الجمعة، فبراير ٢٢، ٢٠٠٨

أمريكا .. الأمل

منتدى مستقبل أمريكا

القوّة الخطأ

من العنف و الثروة..إلى المعرفة

لقد شرحت أكثر من مرّة طبيعة التغيير الذي تحدثه التكنولوجيات الابتكارية الكبرى، كالآلة البخارية، و التكنولوجيا الكهروميكانيكية في عصر الصناعة، و الكمبيوتر و أقمار الاتصال و المستحدثات الرقمية في عصر المعلومات . و بينت كيف تقود التكنولوجيا السائدة إلى نظم حياة جديدة، تختلف ـ بل تتناقض ـ مع النظم النابعة من التكنولوجيات السابقة .
خير مثال لتوضيح ذلك، التعرّف على طبيعة القوة السائدة التي يعتمد عليها المجتمع .
الولايات المتحدة تعرّضت لنكوص شديد في هذا المجال نتيجة لإلحاح مصالح كبار تجّار السلاح . و لكي نفهم تطور وسائل القوّة مع تطور المجتمع البشري، يمكن أن نستفيد من الطرح المبدع الذي قام به الكاتب المستقبلي الأمريكي ألفن توفلر، في كتابه " تحوّل القوّة "
قرن الغزال و الصاروخ

يقول توفلر أن القوّة، أيا كانت طبيعتها، تكون متباينة في قدرها.. إلى أن يقول " في ظلّ الصراعات القاسية التي لن تلبث أن تجتاح مؤسساتنا و مدارسنا و مستشفياتنا، و مشروعاتنا الاقتصادية، و اتحاداتنا التجارية، و حكوماتنا .. في ظل هذه الصراعات لن يصل إلى أهدافه الاستراتيجية إلاّ أولئك الذين يدركون نوعية القوّة السائدة في المجتمع الذي يعيشون فيه .." .
و لا ينكر أحد أن العنف سواء جاء من خنجر قرن غزال، أو صاروخ نووي، يمكن أن يحقّق نتائج هائلة واضحة الأثر . إلاّ أن العنف ـ كنوع من أنواع القوّة ـ يتّصف بنقيصة أساسية، حتّى في الأحوال التي ينجح فيها في تحقيق أهدافه . و السرّ هو أنه يولّد مقـاومة، تجعل ضحاياه يتربصون أول فرصة للأخذ بثأرهم . و من أكبر عناصر الضعف في العنف كمصدر للقوّة، عدم مرونته، إذ أنه يستخدم للعقاب فقط . لهذا، يعتبر نوعية متدنية من أشكال و أنواع القوّة .
و من ناحية أخرى، تعتبر الثروة كمصدر للقوّة، أداة أفضل إلى حدّ بعيد . فأنت بالمال الذي تملكه تستطيع أن تعاقب و تثيب و تكافئ أيضا . لذا، فالثروة أكثر مرونة، و إن كانت قوّة من نوعية متوسّطة
قوّة المعرفة

أمّا أعلى نوعيات القوّة، فهي التي تستمد من تطبيق المعرفة . فالنوعية العالية من القوّة، ليست هي تلك التي تقف أمام إرادة الآخرين، لكنها التي تجعل الآخرين يفعلون ما تريده أنت، حتّى إذا كانوا يميلون إلى تصرّف آخر .
و يمكن وصف القوّة بأنّها عالية، إذا كانت أكثر كفاءة، أي إذا كانت تستخدم أقل موارد و مصادر قوّة في تحقيق الهدف . و المعرفة كقوّة، يمكن أن تستخدم بكفاءة ـ في أغلب الأحيان ـ لتجعل الطرف الآخر يميل إلى سبيلك الذي اخترته للحركة .
و من بين مصادر التحكّم الاجتماعي الثلاثة، تعتبر المعرفة أكثرها خصوبة و تنوّعا، فهي تستخدم في العقاب و المكافأة و الإلحاح و الإقناع .. و أيضا في التحويل و التبديل . بإمكان قوّة المعرفة أن تحوّل الأعداء إلى أصدقاء . و باستخدام المعارف السليمة و المناسبة يمكن للإنسان أن يواجه المواقف السيّئة، متجنّبا تبديد قوى العنف و الثروة . هذا بالإضافة إلى أننا ـ باستخدام قوّة المعرفة ـ يمكن أن نضاعف قوتي العنف و الثروة .
المعنى الأوسع للمعرفة عند ألفن توفلر يتضمّن المعلومة المصنّفة، و البيانات، و الصور، و الرؤى، بالإضافة إلى المواقف و القيم،و غير ذلك من النتاج الرمزي للمجتمع، سواء كانت (صادقة)، أم (تقريبية)، أم حتّى (كاذبة) . ذلك لأن هذا كلّه يجري استخدامه و الاستفادة منه على أيدي الباحثين عن القوّة، كما كان الشأن دائما . و هو يدخل أيضا في اصطلاح " المعرفة "، وسائل الاتصال التي تشكّل بدورها الرسائل التي تشيع في وسائل الإعلام .
و المعرفة، بالإضافة إلى مرونتها الكبيرة، لها من الخصائص الأخرى ما يجعلها مختلفة بشكل جذري عن غيرها من مصادر القوّة، في عصر المعلومات . فقوّة القسر و الإرغام و العنف، و قوّة المال و الثروة، تتسم جميعا بأنّها محدودة .. فهناك حدّ لمدى العنف الذي يمكن استخدامه، قبل أن نحطّم ما نسعى إلى اقتناصه أو الدفاع عنه ( أنظر ما فعلته إدارة بوش في العراق ! ) . و يصدق الشيء نفسه على الثروة، فالمال لا يمكن أن يشتري كلّ شيء، و عند حدّ معيّن تفرغ حتّى أكثر الجيوب انتفاخا بالنقود( انظر الميزانية الأمريكية بعد عدة سنوات من حكم بوش الابن ) .
و الحال على عكس ذلك مع المعرفة، فسيظل دائما بالإمكان أن نسعى لتوليد المزيد منها

الحلف الشيطاني

ما تفعله الولايات المتحدة حاليا، هو استخدام القوّة الخطأ، في الزمن الخطأ . و تعود هذه النكسة الحضارية إلى الحلف الشيطاني المنعقد بين رؤوس الأموال الكبرى في السلاح و البترول و المقاولات، و أيضا الدواء، و بين مجموعة اليهود و أتباع المسيحية الصهيونية الذين يطلقون على أنفسهم اسم المحافظين الجدد . كانت بذرة ذلك الحلف القاتل في عصر ريجان، و كان ميلاده الواقعي في عصر بوش الأب، الذي قال للصحفيين و هو يتأهّب لحرب الخليج " لقد انتهينا من ترتيب البيت الأمريكي داخليا، و سنبدأ في ترتيب العالم ! .." . ثم كانت الخطيئة الكبرى لذلك الحلف في عصر جورج دبليو بوش، الذي أسلم نفسه لعملية غسيل المخ الكبرى، التي بدأت به هو شخصيا .
لقد غرقت الإدارة الأمريكية في ذلك المخطط الجهنمي، الذي وقف ضدّه معظم قادة الدول، و جميع شعوب العالم، و العناصر الواعية في الشعب الأمريكي .. و الأهم من ذلك كلّه، هو وقوف واحد من قيادات ذلك الحلف في وجه ما يجري، و إدانته لحرب العراق، و عدم موافقته على ولاية ثانية لبوش .. و كان ذلك هو فرانسيس فوكوياما، من أهم القيادات الفكرية للمحافظين الجدد، و صاحب الكتاب الشهير " نهاية التاريخ "، بمناسبة سقوط الاتحاد السوفييتي، و بداية ما يطلق عليه أحادية القطب .
لقد أفاق فوكوياما من حلم الانفراد بالقوّة، فرفض أكاذيب الإدارة الأمريكية حول واقع عملية غزو العراق، و في المعركة الكلامية الدائرة بينه و بين أكثر جماعة المحافظين الجدد رجعية، تشارلز كراوتهامر، يقول " .. ربما كنت أغفر الكثير لو أن أحدا من هؤلاء الذين كانوا أشد المدافعين عن الحرب، قد أظهر أي نوع من إعادة النظر، و التأمل فيما حدث .. أو أبدوا معرفة بوجود إشكالية فيما أوصوا به . كراوتهامر لم يفعـل هذا، و لا فعله الرئيس بوش .. و أرى في هذا خللا كبيرا ..المحافظون الجدد يقفون اليوم أمام احتمالين : إمّا أن يتكيفوا مع الحقائق المتغيرة على أرض الواقع، أو يواصلوا الوقوف إلى جانب مجموعة المبادئ الجامدة التي يؤمنون بها .. و اختيارهم سيحدد هل ستموت حركتهم أم تواصل البقاء ..".

