسة، و الأحزاب الكبرى، و السلطة التنفيذية، و عضوية المجالس النيابية و الفيدرالية، و مفاتيح التأثير على الرأي العام الأمريكي

غزو الدول غير المستقرّة

لم يمض أسبوع بالكاد على إعلان النص الرسمي لوثيقة البنتاجون، حتّى سارع مجلس الاستخبارات القومي في وزارة الخارجية إلى التأكيد على أن خبراء الاستخبارات بالولايات المتحدة يعدّون قائمة من 25 دولة توصم بأنّها غير مستقرّة، و من ثمّ مرشّحة للتدخّل العسكري . فقد جاء في الوثيقة :
منع الصراعات و إعادة بناء ما بعد الحرب بالنسبة الدول الضعـيفة، يصبح تحديا أساسـيا للسياسة الخارجية ، بسبب مخاطر الجماعات الإرهابية، و احتمال التوصّل إلى أسلحة دمار شامل
العداء تجاه الولايات المتحدة من جانب الأعداء الخطرين، أو القوى النامية، ليس هو جدول الأعمال الوحيد للتدخّل العسكري الأمريكي .
هذا هو من بين ما يقول به المشروع الخطير الجديد . و بينما تبقى قائمة 25 دولة غير مستقرّة، و تحت المراقبة، سرّية و غير معلن عنها حاليا، فقد توصّل الباحثون إلى تحديد بعضها، و هي : فنزويلا تحت حكم شافيز، نيبال، هاييتي، الجزائر، بيرو، بوليفيا، السودان، نيجيريا، سييراليوني، ليبيريا، ساحل العاج . و التبرير لغزو أمريكا لهذه الدول، يستند إلى الواجب الأمريكي " في المساعدة على الاستقرار "، و وضع هذه الدول على " المسار المستدام "
و أي مشروع قومي يجيء مضادا لأجندة الليبرالية الجديدة، و مفهوم ديموقراطية السوق الحرّة الذي تتبنّاه واشنطن، يؤهّل الدولة صاحبته للتدخّل العسكري

حروب غير منظورة
و من بين مخترعات هذه الوثيقة الخطيرة، تعبير " الحروب غير المنظورة " . و هي تطلق هذا الوصف على " التحديات الدبلوماسية أو القانونية "، التي تقوم بها جماعات أو دول، كتهديد لأمن أمريكا، ممّا يوصف بالعمل العدواني .
هل فهمتم هذا الكلام الغريب ؟! .. كل من يخاصم أمريكا أمام أي مؤسسة عالمية، أو يقاضيها في محكمة الجرائم الدولية، يعتبر خصما، و نصيبه الغزو العسكري
فالوثيقة تقول " قوتنا كدولة قومية سيتواصل تحديها على يد أولئك الذين يستخدمون استراتيجية الضعفاء، فيركّزون على المحافل الدولية، و العمليات القضائية، و الإرهاب
و إذا كنت لم تفهم بعد، اقرأ ما يقوله عن هذا دوجلاس فيث، أحد أفراد عصابة المحافظين الجدد، و من أهم شخصيات وزارة الدفاع الأمريكية، في مؤتمر المراسلين " هناك العديد من العناصر المؤثّرة المتنوعة حول العالم التي تسعى إمّا إلى مهاجمة الولايات المتحدة، أو التضييق عليها، و هم سيصلون إلى طرق مبتكرة في ذلك، تخرج عن دائرة الهجوم العسكري التقليدي الواضح .. علينا أن نفكّر بعمق في أساليب الهجوم الدبلوماسي، و أساليب الهجوم القانوني، و أساليب الهجوم التكنولوجي، و جميع أنواع الحروب غير المنظورة .." . الغريب في الأمر أنه عندما سئل عمّا يعنيه بأساليب الهجوم القانوني، قال صراحة أنه يعني محكمة الجرائم الدولية، التي تعارضها إدارة بوش، لأنّها تسعى إلى تجريم أمريكا، و إلى الضغط على المسئولين في الإدارة
عدم التأكّد الاستراتيجي

خذ هذه إذا كنت لم تكتف .. هذا التعبير الاختراع " عدم التأكّد الاستراتيجي "، هو أساس السياسات التي تكشف عنها هذه الوثيقة . و إن كنت لا تعلم، فهناك ( فابريكة ) في دوائر الرجعية الجديدة التي تسيطر على الإدارة الأمريكية، وظيفتها اختراع و ابتكار التعبيرات الجديدة، التي تبدو واعدة رغم فراغها الحقيقي .. ابتداء من " نهاية التاريخ "، إلى " صراع الحضارات " ، إلى " بناء الدول " ..إلى الحروب غير المنظورة "،إلى "الفوضي الخلاّقة "، و أخيرا " عدم التأكّد الاستراتيجي "
تقول وثيقة رامسفيلد " إنّه من المستحيل أن تعرف من أين و متى يأتي التهديد لأمن الولايات المتحدة الأمريكية ـ و هذا هو ما يطلق عليه مخططو البنتاجون عدم التأكّد الاستراتيجي ـ و لهذا تحتاج العسكرية الأمريكية إلى أن تكون قادرة، و مرنة، بدرجة كافية، تتيح لها أن ترسل قواتها إلى أي مكان في العالم، في وقت قصير . و الوثيقة تؤكّد أيضا على الحاجة إلى حلفاء يقدمون القواعد لقوات الولايات المتحدة، و أيضا يفتشون في دولهم للعثور على المتطرّفين، الذين (ينوون ) مهاجمة الولايات المتحدة .." .
و هذا إعلان مجاني، للدول العربية التي تتبارى في الانكفاء، أمام أي صول أمريكي .. المطلوب : أولا قواعد عسكرية، و هذه سهلة و موجودة فعلا، و ثانيا ـ و هو الأصعب ـ معرفة نوايا أفراد شعوبها، و هل فيها ما يتضمّن عداوة لأمريكا ؟ ..

ماذا نفعل في مواجهة هذا الكابوس ؟

الهدف من طرح هذه التفاصيل، هو توضيح الطريقة التي تفكّر بها الولايات المتحدة، و النوايا التي تضمرها للشعوب العربية، و أيضا للنظم الحاكمة العربية . و يمكن لأي عاقل أن يجد في تصرفات و مواقف و مؤامرات الولايات المتحدة،في منطقتنا و خارجها تطبيقات عديدة على الأفكار التي يطرحها هذا الكتاب

* * *

فيما يلي، سنكون أكثر كرما .. في مواجهة " منتدى مستقبل الشرق الأوسط الكبير "، الذي عقدته الولايات المتحدة الأمريكية لمراجعة مصالحها في بلاد العالم المختلفة، بصرف النظر عن مصالح شعوب تلك البلاد، سنكون أكثر كرما، و صدقا، و نطرح :
منتدى مستقبل أمريكا

الثلاثاء، يناير ٢٩، ٢٠٠٨

أمريكا ..كيف تفكّر فينا ؟


التحضير لتغيير النظم العربية

تحت هذا العنوان الصريح ( إلى حدّ الوقاحة )، يتحدّث كتاب (راند) التابعة للبنتاجون الأمريكي عن الدور الأمريكي في تغيير النظم العربية أو في مقاومة التغييرات غير المتّفقة مع المصالح الأمريكية، بصرف النظر عن مصالح الشعب المعني
تقول الدراسة التي تحمل عنوان " مستقبل بيئة الأمن في الشرق الأوسط " أن معظم السيناريوهات المحتملة تجيء كتنويعات على النغمات الحالية، أبناء يخلفون الآباء، أو أفراد من نفس قاعدة السلطة، في حالة مرض أو وفاة القيادة القائمة . و ترى أن احتمالات التغيير تكون كبيرة في ظلّ هذا الوضع، فالقادة غالبا ما تكون صلاتهم بالشعب ضعيفة، و المعارضة ذات صوت منخفض .. " و لو أدخلنا في اعتبارنا مركزية السلطة في معظم الدول العربية، فإن انتقال السلطة من فرد إلى آخر من نفس النخبة، تكون له آثاره الكبيرة على سياسة الولايات المتحدة " .
و يقول الكاتب أن هذا الشقّ الأخير من الفصل، يركّز على التغيرات الأكثر الأهمية و المخاطر التي تنتج عن تغيير القيادة . و يقدّم ما تحتاجه الولايات المتحدة من عمل لتشكيل البيئة، بما يمنع التغيرات غير المطلوبة، أو على الأقل الإقلال من أخطارها .
و قبل أن نورد ما جاء بالدراسة، نعود لنؤكّد أن الكلام كان و سيكون من خلال مصـالح الولايات المتحدة في المنطقة . مثال ذلك قول الكاتب أنّه حتّى في حالة عدم تغيّر ركيزة السلطة، فسيكون على القائد الجديد أن يسعى لدعم سلطة مسانديه، و تحجيم تأثير الذين يتحدّوه . خلال هذه المرحلة الانتقالية، ستكون قدرة القائد على طرح السياسات محدودة : فالقادة الجدد قد يترددون في المخاطرة بفقدان شعبيتهم، نتيجة لتعاونهم مع مبادرات الولايات المتحدة . و بشكل أعم، مساندة الولايات المتحدة و جهودها الإيجابية في مفاوضات السلام تقوم على أساس ضعيف . فالقادة الذين لا يتقيدون بالرأي العام، يكونون أقدر على التفاهم مع إسرائيل، أو على الأقل تبني حكوماتهم لسياسات معتدلة . فإذا ما سادت الليبرالية في مصر و السعودية، فضلا عن زيادة نفوذ التيار الإسلامي، فستكتسب السياسات المعادية للولايات المتحدة و إسرائيل قوة أكبر
و يمهّد الكاتب لحديثه عن التوصيات الخاصّة بتغيير النظم الحاكمة في الشرق الأوسط، بقوله أن نسبة عالية من الرأي العام في الشرق الأوسط معادية للولايات المتحدة، فإذا ما كسبوا تأييدا أكبر، فمن المحتمل أن تواجه النظم الحاكمة ضغوطا للإقلال من الروابط مع الولايات المتحدة . و الإسلاميون بصفة خاصّة يكونون غالبا الأكثر تنظيما، و الأكثر استعدادا، لاستغلال النظام السياسي الأكثر انفتاحا .