و في الرسالة التالية نتكلّم عن الخطأ الثالث ..

الطاقة الخطأ

السبت، فبراير ١٦، ٢٠٠٨

أمركا ... الأمل

منتدى مستقبل أمريكا
لماذا لا ؟

نعم .. منتدى لمستقبل أمريكا .. لماذا لا ؟، ألم تفرض علينا أمريكا طوفانا من المنتديات و المؤتمرات، في محاولة لرسم واقع جديد يخدم مصالحها، تحت شعار الإصلاح السياسي ؟ ..
المسألة ليست مزحة، أو " قافية " منتديات . كما أن نيتنا في تقديم النصائح لأمريكا، أمينة و صادقة، و ليست كمناورتها، فنحن نحبّ الشعب الأمريكي، و نشفق عليه من الهوّة التي تسوقه إليها قياداته السياسية و الفكرية .. لكن، هذا التزيّد من جانبنا، لا يعني بأي حال من الأحوال، أن أحوالنا في العلم العربي، و في مصر بالتحديد،لا تحتاج إلى عمليات إعادة بناء شاملة، وفق رؤية مستقبلية، تستند إلى تقييم أمين للواقع الحالي، و إلى إدراك لطبيعة الحياة التي يمضي إليها البشر وفقا لمتطلبات مجتمع المعلومات و المعرفة..و لكن، هذه قصّة أخرى، مجالها موقع "مستقبليات".

سنرى معا، فيما يلي من حديث كيف قادت مصالح كبار الأثرياء إلى مضي أمريكا في طريق:

· الديموقراطية الخطأ

· القوّة الخطأ
· الطاقة الخطأ
و سنكتشف عمق إصابة الحياة الأمريكية بداء ( الشيزوفرينيا ) أو انفصام الشخصية

أولا : الديموقراطية الخطأ
أمر غريب ! .. رغم أن الإدارة الأمريكية لا تملّ إسداء النصائح الديموقراطية لدول العالم فأوّل بند في "منتدى مستقبل أمريكا" سيكون إقامة نظام ديموقراطي حقيقي في الولايات المتحدة الأمريكية .. فالواقع يقول أنها لا تعرف الديموقراطية، و أن ما تمارسه ـ بكل الضجة و الإنفاق و التزوير ـ لا يمكن اعتباره السبيل إلى الديموقراطية، أو يدخل ضمن أشكال ديموقراطيات التمثيل النيابي التي ابتدعها عصر الصناعة، و بداهة لا يمت بصلة لأشكال الممارسة الديموقراطية التي تنسجم مع متطلبات مجتمع المعلومات، مثل ديموقراطية المشاركة، أو الديموقراطية التوقّعية .
النظام السياسي للولايات المتحدة ليس ديموقراطية نيابية ـ كما يظن الجميع ـ بل "بلوتوقراطية "، أي ديموقراطية كبار الأثرياء . و قاموس الديموقراطية يقول " البلوتوقراطية تعني نظام حكومي، يكون فيه الثراء هو الأساس الرئيسي للسلطة، و الكلمة مشتقّة من كلمة ( بلوتاس ) الإغريقية و التي تعني الثروة " .
روبرت روثنبيرجر، صاحب كتاب (ما بعد البلوتوقـراطية – ديموقراطية حقيقـية لأمريكا ) يقول " معظم الأمراض الأمريكية العديدة، السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، مصدرها و عامل تعميقها.. أنّها دولة بلوتوقراطية تحكمها القلّة الثرية، التي تمارس سيطرة دائمة على القوّة و الثروة."، إلى أن يقول أن الخدمة الكبرى التي قدّمها الشكل التمثيلي للأغنياء، هي أنهم في الوقت الذي يرفضون فيه الديموقراطية، يبدون كديموقراطيين ! . . أمّا الكثرة أو الأغلبية المستبعدة فهي منقسمة على نفسها بآلاف الطرق، تستجدي الحكومة الصمّاء أن تدخل احتياجاتهم و اهتماماتهم في حساباتها : حقوق الأقلية، و حقوق المرأة، أمانة المؤسسات و الشركات، أخلاقيات الإعلام، حماية البيئة، و توازن حقيقي بين المصالح .. و هو يركّز في كتابه على خلق مواطنة حقيقية، تضم مواطنين يمارسون الديموقراطية الحقيقية .
خطورة هذا الوضع تكمن في سيطرة كبار الأثرياء على كل شيء . هم الذين يموّلون معظـم أو أهم من يتقدمون لعضوية المجالس النيابية، و هم الذين يموّلون أطراف حملة الرئاسة الأمريكية من الجمهوريين أو الديموقراطيين على السواء، لكي يتاح لهم أن يستردوا مئات و آلاف أضعاف ما أنفقوه، بموافقة الرئاسة و الكونجرس، على شكل مشاريع، و تخصيصات في الميزانية يستفيد منها نشاطهم .
و في هذا يقول المفكّر الأمريكي نعوم تشومسكي وسط حملة انتخابات الرئاسة الأخيرة : لا تفعل الحملة الرئاسية للولايات المتحدة سوى أن تشير إلى العجز الديموقراطي الحاد في أقوى دول العالم . فبإمكان الأمريكيين أن يختاروا بين اثنين من أعضاء أكبر حزبين، ولدا في أحضان الثروة و السلطة و السياسة، و درسا في نفس جامعة النخبة الأمريكية، و انضما إلى نفس المجتمع السرّي الذي يفرض على أعضائه أسلوب و وسائل الحكم . و هما يستطيعان الدخول إلى هذه المنافسة بفضل تمويل كلّ منهما على يد نفس قوى المؤسسات الاقتصادية .. إن السخرية التي لا مفرّ منها، هي أن الولايات المتحدة التي طالما انهمكت ( في الدعوة لبناء الديموقراطية ) في أنحاء العالم، أصبحت في أشد الاحتياج إلى أن تسعى إلى إعادة إحياء الديموقراطية داخلها

البحث عن عدو

ميزانيات الدفاع الضخمة التي وصلت إلى 344 بليون دولار ( بليون أي مليار أو ألف مليون )، جعلت الكاتب بن كوهين، يقول في الإنترنيت ـ ساخرا ـ تحت عنوان " مطلوب عدو يبرر 344 بليون دولار كميزانية حرب ! " .. لماذا يحتاج البنتاجون هذه الميزانية، التي تبلغ ثلاثة أضعاف مجموع ميزانيات الحرب في روسيا و الصين، و أعداء أمريكا المحتملين ( كوبا، إيران، العراق، ليبيا، كوريا الشمالية، السودان، و سوريا ) ؟ .. و لماذا تريد الحكومة الفيدرالية أن تنفق 344 بليون دولار على البنتاجون، بينما هي تنفق حاليا ما لا يتجاوز 42 بليون دولار على التعليم، و 26 بليون دولار على المساكن، و بليون واحد على بناء المدارس ؟ . و يواصل قائلا .. في بلدنا، أغنى دولة في العالم :
أولا : يتعلّم 14 مليون طفل في مدارس تحتاج بشدّة إلى تجديد و إحلال .
ثانيا : في اختبار عالمي احتلّ تلاميذ الصف الثامن المكانة 18 في الحساب، و 19 في العلوم، وهو دون مستوى سلوفينيا، و سنغافورة، و المجر، و غيرهم .
ثالثا : معدّل فقر الأطفال يزيد عن 15 %، ممّا يعني أن طفل من كل ستة أطفال يعيش حياة فقر .
رابعا : أكثر من 40 مليون أمريكي، بما في ذلك حوالي 10 ملايين طفل، لا يتمتّعون بأي تأمين صحي
أعلى نسبة مساجين

و من ناحية أخرى، يقول مايكل تونري، أستاذ القانون المرموق، في كتابه (التفكير في الجريمة)، أن الولايات المتحدة فيها أعلى نسبة من مواطنيها في السجون، بالنسبة لأي دولة على الأرض، ومعدّل الموقوفين و المسجونين أعلى من نظيره في الدول الأوربية بما يصل إلى 12 مرّة . و يقول الأستاذ تونري أنه خلال العقـود الثلاثة الماضية، زاد عدد الأمريكيين في السجون بنسبة700%. لقد تجاوز معدّل الزيادة في المسجونين معدّل الزيادة في السكان بمراحل .
و هو يضيف : نظام عدالة المجرمين في الولايات المتحدة يفتقد العدالة و النظرة المسئولة . إنه فقط يخدم طموح الإدّعاء .. إن العدالة في مجال الجريمة بأمريكا تعمل كما كان يحدث في عصر ستالين من عمليات اكتساح الطرقات، التي يصبح فيها المواطنون قليلي الحظ : أعداء الشعب لمجرّد اعتقالهم
اللعنة الأمريكية الجديدة

في مايو 2005، كتب بول كروجمان في ( النيويورك تايمز ) يقول : الناس الذين يديرون شئون أمريكا حاليا، ليسوا محافظين .. إنّهم أصوليون، الذين يريدون أن يمضوا بعيدا عن النظام الاقتصادي الذي لدينا، و الأزمة المالية التي يدبرونها، قد توفّر لهم المبررات التي يريدونها
إلى أن يضيف : في دولة و ثقافة تقع فريسة مثل هذه القلّة الضئيلة تموت الديموقراطية . التجربة الأمريكية العظيمة لن تنتهي بسبب عجز داخلي، و لكن عن طريق استراتيجية محبوكة جيدا أرسى أصولها ( المحافظون الجدد )، لكي يحل محل تلك التجربة شيء أشبه بإقطاع العصور الوسطى، إنّما جرت صياغته بمنطق عالم التكنولوجيا المتفوّقة
و تقول شادية دراري في مجلّة ( فري انكوايري ) أن المحافظين الجدد ينسجمون تماما مع وجهة النظر التي تقول أن البشرية أكثر شرّا من أن تطلق لها حرّيتها .. الكثير من البهجة و المسرات تعتبر خطيئة، و المعاناة أمر طيّب لأنّها تجعل الإنسان يصيح طالبا الخلاص من الله . و مع وجود المحافظون الجدد و دعاة الحقّ المسيحي في السلطة، فعلى الأمريكيين أن ينسوا البحث عن السعادة، و أن ينتظروا الحروب الدائمة، و الموت، و الكوارث
و إلى الرسالة التالية لنستعرض الخطأ الكبير الثاني الذي ترتكبه الرأسمالية .. نعني بذلك

القوّة الخطأ

الأربعاء، فبراير ٠٦، ٢٠٠٨

ذرائع التحرّش الأمريكي



من النظم المعادية، إلى الدول غير المستقرّة

ثم أخيرا تقليعة :عدم التأكّد الاستراتيجي

لم يكن " مشروع القرن الأمريكي الجديد "، أو ( باناك )، كافيا لتلبية مطامع كبار أثرياء السلاح و البترول و المقاولات، الذي يحكمون الولايات المتحدة فعلا ؟ .. و كما لم تحقق تجارب التدخّل الحالية للإدارة الأمريكية في أفغانستان و العراق ذلك النجاح، الذي كا من الممكن يغريها بالدخول في مغامرات شاملة لإخضاع دول العالم جميعا.. الأصدقاء قبل الأعداء ؟! .. الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي كان يرسم أبعادها في البنتاجون دونالد رامسفيلد، تضمّنت تحولا أساسيا: من ملاحقة الدول المعادية، أو محور الشر كما يحلو لبوش أن يقول، إلى ملاحقة الدول ذات الأنظمة غير المستقرّة .
يقول مايكل تشوسادوفسكي، في دراسة له صادرة عن ( مركز أبحاث العولمة )، حول هذه الجزئية " بينما كانت سياسة الحرب الاستباقية تصوّر العمل العسكري باعتباره ( وسيلة دفاع عن النفس )، ضد الدول التي توصف بأنها ( معادية ) للولايات المتحدة، فإن سياسة البنتاجون الجديدة تصوّر احتمال التدخّل العسكري ضد دول ( لا ) تشكّل تهديدا واضحا لأمن الأرض الأمريكية .." .!
التهديدات الأربعة
يحدد المشروع أربعة تهديدات عظمى تواجه الولايات المتحدة، هي بالضبط كما جاءت في المشروع :
تحديات تقليدية : و هي التي تصدر عن قوى عسكرية معروفة جيدا، تعتمد على أشكال مفهومة تماما من الحروب
تهديدات غير منتظمة : تأتي من قوى تستخدم ما يطلق عليه الأساليب ( غير التقليدية ) للتغلّب على القوى الأكبر
التحدي الكارثة : و هو إشارة إلى استخدام العدو لأسلحة الدمار الشامل
تحديات تمزيقية : و هي إشارة إلى خصوم محتملين، يستخدمون تكنولوجيات جديدة، للتفوّق على المزايا التي تتمتّع بها الولايات المتحدة
السيطرة العسكرية العالمية

و هذه الخريطة العسكرية، تحدد إطار " مشروع السيطرة العسكرية على العالم " . و هو يقوم على أساس زيادة هائلة في الإنفاق الدفاعي . و يتلخّص الغرض الذي يقوم عليه المشروع في التفوّق العسكري على أي دولة على سطح الأرض، بما في ذلك الحلفاء الأوروبيين لأمريكا .
" عملية التفوّق " هذه، ظهرت في المؤتمر السنوي لمجلس السياسـات الخارجية .. و الذي جاء فيه أن : ستكون الميزانية العسكرية للولايات المتحدة هذا العام (2005) أكبر من ميزانية 25 دولة التالية مجتمعة .. و هكذا، إذا بقي نسق الإنفاق العسكري على حاله، أي تناقص الإنفاق العسكري الأوروبي، و تزايد الأمريكي، فبعد حوالي خمس سنوات، سيكون إنفاق الولايات المتحدة أكثر مما تنفقه باقي دول العالم مجتمعة على الدفاع
حاليا، تنفق أمريكا أكثر من 500 بليون دولار سنويا، على الدفاع و الاستخبارات العسكرية، و هو قدر أقل قليلا من إجمالي الدخل القومي للاتحاد الروسي، و الذي جرى تقديره عام 2004 بحوالي 613 بليون دولار . و وفقا للمعهد الدولي لأبحاث السلام في استوكهولم، يزيد الإنفاق العسكري العالمي عن 950 بليون دولار، منها ما يقرب من النصف يخص ميزانية الولايات المتحدة العسكرية .
و هذا يعطينا فكرة واضحة، بالنسبة لما نشير إليه من سيطرة كبار أثرياء السلاح و البترول و المقاولات، الذين تصبّ معظم هذه الأموال في خزائنهم، على كلّ شيء في الولايات المتحدة، مؤسسة الرئاسة، و الأحزاب الكبرى، و السلطة التنفيذية، و عضوية المجالس النيابية و الفيدرالية، و مفاتيح التأثير على الرأي العام الأمريكي

غزو الدول غير المستقرّة

لم يمض أسبوع بالكاد على إعلان النص الرسمي لوثيقة البنتاجون، حتّى سارع مجلس الاستخبارات القومي في وزارة الخارجية إلى التأكيد على أن خبراء الاستخبارات بالولايات المتحدة يعدّون قائمة من 25 دولة توصم بأنّها غير مستقرّة، و من ثمّ مرشّحة للتدخّل العسكري . فقد جاء في الوثيقة :
منع الصراعات و إعادة بناء ما بعد الحرب بالنسبة الدول الضعـيفة، يصبح تحديا أساسـيا للسياسة الخارجية ، بسبب مخاطر الجماعات الإرهابية، و احتمال التوصّل إلى أسلحة دمار شامل
العداء تجاه الولايات المتحدة من جانب الأعداء الخطرين، أو القوى النامية، ليس هو جدول الأعمال الوحيد للتدخّل العسكري الأمريكي .
هذا هو من بين ما يقول به المشروع الخطير الجديد . و بينما تبقى قائمة 25 دولة غير مستقرّة، و تحت المراقبة، سرّية و غير معلن عنها حاليا، فقد توصّل الباحثون إلى تحديد بعضها، و هي : فنزويلا تحت حكم شافيز، نيبال، هاييتي، الجزائر، بيرو، بوليفيا، السودان، نيجيريا، سييراليوني، ليبيريا، ساحل العاج . و التبرير لغزو أمريكا لهذه الدول، يستند إلى الواجب الأمريكي " في المساعدة على الاستقرار "، و وضع هذه الدول على " المسار المستدام "
و أي مشروع قومي يجيء مضادا لأجندة الليبرالية الجديدة، و مفهوم ديموقراطية السوق الحرّة الذي تتبنّاه واشنطن، يؤهّل الدولة صاحبته للتدخّل العسكري