توقّع احتمالات التغيير

التخطيط لتغيير النظام يقتضي معرفة دقيقة واضحة للكيفية التي يسلك بها النظام . و من الواضح أنّه من واجب المحللين أن يتابعوا الحظوظ المتغيرة للقادة الأفراد، لكي نحدد بشكل جيد من الذي سيمسك بمقاليد السلطة، إذا ما رحلـت القيادة الحالية، أو أصبحت غير قادرة . لكن توقّع تحولات أساسية أخرى، يكون أكثر صعوبة بكثير . و التنبؤ بانقلاب، أو ثورة، أو أي شكل آخر من أشكال التغيير الجذري و السريع للنظام، يكون صعبا جدا . لكن هناك بعض المؤشرات التي توحي بأن البلد على وشك مواجهة عدم استقرار لنظامها، من بينها الآتي
ظهور ديموقراطية جزئية

بشكل عام، تكون الحكومات الديموقراطيات الناضجة، أو الشمولية الصريحة، هي الأكثر استقرارا . أمّا النظم التي تكون في مرحلة تحوّل ، فغالبا ما تتعرّض لهزات و عدم استقرار، و يكون احتمال دخولها في حروب كبيرا . فإذا اتجهت مصر أو سوريا أو حكومة من حكومات المنطقة إلى الليبرالية، فإنّها تكون معرّضة لتغيرات مفاجئة
أزمة وسط النخبة

بدأ العديد من الثورات على أثر انقسام في النخبة الحاكمة . نتيجة لذلك الانقسام يجد النظام صعوبة في التعامل مع التحالفات و الخصومات،ممّا يوفّر فرصا للثائرين
شيوع الشعبية

حتى عندما لا تشيع الديموقراطية، فبإمكان النخبة أن تعتمد على شعبيتها لتوفير الدعم المطلوب لحكمها. و على مدى العديد من السنين في الشرق الأوسط، كانت السلطة في يد النخبة، مثل القادة العسكريين، ضباط الأمن، كبار ملاّك الأرض، و رجال الأعمال

التشكيل و التهذيب
كيف تشكّل الولايات المتحدة التغيرات في قيادات دول الشرق الأوسط، و تعدّلها، و تهذّبها، بحيث تتفق مع مصالحها في المنطقة ؟ .. هذا هو جوهر الدراسة التي نطرحها .. لا لصالح الرؤساء الحاليين، و لا لصالح شعوبهم ! . و لعل صياغة الكلام أن تعكس ذلك الغرور الناتج عن الإحساس بالقوّة، و الذي جلب خيبة الأمل لإدارة بوش .. فالكتاب يقول:
.. فما لم تكن الولايات المتحدة عازمة على التدخّل الحاسم كما فعلت في العراق (!!!)، فغالبا ما يكون تأثيرها قليلا بالنسبة لنقل السلطة بالنسبة لمعظم الدول . و الضغط قد يولّد رد فعل عنيف، يزيد من مشاعر معاداة أمريكا . و على واشنطن أيضا أن تدخل في اعتبارها زيادة اتصالاتها بالقيادات و الجماعات التي خارج الحكم، و التي تحظى بمساندة ملموسة
و من التوصيات التي تركّز عليها الدراسة، و توجّهها للإدارة الأمريكية :
أولا : على الولايات المتحدة أن تنتبه للجماعات الإسلامية، فالحوار ممكن مع بعض أعضائها .
ثانيا : إنشاء علاقات مع شخصيات خارج إطار النظام الحاكم، سيغضب النظام، و الأمر يحتاج إلى شيء من التحايل لتحقيق التوازن .
ثالثا : يجب علي أمريكا زيادة اهتمامها بالرأي العام العربي، خارج النخب، خاصة إذا زادت احتمال مشاركة الشعب في اتخاذ القرار . و أن يكون لها استراتيجية إعلامية، تعتمد على القنوات الفضائية العربية و الصحافة الرائجة
رابعا : على الولايات المتحدة أن تدخل في اعتبارها أيضا المزيد من تبادل الزيارات بين الطلبة و العسكريين ، لخلق المزيد من الألفة مع الولايات المتحدة .
خامسا : على القوات العسكرية للولايات المتحدة أن تطبق بنية قواعد عسكرية متنوّعة و عديدة، و ترتيبات تواجد، كخط دفاع في وجه تغيير مفاجئ، أو حالة عدم استقرار في إحدى هذه الدول .
سادسا : الاهتمام بصفة خاصّة بدول كالسعودية و مصر، حيث الرأي العام الداخلي، و في أوساط المعارضة، يبدو معارضا بشدّة لأي ارتباطات مع القوات العسكرية للولايات المتحدة
* * *

من المفيد جدا أن نتأمّل هذا النوع من التفكير الذي يسود الإدارات الأمريكية المختلفة، و المتعاقبة، سواء كانت جمهورية أم ديموقراطية، لأنها جميعا تمضي وفق مصالح الاحتكارات الكبرى للسلاح و البترول و المقاولات، التي توجّه كل شيء في الحياة الأمريكية .. و من المهم أن نعرف ما وراء مظهر البراءة الذي تتخذه الإدارة الأمريكية حيالنا .

الثلاثاء، يناير ٢٢، ٢٠٠٨

تفكير أمريكا في تغيير النظم العربية



تغيير القيادة في مصر
قوّة النظام المصري في ضعفه

بعد سوريا، ينتقل الكتاب ( التقرير ) الصادر عن "راند" مؤسسة ابنتاجون الأمريكي تحت اسم " مستقبل بيئة الأمن في الشق لأوسط "، ينتقل بعد سوريا إلى الحديث عن ظروف تغيير القيادة في مصر .. يقول دانييل بايمان، مؤلّف الكتاب مع نورا بن سهيل
" الرئيس المصري مبارك، لا يحكم بنفس درجة التحكّم، كما هو الحال في السعودية و سوريا.. و لكن هذا الحكم الأقل إحكاما، هو مصدر قوّة النظام المصري، و ليس ضعفه : إنّه يفيد أن النظام جيد التحصّن، يمضي متجاوزا الفرد الوحيد، أو العائلة الواحدة، أو مجموعة محددة من الشعب . و مع ذلك فالنظام المصري، شأنه شأن جميع تلك التي في الدول العربية، يعتمد على مزيج من التراضي و القسـر، لفرض حكمه .. الشعب المصري، و بخاصة العناصر التي تعارض النظام الحالي، يجري تجاهلها أو كبتها . و لمّا كان للشعب و المعارضة أهداف مختلفة بشدّة، عن التي يأخذ بها النظام الحالي في القاهرة، فتغيير النظام يمكن أن ينتج عنه تحولات عميقة في السياسة المصرية الداخلية و الخارجية .."
و يستطرد الكاتب قائلا أن رؤى حسني مبارك تبدو أقرب إلى النمط العادي للنخبة المصرية، منه إلى قادة مصر الذين سبقوه . و هو في كثير من الجوانب يتطابق مع رؤى القيادات الأمنية و العسكرية . فهو يفتقد " الكاريزما " التي تمتع بها ناصر، و الديناميكية التي عرف بها السادات . و يضيف، أن مبارك جامد و محافظ و يمكن التنبؤ بردود فعله . الاستقرار الداخلي هو شاغله الأول . لذلك تراه قد تجنّب الأخطاء الكبيرة خلال سنوات حكمه الطويلة
من يخلف مبارك؟
وليس هناك خلف واضح لمبارك ( و يبدو أن هذا الفصل قد كتب عام 2004 قبل ظهور قصة جمال مبارك)، لكن خلفه المباشر يغلب أن تكون له خلفية عسكرية أو أمنية . و مبارك لم يعين نائب للرئيس، غالبا ليتجنّب قيام أي منافس بالتحوّل إلى مركز قوّة . و منذ عام 1952، جاء قادة مصر من العسكر . و الأسماء المحتملة تدور حول عمر سليمان شخصية عريقة في المخابرات المصرية، أو قائد السلاح الجوي أحمد شريف، أو مجدي حتاتة القائد الأعلى بالقوات المسلحة، أو أسامة الباز المستشار السياسي لمبارك . و فيما عدا أسامة الباز، فالأسماء الأخرى ليس لها سوى خبرة محدودة بالسياسة الخارجية . هذه الدائرة الضيقة نسبيا من القيادات العسكرية و الأمنية حاولت التعاون مع عدد من المسئولين العسكريين و الحكوميين، بالإضافة إلى كبار رجال الأعمال، ، بينما بقي الشعب المصري بعيدا عن عملية اتخاذ القرار