حروب غير منظورة
و من بين مخترعات هذه الوثيقة الخطيرة، تعبير " الحروب غير المنظورة " . و هي تطلق هذا الوصف على " التحديات الدبلوماسية أو القانونية "، التي تقوم بها جماعات أو دول، كتهديد لأمن أمريكا، ممّا يوصف بالعمل العدواني .
هل فهمتم هذا الكلام الغريب ؟! .. كل من يخاصم أمريكا أمام أي مؤسسة عالمية، أو يقاضيها في محكمة الجرائم الدولية، يعتبر خصما، و نصيبه الغزو العسكري
فالوثيقة تقول " قوتنا كدولة قومية سيتواصل تحديها على يد أولئك الذين يستخدمون استراتيجية الضعفاء، فيركّزون على المحافل الدولية، و العمليات القضائية، و الإرهاب
و إذا كنت لم تفهم بعد، اقرأ ما يقوله عن هذا دوجلاس فيث، أحد أفراد عصابة المحافظين الجدد، و من أهم شخصيات وزارة الدفاع الأمريكية، في مؤتمر المراسلين " هناك العديد من العناصر المؤثّرة المتنوعة حول العالم التي تسعى إمّا إلى مهاجمة الولايات المتحدة، أو التضييق عليها، و هم سيصلون إلى طرق مبتكرة في ذلك، تخرج عن دائرة الهجوم العسكري التقليدي الواضح .. علينا أن نفكّر بعمق في أساليب الهجوم الدبلوماسي، و أساليب الهجوم القانوني، و أساليب الهجوم التكنولوجي، و جميع أنواع الحروب غير المنظورة .." . الغريب في الأمر أنه عندما سئل عمّا يعنيه بأساليب الهجوم القانوني، قال صراحة أنه يعني محكمة الجرائم الدولية، التي تعارضها إدارة بوش، لأنّها تسعى إلى تجريم أمريكا، و إلى الضغط على المسئولين في الإدارة
عدم التأكّد الاستراتيجي

خذ هذه إذا كنت لم تكتف .. هذا التعبير الاختراع " عدم التأكّد الاستراتيجي "، هو أساس السياسات التي تكشف عنها هذه الوثيقة . و إن كنت لا تعلم، فهناك ( فابريكة ) في دوائر الرجعية الجديدة التي تسيطر على الإدارة الأمريكية، وظيفتها اختراع و ابتكار التعبيرات الجديدة، التي تبدو واعدة رغم فراغها الحقيقي .. ابتداء من " نهاية التاريخ "، إلى " صراع الحضارات " ، إلى " بناء الدول " ..إلى الحروب غير المنظورة "،إلى "الفوضي الخلاّقة "، و أخيرا " عدم التأكّد الاستراتيجي "
تقول وثيقة رامسفيلد " إنّه من المستحيل أن تعرف من أين و متى يأتي التهديد لأمن الولايات المتحدة الأمريكية ـ و هذا هو ما يطلق عليه مخططو البنتاجون عدم التأكّد الاستراتيجي ـ و لهذا تحتاج العسكرية الأمريكية إلى أن تكون قادرة، و مرنة، بدرجة كافية، تتيح لها أن ترسل قواتها إلى أي مكان في العالم، في وقت قصير . و الوثيقة تؤكّد أيضا على الحاجة إلى حلفاء يقدمون القواعد لقوات الولايات المتحدة، و أيضا يفتشون في دولهم للعثور على المتطرّفين، الذين (ينوون ) مهاجمة الولايات المتحدة .." .
و هذا إعلان مجاني، للدول العربية التي تتبارى في الانكفاء، أمام أي صول أمريكي .. المطلوب : أولا قواعد عسكرية، و هذه سهلة و موجودة فعلا، و ثانيا ـ و هو الأصعب ـ معرفة نوايا أفراد شعوبها، و هل فيها ما يتضمّن عداوة لأمريكا ؟ ..

ماذا نفعل في مواجهة هذا الكابوس ؟

الهدف من طرح هذه التفاصيل، هو توضيح الطريقة التي تفكّر بها الولايات المتحدة، و النوايا التي تضمرها للشعوب العربية، و أيضا للنظم الحاكمة العربية . و يمكن لأي عاقل أن يجد في تصرفات و مواقف و مؤامرات الولايات المتحدة،في منطقتنا و خارجها تطبيقات عديدة على الأفكار التي يطرحها هذا الكتاب

* * *

فيما يلي، سنكون أكثر كرما .. في مواجهة " منتدى مستقبل الشرق الأوسط الكبير "، الذي عقدته الولايات المتحدة الأمريكية لمراجعة مصالحها في بلاد العالم المختلفة، بصرف النظر عن مصالح شعوب تلك البلاد، سنكون أكثر كرما، و صدقا، و نطرح :
منتدى مستقبل أمريكا

الثلاثاء، يناير ٢٩، ٢٠٠٨

أمريكا ..كيف تفكّر فينا ؟


التحضير لتغيير النظم العربية

تحت هذا العنوان الصريح ( إلى حدّ الوقاحة )، يتحدّث كتاب (راند) التابعة للبنتاجون الأمريكي عن الدور الأمريكي في تغيير النظم العربية أو في مقاومة التغييرات غير المتّفقة مع المصالح الأمريكية، بصرف النظر عن مصالح الشعب المعني
تقول الدراسة التي تحمل عنوان " مستقبل بيئة الأمن في الشرق الأوسط " أن معظم السيناريوهات المحتملة تجيء كتنويعات على النغمات الحالية، أبناء يخلفون الآباء، أو أفراد من نفس قاعدة السلطة، في حالة مرض أو وفاة القيادة القائمة . و ترى أن احتمالات التغيير تكون كبيرة في ظلّ هذا الوضع، فالقادة غالبا ما تكون صلاتهم بالشعب ضعيفة، و المعارضة ذات صوت منخفض .. " و لو أدخلنا في اعتبارنا مركزية السلطة في معظم الدول العربية، فإن انتقال السلطة من فرد إلى آخر من نفس النخبة، تكون له آثاره الكبيرة على سياسة الولايات المتحدة " .
و يقول الكاتب أن هذا الشقّ الأخير من الفصل، يركّز على التغيرات الأكثر الأهمية و المخاطر التي تنتج عن تغيير القيادة . و يقدّم ما تحتاجه الولايات المتحدة من عمل لتشكيل البيئة، بما يمنع التغيرات غير المطلوبة، أو على الأقل الإقلال من أخطارها .
و قبل أن نورد ما جاء بالدراسة، نعود لنؤكّد أن الكلام كان و سيكون من خلال مصـالح الولايات المتحدة في المنطقة . مثال ذلك قول الكاتب أنّه حتّى في حالة عدم تغيّر ركيزة السلطة، فسيكون على القائد الجديد أن يسعى لدعم سلطة مسانديه، و تحجيم تأثير الذين يتحدّوه . خلال هذه المرحلة الانتقالية، ستكون قدرة القائد على طرح السياسات محدودة : فالقادة الجدد قد يترددون في المخاطرة بفقدان شعبيتهم، نتيجة لتعاونهم مع مبادرات الولايات المتحدة . و بشكل أعم، مساندة الولايات المتحدة و جهودها الإيجابية في مفاوضات السلام تقوم على أساس ضعيف . فالقادة الذين لا يتقيدون بالرأي العام، يكونون أقدر على التفاهم مع إسرائيل، أو على الأقل تبني حكوماتهم لسياسات معتدلة . فإذا ما سادت الليبرالية في مصر و السعودية، فضلا عن زيادة نفوذ التيار الإسلامي، فستكتسب السياسات المعادية للولايات المتحدة و إسرائيل قوة أكبر
و يمهّد الكاتب لحديثه عن التوصيات الخاصّة بتغيير النظم الحاكمة في الشرق الأوسط، بقوله أن نسبة عالية من الرأي العام في الشرق الأوسط معادية للولايات المتحدة، فإذا ما كسبوا تأييدا أكبر، فمن المحتمل أن تواجه النظم الحاكمة ضغوطا للإقلال من الروابط مع الولايات المتحدة . و الإسلاميون بصفة خاصّة يكونون غالبا الأكثر تنظيما، و الأكثر استعدادا، لاستغلال النظام السياسي الأكثر انفتاحا .