40 بليون دولار أمريكي

و النخبة المصرية تشترك في هدف لا يتغيّر : ضمان استمرار قبضتها على السلطة . إنها تستمتع بوضع اقتصادي متميّز، و تؤمن أن النظام الحالي هو ملاذهم من مواجهة الأصولية الدينية . و على كل حال، تتمتع القيادات المصرية بمجال حركة واسع : لقد أوضح عبد الناصر و السادات أن القادة المصريين لهم مساحة واسعة للتصرّف، حتّى في الموضوعات المحورية مثل الإصلاح الاقتصادي، أو العلاقات مع إسرائيل . و في جميع الأحوال تبدي النخبة الأمنية و العسكرية حساسية عندما تقود الإصلاحات الاقتصادية أو السياسة الخارجية إلى تغيّرات قد تتسبب في قلاقل داخلية .
و العديد من أفراد النخبة المصرية يقرون بأهمية العلاقات الأمريكية المصرية . فمنذ توقيع معاهدة كامب دافيد في عام 1979، قدّمت الولايات المتحدة ما يصل إلى 40 بليون دولار، على شكل مساعدات عسكرية و اقتصادية . و جانب من الصفوة المصرية يؤمن بأن هذه المعونة ساعدت الاقتصاد الراكد على الاستعفاء، بعد حرب الخليج
هذا بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة ينظر إليها باعتبارها قوّة توازن بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي . بعض النخب الاقتصادية ترى أن السلام و العلاقات مع الولايات المتحدة، أمران ضروريان إذا أريد لمصر أن تزدهر . و يقال أن جانبا كبيرا من الصفوة ينتقدون العلاقات بين أمريكا و مصر . خاصّة عندما تصل مفاوضات السلام في الشرق الوسط إلى طريق مسدود، رغم علمهم أن هذه العلاقات توفّر لمصر نطاقا واسعا من المنافع

الثوابت الجغرافية ـ السياسية

كل من يحكم مصر يكون عليه أن يدخل في الاعتبار الخصائص المتميّزة للبلاد، و أوضاعها الجغرافية ـ السياسية . و هذا يتضمّن عدّ خصائص من بينها التالي

توقعات الريادة

اعتبر المصريون أنفسهم دائما الدولة العربية الرائدة . و هو مفهوم يفرضه تعداد سكانها الكبير، و تاريخها الذي يستحق الفخر . و يتوقّع كل من الشعب المصري و صفوته من قيادتهم أن تلعب دورا نشطا في الموضوعات العربية و الإقليمية
بين الضعف و القوّة العسكرية

مصر قوية عسكريا، على الورق . إنها تمتلك كميات هائلة من العتاد المتطوّر . و إذا كانت هناك حاجة إلى إرسال قوات " عربية " إلى الخليج لتساعد مجلس التعاون الخليجي، فالقاهرة تعتبر الخيار المنطقي لقيادة تلك القوات . و يقال أن العسكرية المصرية لم تعد تشكّل تحديا لإسرائيل : لأن تدريبها ضعيف، و لا تستخدم أحدث التكنولوجيات، و هي غير قادرة على القيام بعمليات عسكرية مشتركة . و إذا ما وصلت العلاقات المصرية الإسرائيلية إلى حد الانهيار الكامل، فإن الخيار العسكري التقليدي لن يكون مطروحا

علاقة الشعب المصري بأمريكا

و بشكل عام، فإن مصر خارج الدائرة الحاكمة لا تسعى إلى علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة . فوسائل الإعلام المصرية، بما في ذلك الأجهزة المحسوبة في جانب الحكومة، غالبا ما تكون حادّة النقد لسياسات الولايات، و مهاجمة اللوبي الصهيوني في واشنطن . و مساندة الولايات المتحدة لإسرائيل تلقى انتقادا دائما، لاعتقاد المصريين أن واشنطون تستطيع أن تستخلص تنازلات من إسرائيل . و مع استمرار الانتفاضة الثانية، تصاعد ذلك الانتقاد . و بشكل عام، تعتبر الولايات المتحدة منحازة لإسرائيل، ضد العرب . كما أن انتفاضة الأقصى، و الحرب ضد العراق، قد أضاف المزيد من سلبية صورة الولايات المتحدة

البديل الإسلامي

الإسلاميون يمثّلون أكثر مصادر المعارضة للنظام الحالي تنظيما . و هناك عدة اتجاهات داخل الحركة الإسلامية العريضة، تتراوح بين الجماعة الإسلامية الأصولية، و بين تنظيمات تيارات رئيسية أخرى مثل الإخوان المسلمون، إلى العديد من القيادات الفردية المتديّنة التي تعمل بانتظام مع الحكومة المصرية . هذه المجموعات غالبا ما يكون فيما بينها خلافات
لقد سعت الجماعات الإسلامية إلى استثمار مشاعر المهملين من فقراء مصر، الذين يشعر معظمهم أن صوتهم ضعيف و فرصهم محدودة .. و حتّى العديد من المصريين الذين لا ينتمون إلى الأيديولوجية الإسلامية، يتعاطفون معها
انهم يسعون إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، كقانون لمصر . و العديد من الجماعات الإسلامية تظهر عدوانية تجاه اليهود و المسيحيين، بما في ذلك المجتمع القبطي المسيحي، الذي يصل بالتقريب إلى 6% من تعداد مصر . و الكثير منهم يتشكّكون في برامج السادات و مبارك الاقتصادية الليبرالية
و ما زال النظام يقبض على المشتبه فيهم من الأصوليون، و يحاصرهم، مما يجعل من الصعب عليهم أن يواصلوا التجنيد و التنظيم .
و إلى جانب محاصرة الإسلاميين و مسانديهم، حاول النظام أن بتفاهم مع العناصر الأقل أصولية منذ منتصف التسعينيات . و شجّع النظام على إشاعة المظاهر الإسلامية، بزيادة البرامج الدينية و الإعلامية . كما سمحت للشخصيات الدينية، كالأزهريين، بأن يهاجموا و ينتقدوا المثقفين العلمانيين . هذا الموقف قلل من قوّة الأصوليين، و لكنه زاد من قوة الحركات الشعبية الإسلامية
إذا ما وصل الركود بالوضع الاقتصادي المصري إلى حد أن يجد النظام نفسه يبحث عن شرعية شعبية أكبر، فقد يسمح للإسلاميين بنفوذ أكبر
مستقبل تغيير القيادة
عن مستقبل تغيير القيادة في مصر يقول الكاتب دانييل بايمان محرر هذا الفصل من الكتاب : تغيير القيادة في حدود النخبة المصرية، قد يغيّر بعض معالم السياسة الخارجية لمصر، لكن ليس اتجاهها . و قائد غير مبارك قد يكون أكثر عزما و قدرة على المضي خارج التراضي العام الضيّق للنخبة الحالية، ليشكّل السياسات المصرية، ليس مجرّد السير في حدود الأهداف المتفق عليها من جانب هذه النخبة
و يستطرد قائلا أن التحوّل خارج قاعدة السلطة الحالية، إلى نظام إسلامي، قد يمثّل تغيرا أكثر عمقا، و مع ذلك فالإسلاميون سيواجهون هم أيضا حدودا لحرّيتهم، نتيجة لضعف مصر العسكري . و يعتقد الكتاب أن اتجاه مصر إلى الليبرالية السياسية تفشل على الأرجح، بينما يحتمل أن يكون الإصلاح الاقتصادي محدودا . و رغم الدعم الملموس الذي تلقاه الليبرالية، فليست هناك قاعدة تنظيمية لها
على من يعتمد النظام ؟

و يقول أن النظام الحالي قد نجح في تمثيل بعض النخب، كملاذ وحيد في مواجهة الإسلاميين، و لن يتردد مستقبلا في سلوك ذلك السبيل ، إذا ما تصاعد التهديد لحكمه . و لأن النظام يستند بقوّة على المصالح الاقتصادية، فالتغيرات الاقتصادية ستميل إلى تجنّب سياسات سيطرة الدولة التي عرفتها مصر في الماضي . و في نفس الوقت، فالأغلب أن يتجنّب النظام اتّخاذ أي إجراءات يمكن أن تهدد وضع نشاط الأعمال الحالي، حتّى لو قاد هذا إلى الحد من التنافس و الإنتاجية .
ثم يقول بايمان " علاقات مصر الوثيقة مع الولايات المتحدة تستند إلى هذه الأسس . و التعاون في مجال محاربة الإرهاب جيد جدا، لكن هذا يتم عادة خلف الكواليس . و لأن معظم الشعب المصري، و قيادات المعارضة المحتملة لا تدعم هذا التوجّه، و لأن معظم النخب ليست في جانب الروابط مع واشنطن، فالأغلب أن يميل النظام إلى النأي عن واشنطون ، إذا وجد نفسه في أزمة داخلية . و هذا الميل سيكون حادا إذا ارتفعت حدّة التوتر الفلسطيني الإسرائيلي، باعتبار النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الأقرب إلى إسرائيل .

و إلى الرسالة القادمة، لنرى كيف تفكّر أمريكا فيما تطلق عليه : التحضير لتغيير النظم العربية