توقّع احتمالات التغيير

التخطيط لتغيير النظام يقتضي معرفة دقيقة واضحة للكيفية التي يسلك بها النظام . و من الواضح أنّه من واجب المحللين أن يتابعوا الحظوظ المتغيرة للقادة الأفراد، لكي نحدد بشكل جيد من الذي سيمسك بمقاليد السلطة، إذا ما رحلـت القيادة الحالية، أو أصبحت غير قادرة . لكن توقّع تحولات أساسية أخرى، يكون أكثر صعوبة بكثير . و التنبؤ بانقلاب، أو ثورة، أو أي شكل آخر من أشكال التغيير الجذري و السريع للنظام، يكون صعبا جدا . لكن هناك بعض المؤشرات التي توحي بأن البلد على وشك مواجهة عدم استقرار لنظامها، من بينها الآتي
ظهور ديموقراطية جزئية

بشكل عام، تكون الحكومات الديموقراطيات الناضجة، أو الشمولية الصريحة، هي الأكثر استقرارا . أمّا النظم التي تكون في مرحلة تحوّل ، فغالبا ما تتعرّض لهزات و عدم استقرار، و يكون احتمال دخولها في حروب كبيرا . فإذا اتجهت مصر أو سوريا أو حكومة من حكومات المنطقة إلى الليبرالية، فإنّها تكون معرّضة لتغيرات مفاجئة
أزمة وسط النخبة

بدأ العديد من الثورات على أثر انقسام في النخبة الحاكمة . نتيجة لذلك الانقسام يجد النظام صعوبة في التعامل مع التحالفات و الخصومات،ممّا يوفّر فرصا للثائرين
شيوع الشعبية

حتى عندما لا تشيع الديموقراطية، فبإمكان النخبة أن تعتمد على شعبيتها لتوفير الدعم المطلوب لحكمها. و على مدى العديد من السنين في الشرق الأوسط، كانت السلطة في يد النخبة، مثل القادة العسكريين، ضباط الأمن، كبار ملاّك الأرض، و رجال الأعمال

التشكيل و التهذيب
كيف تشكّل الولايات المتحدة التغيرات في قيادات دول الشرق الأوسط، و تعدّلها، و تهذّبها، بحيث تتفق مع مصالحها في المنطقة ؟ .. هذا هو جوهر الدراسة التي نطرحها .. لا لصالح الرؤساء الحاليين، و لا لصالح شعوبهم ! . و لعل صياغة الكلام أن تعكس ذلك الغرور الناتج عن الإحساس بالقوّة، و الذي جلب خيبة الأمل لإدارة بوش .. فالكتاب يقول:
.. فما لم تكن الولايات المتحدة عازمة على التدخّل الحاسم كما فعلت في العراق (!!!)، فغالبا ما يكون تأثيرها قليلا بالنسبة لنقل السلطة بالنسبة لمعظم الدول . و الضغط قد يولّد رد فعل عنيف، يزيد من مشاعر معاداة أمريكا . و على واشنطن أيضا أن تدخل في اعتبارها زيادة اتصالاتها بالقيادات و الجماعات التي خارج الحكم، و التي تحظى بمساندة ملموسة
و من التوصيات التي تركّز عليها الدراسة، و توجّهها للإدارة الأمريكية :
أولا : على الولايات المتحدة أن تنتبه للجماعات الإسلامية، فالحوار ممكن مع بعض أعضائها .
ثانيا : إنشاء علاقات مع شخصيات خارج إطار النظام الحاكم، سيغضب النظام، و الأمر يحتاج إلى شيء من التحايل لتحقيق التوازن .
ثالثا : يجب علي أمريكا زيادة اهتمامها بالرأي العام العربي، خارج النخب، خاصة إذا زادت احتمال مشاركة الشعب في اتخاذ القرار . و أن يكون لها استراتيجية إعلامية، تعتمد على القنوات الفضائية العربية و الصحافة الرائجة
رابعا : على الولايات المتحدة أن تدخل في اعتبارها أيضا المزيد من تبادل الزيارات بين الطلبة و العسكريين ، لخلق المزيد من الألفة مع الولايات المتحدة .
خامسا : على القوات العسكرية للولايات المتحدة أن تطبق بنية قواعد عسكرية متنوّعة و عديدة، و ترتيبات تواجد، كخط دفاع في وجه تغيير مفاجئ، أو حالة عدم استقرار في إحدى هذه الدول .
سادسا : الاهتمام بصفة خاصّة بدول كالسعودية و مصر، حيث الرأي العام الداخلي، و في أوساط المعارضة، يبدو معارضا بشدّة لأي ارتباطات مع القوات العسكرية للولايات المتحدة
* * *

من المفيد جدا أن نتأمّل هذا النوع من التفكير الذي يسود الإدارات الأمريكية المختلفة، و المتعاقبة، سواء كانت جمهورية أم ديموقراطية، لأنها جميعا تمضي وفق مصالح الاحتكارات الكبرى للسلاح و البترول و المقاولات، التي توجّه كل شيء في الحياة الأمريكية .. و من المهم أن نعرف ما وراء مظهر البراءة الذي تتخذه الإدارة الأمريكية حيالنا .

الثلاثاء، يناير ٢٢، ٢٠٠٨

تفكير أمريكا في تغيير النظم العربية



تغيير القيادة في مصر
قوّة النظام المصري في ضعفه

بعد سوريا، ينتقل الكتاب ( التقرير ) الصادر عن "راند" مؤسسة ابنتاجون الأمريكي تحت اسم " مستقبل بيئة الأمن في الشق لأوسط "، ينتقل بعد سوريا إلى الحديث عن ظروف تغيير القيادة في مصر .. يقول دانييل بايمان، مؤلّف الكتاب مع نورا بن سهيل
" الرئيس المصري مبارك، لا يحكم بنفس درجة التحكّم، كما هو الحال في السعودية و سوريا.. و لكن هذا الحكم الأقل إحكاما، هو مصدر قوّة النظام المصري، و ليس ضعفه : إنّه يفيد أن النظام جيد التحصّن، يمضي متجاوزا الفرد الوحيد، أو العائلة الواحدة، أو مجموعة محددة من الشعب . و مع ذلك فالنظام المصري، شأنه شأن جميع تلك التي في الدول العربية، يعتمد على مزيج من التراضي و القسـر، لفرض حكمه .. الشعب المصري، و بخاصة العناصر التي تعارض النظام الحالي، يجري تجاهلها أو كبتها . و لمّا كان للشعب و المعارضة أهداف مختلفة بشدّة، عن التي يأخذ بها النظام الحالي في القاهرة، فتغيير النظام يمكن أن ينتج عنه تحولات عميقة في السياسة المصرية الداخلية و الخارجية .."
و يستطرد الكاتب قائلا أن رؤى حسني مبارك تبدو أقرب إلى النمط العادي للنخبة المصرية، منه إلى قادة مصر الذين سبقوه . و هو في كثير من الجوانب يتطابق مع رؤى القيادات الأمنية و العسكرية . فهو يفتقد " الكاريزما " التي تمتع بها ناصر، و الديناميكية التي عرف بها السادات . و يضيف، أن مبارك جامد و محافظ و يمكن التنبؤ بردود فعله . الاستقرار الداخلي هو شاغله الأول . لذلك تراه قد تجنّب الأخطاء الكبيرة خلال سنوات حكمه الطويلة
من يخلف مبارك؟
وليس هناك خلف واضح لمبارك ( و يبدو أن هذا الفصل قد كتب عام 2004 قبل ظهور قصة جمال مبارك)، لكن خلفه المباشر يغلب أن تكون له خلفية عسكرية أو أمنية . و مبارك لم يعين نائب للرئيس، غالبا ليتجنّب قيام أي منافس بالتحوّل إلى مركز قوّة . و منذ عام 1952، جاء قادة مصر من العسكر . و الأسماء المحتملة تدور حول عمر سليمان شخصية عريقة في المخابرات المصرية، أو قائد السلاح الجوي أحمد شريف، أو مجدي حتاتة القائد الأعلى بالقوات المسلحة، أو أسامة الباز المستشار السياسي لمبارك . و فيما عدا أسامة الباز، فالأسماء الأخرى ليس لها سوى خبرة محدودة بالسياسة الخارجية . هذه الدائرة الضيقة نسبيا من القيادات العسكرية و الأمنية حاولت التعاون مع عدد من المسئولين العسكريين و الحكوميين، بالإضافة إلى كبار رجال الأعمال، ، بينما بقي الشعب المصري بعيدا عن عملية اتخاذ القرار