الأحد، يناير ١٣، ٢٠٠٨

أمريكا .. و تغيير النظم العربية



الرئيس السوري بشار الأسد
لا يوحي بالخوف أو الثقة

يبدأ دانييل بايمان الحديث عن سوريا قائلا " النظام الذي يرأسه بشار الأسد يغلب أن يبقى في السلطة، لكن قبضته قد تصبح أقل إحكاما في السنوات القادمة .." . و هو يقارن الوضع بأيام حافظ الأسد الذي حكم سوريا بيد حديدية لما يقرب من 30 سنة، حتّى وفاته سنة 2000، محوّلا الدولة ذات القلاقل المزمنة إلى حصن من الاستقرار . وهو يتساءل قائلا أنه ليس من الواضح ما إذا كان بشار، ضعيف الخبرة، سيكون قادرا على أن يحقق نفس الخليط .. الولاء من أتباعه، و الخوف بين منافسيه، بينما هو منهمك في إعادة بناء الاقتصاد بشكل ناجح .
فماذا يقول الكاتب عن أوجه الشبه بين الرجلين ؟
صعد حافظ الأسد إلى أفق الحياة السياسية ، بعد سنين من الخدمة العسكرية، و من خلال انقلاب عسكري عام 1966، أوصل مجتمعه العلوي للسلطة، ثم انفرد بالحكم بعد إقصاء المنافسين . أمّا بشار، فقد كانت خبرته في السياسة و الحكم ضعيفة عندما تسلّم السلطة . كان عمره في ذلك الوقت 28 سنة، و كان يعيش كطبيب عيون في لندن، عندما استدعي ليحكم سوريا .
و مع ذلك،يقول الكاتب أن هناك أوجه شبه عديدة بين الأب و الابن . فكلا منهما لا يسمح للعقيدة أن تعميه عن ضرورات سياسات السلطة . لقد عمل حافظ مع مسيحيي لبنان ضد القوميين العرب، و حاول زرع الفرقة في المعسكر الفلسطيني، و ساعد إيران ضد العراق خلال حرب الثماني سنوات .أمّا بشار فبعد تسلمه السلطة، أقام علاقات ودية مؤقتة مع العراق و الأردن، متفرّغا لدعم سلطته الداخلية.
و يستطرد بايمان قائلا أن حافظ كان بلا وازع في أغلب الأحيان، ينقلب على رفاق عمره، و يميت عشرات الآلاف من السوريين، من أجل أن يبقى في الحكم . بينما بشار، بخبرته القليلة، لا يوحي بالخوف، و لا الثقة ! . و قد عمد بشار إلى التركيز على الإصلاح الاقتصادي في أحاديثه، كما سمح لمنظمات حقوق الإنسان و المجتمع المدني بالعمل، في حدود . كذلك حاول تخفيف التوتر في بعض العلاقات الخارجية، كما حدث مع تركيا .

الموقف من الفلسطينيين

كان موقف حافظ الأسد من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مزيجا من الخيلاء و عدم الاحترام و الانتهازية . و بشكل عام، كان قليل التفكير في ياسر عرفات و الحركة الفلسطينية، لكنه كان مؤمنا بأن القضية الفلسطينية هي في مركز عدم الاستقرار في المنطقة . هذا، حرص على أن يقود الصراع الفلسطيني و يتحكّم فيه، محجّما أي تطرّف قد يضر بنظامه، و يحاول في نفس الوقت توجيه الصراع بحيث يقود إلى إضعاف إسرائيل و إفادة سوريا .
و يضيف الكاتب أن بشار واصل أساسا سبيل أبيه في مسألة مفاوضات السلام . و كما قال والـده من قبل، تكلّم عن " سلام الأقوياء "، قاصدا تنازلات سورية قليلة في مرتفعات الجولان . و عندما تواصلت الانتفاضة الثانية، سمح للعرب و الأصوليين المسلمين في سوريا و لبنان، و شجّعهم أحيانا، على الهجوم على إسرائيل، كما دعم هجمات حزب الله على إسرائيل، كوسيلة لإحداث ضغط دائم عليها .

من بشّار إلى آخرين

يقول الكتاب أن بشار لم يحدد من الذي يمكن أن يخلفه، لو حدث له شيء . و يؤكّد أن التهديد الأكثر واقعية من منافسين من داخل النخبة الحاكمة، و بصفة خاصّة " بارونات " العلويين . كما أن النظام الذي يمكن أن يحدث تغييرا عميقا في سوريا، سيكون تحت تأثير الإسلاميين .
" بارونات " العلويين : خلال سنوات حكمه، عمد حافظ الأسد إلى إنشاء نظام عائلي قبلي، تغطيه قشرة أيديولوجية سطحية . و قام ـ بطريقة منظمة ـ بوضع عناصر من مجتمعه العلوي في المواقع الريادية في الأمن و الجيش، يقودون كل أجهزة الدولة الحسّاسة . و تقول الدراسة أن هؤلاء " البارونات " يمكن أن يتحرّكوا ضد بشار لو أظهر عدم قدرة و سيطرة ، أو هدد إمساكهم بمفاتيح القوّة . كما أن هؤلاء " البارونات " يكون تركيزهم على ضمان سيطرة مجتمعهم، و بالطبع سيطرتهم الشخصية، أكثر من تمسّكهم بأي هدف سياسي .
يقول الكاتب انه من المحتمل أن يظهر قائد من بين هؤلاء البارونات، و يستولي على السلطة، و يفرض رؤيته الخاصة على سوريا، و على سياساتها، كما فعل حافظ الأسد .
الإسلاميون السوريون : إسلاميو سوريا ضعفاء، فقد استطاع النظام البعثي أن يخرّب الحركة، في أعقاب تحركاتها العنيفة من 77 إلى 1982 . اعتقال و سجون و تعذيب، بالإضافة إلى تدمير مدينة حماة، قاعدة الإخوان المسلمين، و موت آلاف المدنيين، كلّ هذا ترك الحركة بدون قيادة أو تنظيم فعّال داخل سوريا . يقول الكاتب أنّه إذا احتدمت الصراعات بين العلويين، و خاصّة إذا تسببت في انقسام داخل الجيش، فقد يزداد تأثير و نفوذ الإسلاميين . و استيلاؤهم على الحكم يعني ـ على حد قول الكاتب ـ تغيير شامل في التأثير السوري . و هو يعتقد أن رؤيتهم للسياسة الخارجية غير مقنعة أو ناضجة . و مثلهم مثل الإسلاميين في كل مكان، يتميّز الإخوان المسلمون في سوريا، بانتقاداتهم الشديدة لأي نوع من المفاوضات السلمية بين سوريا و بين الدولة الإسرائيلية .

ثوابت الجغرافيا السياسية السورية

يقول الكاتب أن من يمسك بالسلطة في سوريا يجب أن يعترف ببعض الحقائق المرّة حول وضعها السياسي :
· سوريا فقيرة، لقد حدث الركود تدريجيا، أثناء حكم حافظ الأسد، و لم تثمر جهود بشار غير الحماسية سوي القليل . و أي نظام جديد سيواجه قلة الموارد التي يمكن أن تغير الوضع .
· القدرة العسكرية السورية قليلة قياسا على جيرانها الأقوياء، تركيا و إسرائيل . فالقوات المسلحة كثيرة العدد، لكنها فقيرة التجهيز، قليلة التدريب . و العديد من الوحدات تركّز على ضمان الاستقرار الداخلي، و ليس مواجهة أعداء سوريا
· و يستنتج الكاتب استنتاجا ( تآمريا )، فيقول أن سوريا، نتيجة لما سـبق، يحتمل أن تعتمد على الأسلحة الكيميائية، و برامج الصواريخ، بما يشكّل تهديدا خطيرا لإسرائيل .
· ستحتفظ دمشق بروابطها مع التنظيمات الإرهابية، حتّى و لو لم تستخدمها، للاحتفاظ بوسيلة رخيصة و فعّالة في ضرب خصومها .

النتائج الضمنية

احتمال مساندة نخبة السلطة الحالية الرئيس بشار على المدى الطويل، يبقى احتمالا مفتوحا . فهو إذا تعثّر، قد يعزلونه أو يقلصون سلطاته، و يحولون البلاد من الديكتاتورية، إلى حكم الأقلية محتكرة المنافع .
· الجهود التي على الرئيس بشار أن يبذلها لإصلاح الاقتصاد السوري المتدهور، الضرورية لوقف تدهور قوة سوريا و نفوذها، هذه الجهود في حد ذاتها ستؤثر على استقرار النظام .
كذلك السماح بالحركة الحرّة للمواطنين، و بتبادل الآراء، يشكّل تهديدا مباشرا لسيطرة البعث على النشاط السياسي في سوريا .
طبقة التجار السوريين، و كانت دائما في القبضة القوية للسنّة، و الإصلاح البعثي للاقتصاد يتضمن تأكيد تحكّم الدولة، و دعم التصنيع كوسيلة للإقلال من نفوذ التجار السياسي . هذا بالإضافة إلى أن العديد من أفراد قاعدة القوّة لبشار من العلويين و السنيين، يعتمد ولاؤهم على الانفراد في الوصول إلى العقود الحكومية، و على الفساد، لتحقيق مكاسبهم .
تغيّر النظام في سوريا، سيكون تأثيره قويا في داخلها، أكثر من الخارج .
و رغم أن قيام حكومة أكثر تأثرا بالإسلاميين، ستكون أكثر عدوانية بالنسبة لإسرائيل، فهي الأخرى ستكون مقيّدة بالاقتصاد السوري الضعيف، و تضارب القوى المحلية .

***

و من الواضح أن هذه الاستخلاصات تتم من وجهة نظر المصالح الأمريكية . لهذا يختتم الكتاب حديثه عن سوريا بقوله أن وجود نظام أكثر عدوانية في دمشق، قد يجعل التعاون معه في موضوع مثل مقاومة الإرهاب أكثر صعوبة .. لكن بالنظر إلى ضعف العلاقات السورية الأمريكية بشكل عام، فإن تأثير هذا التحوّل سيكون ضعيفا ( على أمريكا طبعا ) .
بعد سوريا، ينتقل الكتاب ( التقرير ) إلى الحديث عن ظروف تغيير القيادة في مصر ..