40 بليون دولار أمريكي

و النخبة المصرية تشترك في هدف لا يتغيّر : ضمان استمرار قبضتها على السلطة . إنها تستمتع بوضع اقتصادي متميّز، و تؤمن أن النظام الحالي هو ملاذهم من مواجهة الأصولية الدينية . و على كل حال، تتمتع القيادات المصرية بمجال حركة واسع : لقد أوضح عبد الناصر و السادات أن القادة المصريين لهم مساحة واسعة للتصرّف، حتّى في الموضوعات المحورية مثل الإصلاح الاقتصادي، أو العلاقات مع إسرائيل . و في جميع الأحوال تبدي النخبة الأمنية و العسكرية حساسية عندما تقود الإصلاحات الاقتصادية أو السياسة الخارجية إلى تغيّرات قد تتسبب في قلاقل داخلية .
و العديد من أفراد النخبة المصرية يقرون بأهمية العلاقات الأمريكية المصرية . فمنذ توقيع معاهدة كامب دافيد في عام 1979، قدّمت الولايات المتحدة ما يصل إلى 40 بليون دولار، على شكل مساعدات عسكرية و اقتصادية . و جانب من الصفوة المصرية يؤمن بأن هذه المعونة ساعدت الاقتصاد الراكد على الاستعفاء، بعد حرب الخليج
هذا بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة ينظر إليها باعتبارها قوّة توازن بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي . بعض النخب الاقتصادية ترى أن السلام و العلاقات مع الولايات المتحدة، أمران ضروريان إذا أريد لمصر أن تزدهر . و يقال أن جانبا كبيرا من الصفوة ينتقدون العلاقات بين أمريكا و مصر . خاصّة عندما تصل مفاوضات السلام في الشرق الوسط إلى طريق مسدود، رغم علمهم أن هذه العلاقات توفّر لمصر نطاقا واسعا من المنافع

الثوابت الجغرافية ـ السياسية

كل من يحكم مصر يكون عليه أن يدخل في الاعتبار الخصائص المتميّزة للبلاد، و أوضاعها الجغرافية ـ السياسية . و هذا يتضمّن عدّ خصائص من بينها التالي

توقعات الريادة

اعتبر المصريون أنفسهم دائما الدولة العربية الرائدة . و هو مفهوم يفرضه تعداد سكانها الكبير، و تاريخها الذي يستحق الفخر . و يتوقّع كل من الشعب المصري و صفوته من قيادتهم أن تلعب دورا نشطا في الموضوعات العربية و الإقليمية
بين الضعف و القوّة العسكرية

مصر قوية عسكريا، على الورق . إنها تمتلك كميات هائلة من العتاد المتطوّر . و إذا كانت هناك حاجة إلى إرسال قوات " عربية " إلى الخليج لتساعد مجلس التعاون الخليجي، فالقاهرة تعتبر الخيار المنطقي لقيادة تلك القوات . و يقال أن العسكرية المصرية لم تعد تشكّل تحديا لإسرائيل : لأن تدريبها ضعيف، و لا تستخدم أحدث التكنولوجيات، و هي غير قادرة على القيام بعمليات عسكرية مشتركة . و إذا ما وصلت العلاقات المصرية الإسرائيلية إلى حد الانهيار الكامل، فإن الخيار العسكري التقليدي لن يكون مطروحا

علاقة الشعب المصري بأمريكا

و بشكل عام، فإن مصر خارج الدائرة الحاكمة لا تسعى إلى علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة . فوسائل الإعلام المصرية، بما في ذلك الأجهزة المحسوبة في جانب الحكومة، غالبا ما تكون حادّة النقد لسياسات الولايات، و مهاجمة اللوبي الصهيوني في واشنطن . و مساندة الولايات المتحدة لإسرائيل تلقى انتقادا دائما، لاعتقاد المصريين أن واشنطون تستطيع أن تستخلص تنازلات من إسرائيل . و مع استمرار الانتفاضة الثانية، تصاعد ذلك الانتقاد . و بشكل عام، تعتبر الولايات المتحدة منحازة لإسرائيل، ضد العرب . كما أن انتفاضة الأقصى، و الحرب ضد العراق، قد أضاف المزيد من سلبية صورة الولايات المتحدة

البديل الإسلامي

الإسلاميون يمثّلون أكثر مصادر المعارضة للنظام الحالي تنظيما . و هناك عدة اتجاهات داخل الحركة الإسلامية العريضة، تتراوح بين الجماعة الإسلامية الأصولية، و بين تنظيمات تيارات رئيسية أخرى مثل الإخوان المسلمون، إلى العديد من القيادات الفردية المتديّنة التي تعمل بانتظام مع الحكومة المصرية . هذه المجموعات غالبا ما يكون فيما بينها خلافات
لقد سعت الجماعات الإسلامية إلى استثمار مشاعر المهملين من فقراء مصر، الذين يشعر معظمهم أن صوتهم ضعيف و فرصهم محدودة .. و حتّى العديد من المصريين الذين لا ينتمون إلى الأيديولوجية الإسلامية، يتعاطفون معها
انهم يسعون إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، كقانون لمصر . و العديد من الجماعات الإسلامية تظهر عدوانية تجاه اليهود و المسيحيين، بما في ذلك المجتمع القبطي المسيحي، الذي يصل بالتقريب إلى 6% من تعداد مصر . و الكثير منهم يتشكّكون في برامج السادات و مبارك الاقتصادية الليبرالية
و ما زال النظام يقبض على المشتبه فيهم من الأصوليون، و يحاصرهم، مما يجعل من الصعب عليهم أن يواصلوا التجنيد و التنظيم .
و إلى جانب محاصرة الإسلاميين و مسانديهم، حاول النظام أن بتفاهم مع العناصر الأقل أصولية منذ منتصف التسعينيات . و شجّع النظام على إشاعة المظاهر الإسلامية، بزيادة البرامج الدينية و الإعلامية . كما سمحت للشخصيات الدينية، كالأزهريين، بأن يهاجموا و ينتقدوا المثقفين العلمانيين . هذا الموقف قلل من قوّة الأصوليين، و لكنه زاد من قوة الحركات الشعبية الإسلامية
إذا ما وصل الركود بالوضع الاقتصادي المصري إلى حد أن يجد النظام نفسه يبحث عن شرعية شعبية أكبر، فقد يسمح للإسلاميين بنفوذ أكبر
مستقبل تغيير القيادة
عن مستقبل تغيير القيادة في مصر يقول الكاتب دانييل بايمان محرر هذا الفصل من الكتاب : تغيير القيادة في حدود النخبة المصرية، قد يغيّر بعض معالم السياسة الخارجية لمصر، لكن ليس اتجاهها . و قائد غير مبارك قد يكون أكثر عزما و قدرة على المضي خارج التراضي العام الضيّق للنخبة الحالية، ليشكّل السياسات المصرية، ليس مجرّد السير في حدود الأهداف المتفق عليها من جانب هذه النخبة
و يستطرد قائلا أن التحوّل خارج قاعدة السلطة الحالية، إلى نظام إسلامي، قد يمثّل تغيرا أكثر عمقا، و مع ذلك فالإسلاميون سيواجهون هم أيضا حدودا لحرّيتهم، نتيجة لضعف مصر العسكري . و يعتقد الكتاب أن اتجاه مصر إلى الليبرالية السياسية تفشل على الأرجح، بينما يحتمل أن يكون الإصلاح الاقتصادي محدودا . و رغم الدعم الملموس الذي تلقاه الليبرالية، فليست هناك قاعدة تنظيمية لها
على من يعتمد النظام ؟

و يقول أن النظام الحالي قد نجح في تمثيل بعض النخب، كملاذ وحيد في مواجهة الإسلاميين، و لن يتردد مستقبلا في سلوك ذلك السبيل ، إذا ما تصاعد التهديد لحكمه . و لأن النظام يستند بقوّة على المصالح الاقتصادية، فالتغيرات الاقتصادية ستميل إلى تجنّب سياسات سيطرة الدولة التي عرفتها مصر في الماضي . و في نفس الوقت، فالأغلب أن يتجنّب النظام اتّخاذ أي إجراءات يمكن أن تهدد وضع نشاط الأعمال الحالي، حتّى لو قاد هذا إلى الحد من التنافس و الإنتاجية .
ثم يقول بايمان " علاقات مصر الوثيقة مع الولايات المتحدة تستند إلى هذه الأسس . و التعاون في مجال محاربة الإرهاب جيد جدا، لكن هذا يتم عادة خلف الكواليس . و لأن معظم الشعب المصري، و قيادات المعارضة المحتملة لا تدعم هذا التوجّه، و لأن معظم النخب ليست في جانب الروابط مع واشنطن، فالأغلب أن يميل النظام إلى النأي عن واشنطون ، إذا وجد نفسه في أزمة داخلية . و هذا الميل سيكون حادا إذا ارتفعت حدّة التوتر الفلسطيني الإسرائيلي، باعتبار النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الأقرب إلى إسرائيل .