الأحد، يناير ٠٦، ٢٠٠٨

!تغيير القيادات العربية

تقرير ( راند ) التابعة للبنتاجون الأمريكي يقول أن

منطقتنا تجمّدت في الزمان

في الفصل الخامس من الكتاب ( التقرير ) " مستقبل بيئة الأمن في الشرق الأوسط "، يطرح الكاتب دانييل بايمان، محرر هذا الفصل، احتمالات و أبعاد تغيير قادة دول العالم العربي . و يستهل بايمان هذا الفصل بقوله أن سياسات الشـرق الأوسط قد تكون أكثر اعتمادا على طموح و نزوات القادة، أكثر من أي منطقة أخرى من العالم .
و تغيير القادة في الشرق الأوسط ، قليل الحدوث. فالمنطقة تبدو أنها قد تجمّدت في الزمان، يستمر فيها حكم الحاكم لعشرات السنين . و يشير المؤلف إلى ملاحظات جلين روبنسون التي يقول فيها " العالم العربي المعاصر يتميّز بالكثير جدا من الاستقرار السياسي، و ليس بالقليل جدا منه ! " .
يقول بايمان : أن هذا الفصل يبدأ باختبار كيفية فهم موضوع تغيير الأنظمة . ثم نطرح فيه بعد ذلك عواقب تغيير النظام في السعودية و سوريا و مصر . و قد تم اختيار هذه الدول بسبب أهميتها في المنطقة، و بالنسبة للولايات المتحدة .
من ناحية : سوريا، التي تمثّل نظام حكم معادي للمصالح الأمريكية، في منطقة مفصلية بالشرق الأوسط .
و من ناحية أخرى : ربما تكون مصر و السعودية أكثر شركاء واشنطن أهمية في المنطقة .
لكل حالة الحالات، يحاول هذا الفصل أن يميّز بين السياسات النابعة من المصالح و الاهتمامات ( الجغرافيةـ السياسية )، و التي يكون من المحتمل أن تشترك فيها معظم نظم الحكم ، و نمط السياسات الذي ينتمي إليه كلّ من نظم الحكم :مثال ذلك النظم الإسلامية في مقابل النظم العسكرية
بالإضافة إلى ذلك، يحاول الكتاب في هذا الفصل أن يبيّن نواحي القوّة و الضعف الخاصّة للقادة الحاليين، و لمن يحتمل أن يخلفهم، لمحاولة استنباط كيف يمكن أن يؤثّر التغيير عند القمة على السياسات الحكومية . كذلك أيضا، إذا كان ممكنا، معرفة القوّة النسبية لمختلف الورثة المحتملين، لتصور احتمالات بدائل السياسات المختلفة .
و يتحدّث الكتاب عن نظم الحكم الجديدة في المنطقة، فيقول أنها تكون عادة أقرب إلى الحذر، عندما تسعى قياداتها إلى ترسيخ و تضخـيم سلطاتها . و على أي حال، قد يبدي القادة الجدد، بصفة خاصّة ، ترددا في المخاطرة بفقدان شعبيتهم بالتعاون مع المبادرات الأمريكية . كذلك تبدو الخطى الخاطئة، أمرا لا يمكن تفاديه . فمن الممكن أن يبالغ القادة في تقدير ما لديهم من قوة عسكرية، فيندفعون في استخدامها مستندين إلى وهم الدعـم الدولي، معتقدين أن بإمكانهم إرهاب خصـومهم، خشية أن يخرجوا بانطباعات خاطئة تقود إلى قيام صراعات .
غير أن التغيرات المحتملة ليست كلّها ـ بالطبع ـ سلبية . و يعطي الكاتب مثالا على ذلك بالأوضاع في المملكة العربية السعودية ( مع التذكير بأن الدراسة والكتاب يرجعان إلى عام 2004، أي إلى ما قبل وفـاة الملك فهد ) . يقول الكاتب " في العربية السعودية، قد يكون ولي العهد الأمير عبد الله قادرا على التخفيف من المشاعر المعادية للنظام، و أن يبادر بإصلاحات صعبة . و قد يكون مغريا للولايات المتحدة أن تتدخّـل في عملية تغيّر النظام . رغم أنّه ليس لديها سوى القليل من الأدوات الفعّالة لتدخّل محدود، فالضغط المكشوف غالبا ما يخلق ردود فعل مضادة .." .
و يضيف الكاتب أنهّ للاحتشاد في مواجهة التغيرات غير المتوقّعة، يكون على واشنطن أن تعمل على مضاعفة العلاقات بالقادة أو المجموعات التي تكون خارج مجال السلطة، و لكنّها تتمتّع بمساندة كبيرة

مؤشرات تغيّر النظم

يقول بايمان أنه من الصعب على من هو خارج الشرق الأوسط أن يتنبّأ بتغيير أحد النظم و ما يترتب على ذلك التغيير . و معرفة الغرب بالتوجهات السياسية للنخبة في الشرق الأوسط تكون في الأغلب محدودة . بل أنه حتّى جيدّي التعرّف على الأوضاع من العناصر المحلية، غالبا ما تفاجئهم الأحداث .
قلّة في الأردن هم الذين توقّعوا أن يغيّر الملك حسين ولاية العهد طويلة الاستقرار لشقيقه الأمير حسن و أن ينقلها إلى ابنه عبد الله، في الأسابيع السابقة لوفاته . و كانت إيران في ثورة عام 1979 قد فاجأت جميع المراقبين تقريبا، و غير ذلك من دول الشرق الأوسط عانت بشكل منظم من كثرة الانقلابات و القلاقل، التي لم يتنبّأ بها سوى القليلون . و القادة يختلفون بشكل كبير، حتى لو كان النظام الاجتماعي، و البيئة الاسـتراتيجية، لدولهم واحدة .
خلال خمسينيات و ستينيات القرن الماضي، شهدت مصر و العراق و ليبيا و سوريا و اليمن انقلابات عسكرية . في 1979 أسقطت ثورة شعبية النظام القائم . حاولت الجزائر أن تخوض التجربة الديموقراطية في بدايات التسعينيات، فترتّب على ذلك انقلاب عسكري و حرب أهلية . حتّى الدول الديموقراطية مثل تركيا و إسرائيل، قد غيّرت سياساتها بشكل مؤثّر، بمجرّد صعود قيادات جديدة إلى سدّة الحكم .
و يرى الكاتب أنّه من المحتمل حدوث تأثير شعبي هائل على عملية صناعة القرار، نتيجة لانتشار الليبرالية و الديموقراطية في المنطقة . خاصّة في الوقت الذي تضاعف ثورة المعلومات من جعل المزيد من المواطنين على وعي بما يحدث، و لأقدر على التحرّك السريع .


نوعيات تغيّر النظم

تغيّر النظم في دول الشرق الأوسط يمكن أن يتبع ثلاثة مسالك على الأقل :
أوّلا : التغيير وفق نفس الإطار وقاعدة القوّة .
و هذا يتضمن الانتقال من قائد لآخر من نفس الإطار و قاعدة القوّة، مثل الانتقال من الأب إلى الإبن كما حدث في البحرين و قطر و المغرب و الأردن و سوريا، خلال العقد السابق . أو الانتقال إلى فرد آخر من الأسرة، مثل ما حدث في السعودية . أو الانتقال إلى قائد من نفس النخبة و الطبيعة، مثل تولّي مبارك بعد اغتيال السادات . عملية الانتقال لا تكون بالضرورة شكلية أو سلمية، مثل تولّي حافظ الأسد بعد صلاح جديد، و انقلاب قابوس على أبيه ,
ثانيا : الانتقال من نخبة إلى أخرى .
مدى البدائل في هذا النوع واسعة نظريا . فالنخبة قد تأتي من جماعات عرقية مختلفة، أو من طبقة اجتماعية مختلفة، أو من مناطق مختلفة من الدولة، و هكذا . و في الشرق الأوسط تكون القيادات الدينية، عادة، أكثر النخب المنافسة تنظيما . ففي معظم أنحاء الشرق الأوسط، نجحت النظم الحاكمة في تجميد أو كبت الاتحادات التجارية، و أهل الفكر، و النقابات المهنية، و جماعات التجار . لكن الجماعات الدينية يكون من الصعب كبتها، فهي تستمد حركتها من تنظيم قائم للجوامع، و شبكة التنظيمات الاجتماعية . و لأن الدين يدخل في نسيج الكثير من حياة المواطنين، قلّة من النظم الحاكمة تبدي استعدادا للحد من النفوذ الديني بشكل صريح . لهذا، أظهر الإسلاميون في السنوات الأخيرة تحديا قويا للنظام في سوريا و مصر و السعودية و البحرين و الجزائر و ليبيا، و السلطة الفلسطينية .
ثالثا : من حكم نخبة ما إلى قاعدة شعبية أوسع .
يحدث هذا عن طريق ثورة شعبية، تقيم نظاما يعتمد على قطاعات واسعة من الشعب، أو على تحوّل نحو الديموقراطية، التي تسمح للمواطن العادي بصوت أعلى في الشئون السياسية، و في اختيار القيادات . في العديد من الحالات قد لا يستتبع هذا تغيّرا في وجوه القادة، و لكن التغيير ينصبّ على المصالح التي يمثلها ذلك القائد . و قد يلجأ القادة من النوعين السابقين إلى هذا السبيل، بالانتماء للحل الديموقراطي، و لكن من أجل الانتصار على النخب المنافسة .

***

كلّ نوع من الأنواع الثلاثة السابقة يحتاج إلى مستوى مختلف من التحليل : النوع الأوّل يكون التحليل شخصيا، ما هي مصادر قوة و ضعف، و المزاج الخاص و أهداف، تلك الشخصية بالتحديد ؟. و في النوع الثاني من القيادات القائمة على النخبة أو الصفوة، يكون التركيز على خصائص عائلة بالتحديد، أو قاعدة قوّة معيّنة . أمّا النوع الثالث، فيقتضي تقدير إمكانات الجماعات المنافسة و برامجها . كيف تختلف النخب الجديدة عن النخبة القائمة . هل لديها أهداف مختلفة، أم تستند إلى مجموعات اجتماعية مختلفة ؟ . ثم ينتقل الكتاب ( التقرير ) مناقشة موضوع تغيير القيادات الحاكمة، في بعض الدول العربية، الصديقة و المعادية للولايات المتحدة، مركزا على مصر و سوريا . فماذا يقول خبراء وزارة الدفاع عن سوريا ؟

الاثنين، ديسمبر ٣١، ٢٠٠٧

مصر في عين المصالح الأمريكية


الإصلاح السياسي في مصر
يمضي إلى الخلف .. و ليس إلى الأمام

و من المفيد الإشارة إلى أن هذا الكتاب ( التقرير ) صدر عام 2004 ، أي منذ أكثر من 3 سنوات، لكن التحليلات التي يتضمّنها ما زالت تحتفظ بأهميتها، بالإضافة إلى أنهال تعطينا فكرة عن الطريقة التي تفكّر بها الإدارة الأمريكية في أوضاعنا، و النوايا التي تحتفظ بها لنا .
ينتقل الكتاب هنا إلى الحديث عن جهود الإصلاح السياسي في الدول ذات الأهمية الاستراتيجية الخاصّة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط : مصر و إيران, و الأردن، و الكويت، و السعودية .. (طبعا باعتبار أن جورج دبليو بوش قد تكفّل شخصيا بعمليات الإصلاح السياسي في العراق التي يحتلّها !!) .