و إلى الرسالة القادمة، لنرى كيف تفكّر أمريكا فيما تطلق عليه : التحضير لتغيير النظم العربية

الأحد، يناير ١٣، ٢٠٠٨

أمريكا .. و تغيير النظم العربية



الرئيس السوري بشار الأسد
لا يوحي بالخوف أو الثقة

يبدأ دانييل بايمان الحديث عن سوريا قائلا " النظام الذي يرأسه بشار الأسد يغلب أن يبقى في السلطة، لكن قبضته قد تصبح أقل إحكاما في السنوات القادمة .." . و هو يقارن الوضع بأيام حافظ الأسد الذي حكم سوريا بيد حديدية لما يقرب من 30 سنة، حتّى وفاته سنة 2000، محوّلا الدولة ذات القلاقل المزمنة إلى حصن من الاستقرار . وهو يتساءل قائلا أنه ليس من الواضح ما إذا كان بشار، ضعيف الخبرة، سيكون قادرا على أن يحقق نفس الخليط .. الولاء من أتباعه، و الخوف بين منافسيه، بينما هو منهمك في إعادة بناء الاقتصاد بشكل ناجح .
فماذا يقول الكاتب عن أوجه الشبه بين الرجلين ؟
صعد حافظ الأسد إلى أفق الحياة السياسية ، بعد سنين من الخدمة العسكرية، و من خلال انقلاب عسكري عام 1966، أوصل مجتمعه العلوي للسلطة، ثم انفرد بالحكم بعد إقصاء المنافسين . أمّا بشار، فقد كانت خبرته في السياسة و الحكم ضعيفة عندما تسلّم السلطة . كان عمره في ذلك الوقت 28 سنة، و كان يعيش كطبيب عيون في لندن، عندما استدعي ليحكم سوريا .
و مع ذلك،يقول الكاتب أن هناك أوجه شبه عديدة بين الأب و الابن . فكلا منهما لا يسمح للعقيدة أن تعميه عن ضرورات سياسات السلطة . لقد عمل حافظ مع مسيحيي لبنان ضد القوميين العرب، و حاول زرع الفرقة في المعسكر الفلسطيني، و ساعد إيران ضد العراق خلال حرب الثماني سنوات .أمّا بشار فبعد تسلمه السلطة، أقام علاقات ودية مؤقتة مع العراق و الأردن، متفرّغا لدعم سلطته الداخلية.
و يستطرد بايمان قائلا أن حافظ كان بلا وازع في أغلب الأحيان، ينقلب على رفاق عمره، و يميت عشرات الآلاف من السوريين، من أجل أن يبقى في الحكم . بينما بشار، بخبرته القليلة، لا يوحي بالخوف، و لا الثقة ! . و قد عمد بشار إلى التركيز على الإصلاح الاقتصادي في أحاديثه، كما سمح لمنظمات حقوق الإنسان و المجتمع المدني بالعمل، في حدود . كذلك حاول تخفيف التوتر في بعض العلاقات الخارجية، كما حدث مع تركيا .

الموقف من الفلسطينيين

كان موقف حافظ الأسد من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مزيجا من الخيلاء و عدم الاحترام و الانتهازية . و بشكل عام، كان قليل التفكير في ياسر عرفات و الحركة الفلسطينية، لكنه كان مؤمنا بأن القضية الفلسطينية هي في مركز عدم الاستقرار في المنطقة . هذا، حرص على أن يقود الصراع الفلسطيني و يتحكّم فيه، محجّما أي تطرّف قد يضر بنظامه، و يحاول في نفس الوقت توجيه الصراع بحيث يقود إلى إضعاف إسرائيل و إفادة سوريا .
و يضيف الكاتب أن بشار واصل أساسا سبيل أبيه في مسألة مفاوضات السلام . و كما قال والـده من قبل، تكلّم عن " سلام الأقوياء "، قاصدا تنازلات سورية قليلة في مرتفعات الجولان . و عندما تواصلت الانتفاضة الثانية، سمح للعرب و الأصوليين المسلمين في سوريا و لبنان، و شجّعهم أحيانا، على الهجوم على إسرائيل، كما دعم هجمات حزب الله على إسرائيل، كوسيلة لإحداث ضغط دائم عليها .

من بشّار إلى آخرين

يقول الكتاب أن بشار لم يحدد من الذي يمكن أن يخلفه، لو حدث له شيء . و يؤكّد أن التهديد الأكثر واقعية من منافسين من داخل النخبة الحاكمة، و بصفة خاصّة " بارونات " العلويين . كما أن النظام الذي يمكن أن يحدث تغييرا عميقا في سوريا، سيكون تحت تأثير الإسلاميين .
" بارونات " العلويين : خلال سنوات حكمه، عمد حافظ الأسد إلى إنشاء نظام عائلي قبلي، تغطيه قشرة أيديولوجية سطحية . و قام ـ بطريقة منظمة ـ بوضع عناصر من مجتمعه العلوي في المواقع الريادية في الأمن و الجيش، يقودون كل أجهزة الدولة الحسّاسة . و تقول الدراسة أن هؤلاء " البارونات " يمكن أن يتحرّكوا ضد بشار لو أظهر عدم قدرة و سيطرة ، أو هدد إمساكهم بمفاتيح القوّة . كما أن هؤلاء " البارونات " يكون تركيزهم على ضمان سيطرة مجتمعهم، و بالطبع سيطرتهم الشخصية، أكثر من تمسّكهم بأي هدف سياسي .
يقول الكاتب انه من المحتمل أن يظهر قائد من بين هؤلاء البارونات، و يستولي على السلطة، و يفرض رؤيته الخاصة على سوريا، و على سياساتها، كما فعل حافظ الأسد .
الإسلاميون السوريون : إسلاميو سوريا ضعفاء، فقد استطاع النظام البعثي أن يخرّب الحركة، في أعقاب تحركاتها العنيفة من 77 إلى 1982 . اعتقال و سجون و تعذيب، بالإضافة إلى تدمير مدينة حماة، قاعدة الإخوان المسلمين، و موت آلاف المدنيين، كلّ هذا ترك الحركة بدون قيادة أو تنظيم فعّال داخل سوريا . يقول الكاتب أنّه إذا احتدمت الصراعات بين العلويين، و خاصّة إذا تسببت في انقسام داخل الجيش، فقد يزداد تأثير و نفوذ الإسلاميين . و استيلاؤهم على الحكم يعني ـ على حد قول الكاتب ـ تغيير شامل في التأثير السوري . و هو يعتقد أن رؤيتهم للسياسة الخارجية غير مقنعة أو ناضجة . و مثلهم مثل الإسلاميين في كل مكان، يتميّز الإخوان المسلمون في سوريا، بانتقاداتهم الشديدة لأي نوع من المفاوضات السلمية بين سوريا و بين الدولة الإسرائيلية .

ثوابت الجغرافيا السياسية السورية

يقول الكاتب أن من يمسك بالسلطة في سوريا يجب أن يعترف ببعض الحقائق المرّة حول وضعها السياسي :
· سوريا فقيرة، لقد حدث الركود تدريجيا، أثناء حكم حافظ الأسد، و لم تثمر جهود بشار غير الحماسية سوي القليل . و أي نظام جديد سيواجه قلة الموارد التي يمكن أن تغير الوضع .
· القدرة العسكرية السورية قليلة قياسا على جيرانها الأقوياء، تركيا و إسرائيل . فالقوات المسلحة كثيرة العدد، لكنها فقيرة التجهيز، قليلة التدريب . و العديد من الوحدات تركّز على ضمان الاستقرار الداخلي، و ليس مواجهة أعداء سوريا
· و يستنتج الكاتب استنتاجا ( تآمريا )، فيقول أن سوريا، نتيجة لما سـبق، يحتمل أن تعتمد على الأسلحة الكيميائية، و برامج الصواريخ، بما يشكّل تهديدا خطيرا لإسرائيل .
· ستحتفظ دمشق بروابطها مع التنظيمات الإرهابية، حتّى و لو لم تستخدمها، للاحتفاظ بوسيلة رخيصة و فعّالة في ضرب خصومها .