التزوير في الانتخابات المصرية

عملية الإصلاح السياسي المصرية كانت من ناحية المبدأ أكثر منها عملية .. فالديموقراطية تتقدّم من حيث الانتخابات التشريعية التي تتم كل خمس سنوات، غير أن هذه الانتخابات تتميّز بالتدخّل الحكومي في العملية الانتخابية، و بعمليات التزوير و الغش الواسعة . يوجد في مصر 14 حزبا رسميا، لكن القليل منها فقط هو الذي له دلالة سياسية .. و الثابت أنّه ليس بإمكان أي حزب من أحزاب المعارضة، و لا بإمكانها مجتمعة، أن تتحدّى الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم .
و الليبرالية المصرية لها نفس الوجهين، فقد تزايد عدد المنظمات المدنية خلال العقدين الأخيرين، مع انكماش في نطاق حريتها و استقلالها، بفضل السلطة القانونية للدولة التي تحد من نشاطها، و تحجّم فرص اجتماعاتها العامّة . و يدلل لكتاب على هذا بقوله أن جميع العاملين في وزارة الشئون الاجتماعية، و البالغ عددهم 60 ألفا، يجرى حسابهم باعتبارهم أعضاء في منظمات المجتمع المدني !! .
و تقول المحررة أن حرية الصحافة قد تقدّمت، غير أن وسائل الإعلام الكبرى ما زالت تعتمد على الدولة في تمويلها، و في صلاحية ما تعبّر عنه . أمّا عن السلطة القضائية، فقد عمدت الحكومة إلى نقل القضايا الحساسة إلى المحاكم الأمنية و العسكرية، حيث يتاح المزيد من التلاعب .
باختصار، تقول المؤلفة، أن العديد من المؤشرات تفيد أن عملية التوجّه نحو الليبرالية تمر بحالة من الفوضى، فالعديد من الحرّيات تتاح من الناحية النظرية، لكنها تكون محظورة عند التطبيق، بينما يتم إنكار حريات أخرى بشكل تام .

الإخوان المسلمون

على أي حال، و بشكل عام، فإن الإصلاح السياسي في مصر، يبدو أنّه يمضي إلى الخلف و ليس إلى الأمام . فالإصلاح، كان دائما عملية تتم من أعلى إلى أسفل، حيث يحض النظام على الإصلاحات التي تخدم مصالحه الخاصة، بينما يفشل في تبنّي أي إجراءات قد تقود إلى تقليص قبضته القوية على السلطة .
لقد بدا هذا واضحا في بداية تسعينيات القرن الماضي، عندما كسبت الحركة الإسلامية دعما متزايدا في جميع أنحاء مصر .
و أنا هنا أنقل بالنصّ عن الكتاب الذي ظهر عام 2004، و لأقول أن مسحة التعاطف مع الجماعات الإسلامية مصدرها البنتاجون الأمريكي .
" حركة الإخوان المسلمون هي من بين أقدم و أكثر الجماعات الإسلامية خبرة في مصر، و قد استطاعت أن تبني قاعدة دعم سياسي ذات دلالة، رغم أنها غير مسموح لها بتكوين حزب سياسي . و شعبيتها لا تأتي فقط من رسالتها الدينية، و لكن أيضا من تقديمها منافع و خدمات ملموسة لأعضائها، الأمر الذي لا توفّره لهم الدولة . هذه الدرجة العالية من الشعبية تجعل منها المعارضة الوحيدة ذات المصداقية للنظام الحاكم . و تفيد إحدى الدراسات أنه في ظل انتخابات تشريعية حرّة و عادلة، من المحتمل أن يحظى الإخوان المسلمون بأصوات أكثـر من أي من الأحزاب الأخرى، بما في ذلك الحزب الوطني الديموقراطي . و طالما أن الحكومة ستظل خائفة من فقدها للانتخابات، فمن المستبعد أنة تتبنّى أي شكل حقيقي من أشكال تطوير الديموقراطية .." .


الاعتداء على الحقوق المدنية

والحكومة المصرية قد انتهكت أيضا الحقوق السياسية و المدنية، في جميع أنحاء البلاد، و هي مستمرة في التمسّك بقانون الطوارئ، الذي يتيح لها أن تقبض على المشتبه فيهم و تعتقلهم لزمن طويل دون إبداء أي أسباب . و تزعم الحكومة أنها مضطرة للأخذ بهذا النظام لمواجهة الحركات الأصولية الإسلامية، مع العلم بأن تلك التهديدات قد تمت السيطرة عليها منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي . الإصرار على هذا الوضع، يعني أن النظام يسعى إلى منع المعارضة السلمية من التعبير عن نفسها أيضا .
مع استمرار الظروف الراهنة، لا يحتمل أن تستمر الحكومة المصرية في عملية الإصلاح السياسي .

القوى البوليسية و العسكرية

و ليست القيادات السياسية المصرية وحدها هي من يريد الاحتفاظ بسلطته، لكن توجد أيضا القوى البوليسية و العسكرية التي تقوم بحماية النظام، و التي أصبحت لها مصلحة قوية في بقاء النظام على ما هو عليه . و لكن، إذا ما حدث تغيير مؤثّر في الوضع السياسي ( بأن تحدث أزمة اقتصادية كبرى، على سبيل المثال، أو أن يتضاعف إحساس الشعب بالإحباط نتيجة القيود التي يفرضها النظام )، فقد ترغم الحكومة على القيام بإصلاح سياسي، كوسيلة للاحتفاظ ببعض شرعيتها المتآكلة . تقول الدراسة :
النظام السياسي الحالي في مصر يحتاج إلى هياكل قادرة على أن تستجيب للرأي العام، و تستطيع أيضا أن تعمل كوسيط بين النظام و الاختيارات الشعبية .. و إذا ما تصاعدت المعارضة الشعبية، فقد تجد الحكومة المصرية نفسها في وضع محفوف بالمخاطر .


من إيران إلى السعودية

ثم نطرح باختصار وجهة نظر الكتاب في مستقبل الإصلاح السياسي في بعض دول الشرق الأوسط، مثل إيران و الأردن و العربية السعودية .
تقول الدراسة أن إيران تشهد نظاما عجيبا يجمع بين الديموقراطية و الشمولية ! .و في الجانب التنفيذي تتوزّع السلطة بين القائد الديني الأعلى، و بين الرئيس العلماني . و نتيجة لاختيار الرئيس بالانتخاب المباشر، تزيد صلاحياته التشريعية و قدرته في التأثير على القادة العليا . و تقول أيضا أن هذا الوضع يخلق توترا و احتكاكات بين الجانبين .
كما تقول الدراسة " تعتبر إيران من بين أكثر الحكومات ديموقراطية في المنطقة .. و إيران لديها شبكة حيّة و فعّالة من منظمات المجتمع المدني، تتمتّع بتقاليد تاريخية . و رغم أن معارضة مفهوم الدولة الإسلامية يكون مرفوضا تماما، فهذا لا يمنع ظهور مجموعات شبه معارضة، تعارض بعض السياسات بينما تقبل فكرة الحكومة الدينية .." .
و عن الأردن تقول الدراسة أنه رغم تطوّر التقدم السياسي كثيرا منذ عام 1989، إلاّ أن العملية بأكملها تدار من أعلى . و أن الإصلاح السياسي هو استراتيجية لخدمة الملك، و دعم مركزه، مع بقاء فكرة اقتسام السلطة خارج نطاق تفكيره .
أما عن السعودية، فتقول الدراسة أنّها أقل الدول ديموقراطية و ليبرالية في المنطقة . و يواجه النظام ضغوطا داخلية ملحوظة لدفعه إلى تبنّي بعض الإصلاحات السياسية ( و نذكّر أن الكتاب المتضمن لهذه الدراسات ظهر عام 2004، قبل وفاة الملك فهد ) . و تشير الدراسة إلى الخطوات التي اتخذها العاهل الراحل في مايو 1992، بوضع قانون أساسي لكيان و عمل الحكومة لأوّل مرّة، ينسجم مع الأمر الواقع بالنسبة لشرعية الملكية، و الاعتماد على القانون الإسلامي . و ثانيا تشكيل الملك لمجلس الشورى، و الذي يشير الكتاب إلى عدم إمكان اعتباره خطوة نحو الديموقراطية، لأن أعضاء المجلس يتم اختيارهم عن طريق الملك . و رغم ضم بعض عناصر من القطاع الخاص و المجال الأكاديمي، غير أن هذه النخبة لا تمثّل الأغلبية الكبيرة للشعب السعودي . و تشير الدراسة إلى الأصوات المتعالية المنادية بالإصلاح، و تورد نص كلمات أحد الأمراء المهمين، و الذي صرّح، " الحقيقة هي أن الإصلاح ضرورة و ليس اختيارا، و كذلك هي حكومة المشاركة " . ثم تختم الدراسة أقوالها عن السعودية، قائلة أن بعض التقارير تفيد أن دعوة الإصلاح تأتي من كل من العناصر الليبرالية و المحافظة للطيف السياسي السعودي .


ثم ننتقل إلى نقطة هامة من هذه الدراسة، تبحث فيها أمريكا عن قدراتها على تغيير النظم الحاكمة في المنطقة .. و إلى الرسالة التالية

الأحد، ديسمبر ٢٣، ٢٠٠٧

أمريكا ... المؤامرة



منطقتنا يسودها التغيير

و في ختام هذا الفصل من كتاب مؤسسة (راند)، حول المستقبل الأمني للشرق الأوسط، وفقا للرؤية الأمريكية التي تعكس مصالحها، يشير الكتاب إلى توجهات اجتماعية و سياسية استراتيجية عريضة، تعيد تشكيل الشرق الأوسط . و هذه التغيرات ستخلق للولايات المتحدة تحديات جديدة، و في نفس الوقت تحقّق لها فرصا جديدة
و الديموقراطية الحقيقية تبدو بعيدة جدا عن نظم المنطقة، لكن هذا لا يمنع أن مجال الحوار و قوته قد تزايدت، مما يجعل النظم أقل حرية في الأخذ بالسياسات غير الشعبية . كما أن تكوين النخبة ذاته آخذ في التغيّر، نتيجة للأوضاع المستجدة . كذلك تواجه اقتصاديات المنطقة تحديات عديدة.. و ممّا يجعل معدلات النمو الاقتصادي المطّرد صعب التحقّق، الفساد: و القطاع الخاص الضعيف، و هبـوط مستوى نظم التعليم .
إن الفشل في التنمية، عندما يرتبط بتصاعد التوقّعات الشعبية بتحسن في الأوضاع المعيشية ، قد تكون السبيل إلى حالة من عدم الاستقرار المتزايدة في المنطقة .
ترى محررة هذا الفصل، نورا بن ساهيل، أن الشرق الأوسط قد ترك طويلا خارج التوجهات العالمية للتطبيق الديموقراطي . و النظم الشـمولية تبدو حيّة و بصحة موفورة(!) في الدول العربية . و هي تقول " حتّى مصر، التي تعتبر ديموقراطية اسميا، محكومة بحزب واحد يحظر المنافسة السياسية، و يفرض قيود مشددة على حرية الحديث و التجمّع .." . و هي تقول أن الحريات الجزئية التي سمحت بها بعض دول المنطقة، لم تصل بها إلى تحدّي انفراد النظام الحاكم بالسلطة
وجهان للإصلاح السياسي

تقول محررة هذا الفصل، أن الإصلاح السياسي مصطلح عام، يتضمّن عمليتين منفصلتين، و إن كانتا مترابطتين .. التحوّل إلى الديموقراطية، و التحوّل إلى الليبرالية .
التحوّل الديموقراطي
يستلزم التوسّع في إرساء الهياكل الرسمية لمشاركة المواطنين
و الانتخابات هي أحد أكثر مكونات التحوّل الديموقراطي أهمية . و للديموقراطية صلة أخرى بالمواطنة، فهي التي تحدد من الذي يمكنه أن يشارك في الانتخابات . غير أن الانتخابات الحرّة لا تكون لها قيمة كبيرة إذا ما حرم المواطن من حق تبادل المعلومات، و من حق الارتباط مع الآخرين في جماعات يجمعها هدف واحد .
التحوّل الليبرالي
هو هذا الركن الثاني من عملية الإصلاح السياسي، و هو يركّز على الحقوق المدنية و السياسية للمواطنين
و تقول المحررة أن الليبرالية و الديموقراطية بشكل عام في الشـرق الأوسط، لا تتحققان في نفس الوقت . فالنظم المستجيبة للضغوط الخاصّة بالإصلاح السياسي، غالبا ما تختار التوجّه إلى الليبرالية بحرص و بشكل بطيء، بينما تتلكّأ في البدء بتطبيق الديموقراطية .

المصالح الأمريكية المتضاربة


تضيف المحررة أن الولايات المتحدة لها مصالح متعددة في الإصلاح السياسي بالشرق الأوسط، لكنها في نفس الوقت متضاربة . و يأتي التناقض في المصالح كنتيجة للآفاق الزمنية المختلفة . ثم هي تفسر ما تعنيه بالآفاق الزمنية، بقولها أن الإصلاح السياسي يمكن أن يخدم مصالح الولايات المتحدة جيدا على المدى البعيد، و لكن على المدى القريب يحتمل أن يكون له تأثيران سلبيان : فهو قد يقود إلى عدم استقرار في المنطقة، كما أنه يمكن أن يجعل الأنظمة الحاكمة أكثر حساسية بالنسبة لموضوع التعاون مع الولايات المتحدة، خاصّة في الجانب الأمني من التعاون .
من المنظور قصير المدى قد تبدو مصالح الولايات المتحدة مختلفة
أولا : ما تقوله دراسات مهمة، يفيد أن " الدول الداخلة في عملية التحوّل الديموقراطي، يغلب أن تجد نفسها داخلة في حروب، بعكس الدول الناضجة ديموقراطيا، أو الأتوقراطية المستقرّة ( التي يحكمها فرد ) " ..
ثانيا : الإصلاح السياسي قد يزيد من عدم الاستقرار الداخلي، نتيجة للسماح بالتوسّع في التعبير عن الرؤى السياسية المختلفة، من المنادين بالقومية العربية أو السياسات الإسلامية إلى دعاة المزيد من التحرر الليبرالي .. و هذا قد يدفع النظام الحاكم إلى أن يصبح أكثر تشددا للتعبير عن قوّته في وجه المعارضة .
ثالثا : مع تزايد إحساس المواطنين بحقّهم في التعبير عن آرائهم بشكل أكثر تأثيرا، قد تصبح الأنظمة الحاكمة أكثر عدوانية إزاء السياسات الأمريكية، ممّا قد يضطرّها إلى تخفيض تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يمكن أن يعقّد خطط و عمليات الولايات المتحدة في المنطقة .


ضغوط من أجل الإصلاح السياسي


معظم دول الشرق الأوسط تعاني من عدة مشاكل اقتصادية و اجتماعية، تشكّل ضغوطا من أجل القيام بإصلاحات سياسية . و يمكن تصنيف هذه الضغوط في ثلاثة أقسام متبادلة التأثير : تحديات اقتصادية، و مؤشرات سكانية، و أخيرا الشفافية و الفساد .
التحديات الاقتصادية :
جميع اقتصاديات الشرق الأوسط تقريبا تعتمد على البترول . السعودية و دول الخليج تعتمد على عوائد إنتاج البترول و بيعه في السوق العالمية . أمّا الدول التي ليس لها مخزون ضخم، مثل مصر و اليمن، فهي تعتمد على الأموال التي يحوّلها العاملون في الدول المنتجة للبترول .. و هكذا فإن انخفاض أو زيادة سعر البترول يشكّل تحديا اقتصاديا للفصيلتين .
التوجهات السكانية :
تشهد دول الشرق الأوسط مستويات مرتفعة من التزايد السكاني، و يقول التقرير أن نسبة عالية من سكان هذه الدول من الذين تقل أعمارهم عن 14 سنة، و ستصبح المشكلة السكانية أكثر خطورة عندما يدخل هذا الجيل إلى مجال العمل .
الشفافية و الفساد :
أحد أكبر مصادر الشكوى العامة في حكومات المنطقة، نقص الشفافية من جانب الصفوة الحاكمة، الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام الفرص الواسعة لانتشار الفساد .
و لمّا كانت سلطة اتخاذ القرار مركّزة في يد القيادات العليا للنظام الحاكم، كأن يكونوا قد وصلوا إلى هذا لكونهم من سلالة العائلات الملكية، و ليس لمؤهلاتهم الشخصية . كما أن المواطنين لا يتاح لهم سوى القليل من آليات إلزام القيادات بالمسئولية عن أفعالها .
و في معظم نظم المنطقة يعتبر الفساد جزءا من الحياة اليومية . و النسبة العالية من تدخّل النظم الحاكمة في النشاط الاقتصادي، تفتح الباب واسعا أمام الفساد، الذي يتراوح بين محاباة الأقارب و المعارف في الوظائف و الفرص، إلى الرشاوى الصريحة التي يستلمها الموظفون العموميون . القليل من دول المنطقة هي التي تصدّت لحل هذه المشكلة، و السبب هو أنها أصبحت متعمقة الجذور في الحياة الاقتصادية اليومية .
و الفساد، يمكن أيضا أن يضاعف الإحباط تجاه الأوضاع الاقتصادية التي أشرنا إليها، لأنّه يجعل الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، و أكثر تكلفة، في الوصول إليها

استجابات النظام المحتملة

كل نوع من أنواع المشاكل التي أشرنا إليها، يحمل في ثناياه احتمال إحداث ضغوط في مواجهة القيام بالإصلاح السياسي . كما أن التوجهات التي في كل قسم، قد تصبح متبادلة التأثير . و الأداء الاقتصادي الفاتر يقود إلى إحساس شعبي بالإحباط تجاه قيادات النظام . كما أن النمو السكاني يجعل هذه المشاكل الاقتصادية أكثر صعوبة عند تصدي القيادة للحفاظ على مستوى المعيشة، فضلا عن الارتفاع بهذا المستوى .. و نفس المصاعب تنتج عن انتشار الفساد .
هذه الإحباطات تجعل من الأكثر احتمالا تولّد مطالبات بالإصلاح السياسي، التي تسمح للشعب بأن يحظى ـ على الأقل ـ ببعض القدرة على المشاركة بالرأي عند اتخاذ القرار

و الأنظمة الحاكمة يمكن أن تستجيب لهذه المطالب بطريقتين :


· يمكن للنظام الحاكم أن يزيد من المشاركة الشعبية، لامتصاص السخط النامي

· أم يعمد إلى مضاعفة ما يمارسه من قسر و إرغام


و العديد من دول الشرق الأوسط عمدت إلى استراتيجيات تستخدم مزيجا من الموقفين، القيام بإصلاحات سياسية محدودة، مع التصدّي للمعارضة التي تتجاوز الحدود التي اختارها النظام . و يتساءل التقرير إذا كان من الممكن أن يستمر اعتماد النظم الحاكمة على هذه الاستراتيجية .

و إلى الرسالة التالية .. لنرى معايير الإصلاح السياسي في منطقتنا، كما تتصوره أمريكا وفقا لمصالحها

الخميس، ديسمبر ١٣، ٢٠٠٧

أمريكا .. المؤامرة !



6

مصــــالح أمريكــــــية

في الشـــرق الأوســـط



أوّلها مواجهة الإرهاب
بعد أحداث 11 سبتمبر


السؤال الحرج المطروح حاليا هو : هل يجب على الولايات المتحدة أن تشجّع الاستقرار السياسي بالإبقاء على الأوضاع الحالية، أم يجب عليها أن تشجّع الإصلاحات الديموقراطية ؟ .. هذا هو السؤال الذي يتصدّى له المؤلفان نورا بن ساهيل و دانييل بايمان، في كتابهما الصادر عن (راند) التابعة للبنتاجون الأمريكي، و المخصص للبحث عن مستقبل بيئة الأمن في الشرق الأوسط .
يقول الكتاب أن الخبرات السابقة للتحوّل إلى الديموقراطية، في حالة الاتحاد السوفييتي السابق، و في غيره من الدول، تفيد دخول هذه الدول في صراع مع جيرانها . كما أن الديموقراطية في الشرق الأوسط قد تفتح الباب للحركات القومية و الأصولية، المعادية للمصالح الأمريكية .
مساندة النظم التقليدية، تحت شعار الاستقرار، أشاع مشاعر الكراهية تجاه أمريكا في المنطقة . و مع ذلك، ستحتاج الولايات المتحدة في المستقبل المزيد من شرح سياستها للمواطنين العاديين، و إلى الموازنة بين احتمالات التطبيق الديموقراطي، بما يحمله من معه من عدم استقرار، و خسارة حلفاء أساسيين في المنطقة .

الشرق الأوسط .. بيئة أمنية معقّدة

يقول محررا الكتاب، نورا بن ساهيل، و دانييل بايمان، أن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط قد أصبحت معقّدة بشكل متزايد منذ بدايات تسعينيات القرن الماضي، في ظل مخاوف مزدوجة، من عدوان محتمل لقوة العظمى، أو عدوان من دولة جارة أخرى .
و هما يقولان " يحاول هذا التقرير التعريف بالمؤشرات التي يحتمل أن تشكّل أمن المنطقة، و انعكاساتها على الولايات المتحدة ". و قد أفردت مقدمة الكتاب للتعريف بالمصالح القومية الأمريكية في المنطقة، و التهديدات المحتملة لتلك المصالح . و يحدد التقرير ست مصالح هامة و حيوية بالنسبة للولايات المتحدة، في الشرق الأوسط.
هذه المصالح الأمريكية هي بالترتيب التالي
أولا : التصـدّي للإرهـاب
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، تصاعدت أولوية مواجهة الإرهـاب إلى قمّة اهتمامها، فيما يتصل بالشرق الأوسط . فالقاعدة و غيرها من التنظيمات الأصولية الإسلامية، اعتمدوا بشدة على العالم العربي و الإسلامي في تجنيد العناصر، و تمويل النشاط . بالإضافة إلى أن الكثير من أعمال عنفهم و دعاياتهم تنصب على زعزعة النظم الشرق أوسطية الصديقة للولايات المتحدة . لذا يكون على الولايات المتحدة أن تواجه هذه التهديدات التي تتعرّض لها الدول الصديقة : على المستوى الحكومي، عن طريق مساعدة شركائها الإقليميين في تأمين أنفسهم في مواجهة جهود زعزعة الاستقرار عن طريق الإرهابيين، و على المستوى الشعبي، لضمان عدم انضمام العناصر الوطنية في السعودية و مصر و اليمن، و غير ذلك من دول المنطقة إلى الجماعات الإرهابية، أو مساعدتها ماديا أو بأي وسيلة .
ثم يحذّر التقرير من إيـران، التي تساعد الأصوليين في المنطقة، في محاولة لنشر ثورتها الإسلامية . و أيضا لارتباطها بالهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة في لبنان، و في أبراج الخبر بالسعودية، و بمساندتها للجماعات المعادية لإسرائيل مثل حزب الله اللبناني، و الجهاد الإسلامي الفلسطيني .
ثانيا : التصدّي لأسلحة الدمار الشامل
الولايات المتحدة لها مصلحة قوية في منع ـ أو على الأقل تنظـيم ـ انتشار الأسلحة النووية و البيولوجية و الكيميائية . باعتبار أن انتشار هذه الأسلحة يشكّل خطرا على شركاء أمريكا في الخليج، و على إسرائيل، والقوات الأمريكية بالمنطقة
و استخدام أسلحة الدمار الشامل ليس تهديدا افتراضيا، فقد شهدت الحرب الإيرانية العراقية الاستخدام المتكرر للأسلحة الكيميائية، على يد العراق، و أحيانا على يد إيران ( لقد نسي التقرير أن الولايات المتحدة هي التي زوّدت صدام حسين بالأسلحة الكيميائية ! ) . و يصرّ التقرير على تكرار القول بأن حرب 2003 ضد العراق كانت مبررة، و من أجل منع صدام من المزيد من تطوير برامج أسلحه الدمار الشامل ( لقد اعترفت المصادر الأمريكية بزيف ذلك الادعاء، ربما في تاريخ لاحق لكتابة هذا التقرير) .
ثالثا : أسعار و إمدادات بترول مناسبة
ستظل لبترول الخليج أهميته على مدى السنوات العشر القادمة ، السعودية وحدها تمتلك ربع مجموع رصيد بترول العالم . و العراق لديها ثاني أكبر مستودعات نفط في العالم، و هي تنتج حاليا 10% من المجموع العالمي . و لكن، مع نهاية هذا العقد، يمكن بسهولة مضاعفة تدفّق البترول العراقي المنتظم، أو حتّى رفعه إلى ثلاثة أضعاف الإنتاج الحالي، في ظل الاستثمارات الأجنبية الكافية ( هل وضحت الآن الأسباب الحقيقية لحرب أمريكا على العراق ؟ ) .
رابعا : ضمان استقرار النظم الصديقة
بالإضافة إلى الروابط طويلة العمر بين الولايات المتحدة و إسرائيل، فإنها قد طوّرت علاقات وثيقة مع عدة دول في المنطقة . بعد حرب الخليج عام 1991، ضخّمت الولايات المتحدة ـ و أحيانا اصطنعت ـ ارتباطات أمن مع السـعودية و الكويت و الإمارات و البحرين و قطـر و عمان . كما حاولت الولايات المتحدة تنمية علاقاتها بالأردن و مصر و المغرب، باعتبارها أصوات عربية معتدلة، مستعدة للتعاون معها في حربها على الإرهاب، و الموافقة على أجندة الولايات المتحدة في العديد من الموضوعات .
خامسا : ضمان أمن إسرائيل
إسرائيل دولة ديموقراطية منحازة للغرب، في منطقة مضطربة، و قدرتها العسكرية و الاستخبارية فوق مستوى المنافسة، ممّا يرفع قدرها في محاربة الإرهاب، و بشكل عام مستعدة للرد على أي تهديد عسكري في المنطقة . بالإضافة إلى أن الكثير من الأمريكيين يساندون إسرائيل بشدّة، معتبرين أمنها موضوعا سياسيا هاما بالنسبة لأي إدارة . و لا شك أن العنف المتواصل في أراضي إسرائيل و فلسطين قد ساهم في المشاعر المعادية لأمريكا في المنطقة .
و الولايات المتحدة لها مصلحة في خفض مستوى العنف على المدى القريب و المتوسّط، و أيضا في الوصول إلى حلول طويلة المدى للصراع العربي الإسرائيلي .

سادسا : تعزيز الديموقراطية و حقوق الإنسان
الولايات المتحدة لها اهتمامات عالمية و واسعة بالديموقراطية و حقوق الإنسان، التي لها تأثيرها على نشاط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط . و مع ذلك فإسرائيل هي الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة . السعودية ـ على سبيل المثال ـ ليس بها صحافة حرّة، أو انتخابات حرّة، و النساء السعوديات تواجهن تنوّعا من القيود في سفرهن و توظيفهن و حياتهن اليومية .
حتّى مصر، التي كان لديها برلمانها على مدى عشرات السنين، قد وضعت قيودا على النشاط السياسي المنظّم، و على حرّية الحديث، و لديها العديد من المعوقات ديموقراطيا . و على حدّ قول مورفي و جاوس "هناك إحساس ملحّ في الشرق الأوسط، مفاده أن الولايات المتحدة لا تدعم الديموقراطية في المنطقة، و لكنها تدعم ما هو من صالحها استراتيجيا، و تصفه بالديموقراطية "، (وأنا أجد قولهما أمينا و صادقا) .
و بالرغم من أن حقوق الإنسان و الديموقراطية، ليسا من المصالح التي تسعى الولايات المتحدة بشكل نشيط لفرضها أو لحمايتها في الشرق الأوسط، فهما من الاهتمامات العامة، التي قد تعوق محاولات الولايات المتحدة للدفاع عن مصالحها الأخرى .
نري هذا بوضوح أكبر في استعراضنا لباقي أجزاء هذه الدراسة، من خلال الرسائل التالية