النتائج الضمنية

احتمال مساندة نخبة السلطة الحالية الرئيس بشار على المدى الطويل، يبقى احتمالا مفتوحا . فهو إذا تعثّر، قد يعزلونه أو يقلصون سلطاته، و يحولون البلاد من الديكتاتورية، إلى حكم الأقلية محتكرة المنافع .
· الجهود التي على الرئيس بشار أن يبذلها لإصلاح الاقتصاد السوري المتدهور، الضرورية لوقف تدهور قوة سوريا و نفوذها، هذه الجهود في حد ذاتها ستؤثر على استقرار النظام .
كذلك السماح بالحركة الحرّة للمواطنين، و بتبادل الآراء، يشكّل تهديدا مباشرا لسيطرة البعث على النشاط السياسي في سوريا .
طبقة التجار السوريين، و كانت دائما في القبضة القوية للسنّة، و الإصلاح البعثي للاقتصاد يتضمن تأكيد تحكّم الدولة، و دعم التصنيع كوسيلة للإقلال من نفوذ التجار السياسي . هذا بالإضافة إلى أن العديد من أفراد قاعدة القوّة لبشار من العلويين و السنيين، يعتمد ولاؤهم على الانفراد في الوصول إلى العقود الحكومية، و على الفساد، لتحقيق مكاسبهم .
تغيّر النظام في سوريا، سيكون تأثيره قويا في داخلها، أكثر من الخارج .
و رغم أن قيام حكومة أكثر تأثرا بالإسلاميين، ستكون أكثر عدوانية بالنسبة لإسرائيل، فهي الأخرى ستكون مقيّدة بالاقتصاد السوري الضعيف، و تضارب القوى المحلية .

***

و من الواضح أن هذه الاستخلاصات تتم من وجهة نظر المصالح الأمريكية . لهذا يختتم الكتاب حديثه عن سوريا بقوله أن وجود نظام أكثر عدوانية في دمشق، قد يجعل التعاون معه في موضوع مثل مقاومة الإرهاب أكثر صعوبة .. لكن بالنظر إلى ضعف العلاقات السورية الأمريكية بشكل عام، فإن تأثير هذا التحوّل سيكون ضعيفا ( على أمريكا طبعا ) .
بعد سوريا، ينتقل الكتاب ( التقرير ) إلى الحديث عن ظروف تغيير القيادة في مصر ..

الأحد، يناير ٠٦، ٢٠٠٨

!تغيير القيادات العربية

تقرير ( راند ) التابعة للبنتاجون الأمريكي يقول أن

منطقتنا تجمّدت في الزمان

في الفصل الخامس من الكتاب ( التقرير ) " مستقبل بيئة الأمن في الشرق الأوسط "، يطرح الكاتب دانييل بايمان، محرر هذا الفصل، احتمالات و أبعاد تغيير قادة دول العالم العربي . و يستهل بايمان هذا الفصل بقوله أن سياسات الشـرق الأوسط قد تكون أكثر اعتمادا على طموح و نزوات القادة، أكثر من أي منطقة أخرى من العالم .
و تغيير القادة في الشرق الأوسط ، قليل الحدوث. فالمنطقة تبدو أنها قد تجمّدت في الزمان، يستمر فيها حكم الحاكم لعشرات السنين . و يشير المؤلف إلى ملاحظات جلين روبنسون التي يقول فيها " العالم العربي المعاصر يتميّز بالكثير جدا من الاستقرار السياسي، و ليس بالقليل جدا منه ! " .
يقول بايمان : أن هذا الفصل يبدأ باختبار كيفية فهم موضوع تغيير الأنظمة . ثم نطرح فيه بعد ذلك عواقب تغيير النظام في السعودية و سوريا و مصر . و قد تم اختيار هذه الدول بسبب أهميتها في المنطقة، و بالنسبة للولايات المتحدة .
من ناحية : سوريا، التي تمثّل نظام حكم معادي للمصالح الأمريكية، في منطقة مفصلية بالشرق الأوسط .
و من ناحية أخرى : ربما تكون مصر و السعودية أكثر شركاء واشنطن أهمية في المنطقة .
لكل حالة الحالات، يحاول هذا الفصل أن يميّز بين السياسات النابعة من المصالح و الاهتمامات ( الجغرافيةـ السياسية )، و التي يكون من المحتمل أن تشترك فيها معظم نظم الحكم ، و نمط السياسات الذي ينتمي إليه كلّ من نظم الحكم :مثال ذلك النظم الإسلامية في مقابل النظم العسكرية
بالإضافة إلى ذلك، يحاول الكتاب في هذا الفصل أن يبيّن نواحي القوّة و الضعف الخاصّة للقادة الحاليين، و لمن يحتمل أن يخلفهم، لمحاولة استنباط كيف يمكن أن يؤثّر التغيير عند القمة على السياسات الحكومية . كذلك أيضا، إذا كان ممكنا، معرفة القوّة النسبية لمختلف الورثة المحتملين، لتصور احتمالات بدائل السياسات المختلفة .
و يتحدّث الكتاب عن نظم الحكم الجديدة في المنطقة، فيقول أنها تكون عادة أقرب إلى الحذر، عندما تسعى قياداتها إلى ترسيخ و تضخـيم سلطاتها . و على أي حال، قد يبدي القادة الجدد، بصفة خاصّة ، ترددا في المخاطرة بفقدان شعبيتهم بالتعاون مع المبادرات الأمريكية . كذلك تبدو الخطى الخاطئة، أمرا لا يمكن تفاديه . فمن الممكن أن يبالغ القادة في تقدير ما لديهم من قوة عسكرية، فيندفعون في استخدامها مستندين إلى وهم الدعـم الدولي، معتقدين أن بإمكانهم إرهاب خصـومهم، خشية أن يخرجوا بانطباعات خاطئة تقود إلى قيام صراعات .
غير أن التغيرات المحتملة ليست كلّها ـ بالطبع ـ سلبية . و يعطي الكاتب مثالا على ذلك بالأوضاع في المملكة العربية السعودية ( مع التذكير بأن الدراسة والكتاب يرجعان إلى عام 2004، أي إلى ما قبل وفـاة الملك فهد ) . يقول الكاتب " في العربية السعودية، قد يكون ولي العهد الأمير عبد الله قادرا على التخفيف من المشاعر المعادية للنظام، و أن يبادر بإصلاحات صعبة . و قد يكون مغريا للولايات المتحدة أن تتدخّـل في عملية تغيّر النظام . رغم أنّه ليس لديها سوى القليل من الأدوات الفعّالة لتدخّل محدود، فالضغط المكشوف غالبا ما يخلق ردود فعل مضادة .." .
و يضيف الكاتب أنهّ للاحتشاد في مواجهة التغيرات غير المتوقّعة، يكون على واشنطن أن تعمل على مضاعفة العلاقات بالقادة أو المجموعات التي تكون خارج مجال السلطة، و لكنّها تتمتّع بمساندة كبيرة

مؤشرات تغيّر النظم

يقول بايمان أنه من الصعب على من هو خارج الشرق الأوسط أن يتنبّأ بتغيير أحد النظم و ما يترتب على ذلك التغيير . و معرفة الغرب بالتوجهات السياسية للنخبة في الشرق الأوسط تكون في الأغلب محدودة . بل أنه حتّى جيدّي التعرّف على الأوضاع من العناصر المحلية، غالبا ما تفاجئهم الأحداث .
قلّة في الأردن هم الذين توقّعوا أن يغيّر الملك حسين ولاية العهد طويلة الاستقرار لشقيقه الأمير حسن و أن ينقلها إلى ابنه عبد الله، في الأسابيع السابقة لوفاته . و كانت إيران في ثورة عام 1979 قد فاجأت جميع المراقبين تقريبا، و غير ذلك من دول الشرق الأوسط عانت بشكل منظم من كثرة الانقلابات و القلاقل، التي لم يتنبّأ بها سوى القليلون . و القادة يختلفون بشكل كبير، حتى لو كان النظام الاجتماعي، و البيئة الاسـتراتيجية، لدولهم واحدة .
خلال خمسينيات و ستينيات القرن الماضي، شهدت مصر و العراق و ليبيا و سوريا و اليمن انقلابات عسكرية . في 1979 أسقطت ثورة شعبية النظام القائم . حاولت الجزائر أن تخوض التجربة الديموقراطية في بدايات التسعينيات، فترتّب على ذلك انقلاب عسكري و حرب أهلية . حتّى الدول الديموقراطية مثل تركيا و إسرائيل، قد غيّرت سياساتها بشكل مؤثّر، بمجرّد صعود قيادات جديدة إلى سدّة الحكم .
و يرى الكاتب أنّه من المحتمل حدوث تأثير شعبي هائل على عملية صناعة القرار، نتيجة لانتشار الليبرالية و الديموقراطية في المنطقة . خاصّة في الوقت الذي تضاعف ثورة المعلومات من جعل المزيد من المواطنين على وعي بما يحدث، و لأقدر على التحرّك السريع .


نوعيات تغيّر النظم

تغيّر النظم في دول الشرق الأوسط يمكن أن يتبع ثلاثة مسالك على الأقل :
أوّلا : التغيير وفق نفس الإطار وقاعدة القوّة .
و هذا يتضمن الانتقال من قائد لآخر من نفس الإطار و قاعدة القوّة، مثل الانتقال من الأب إلى الإبن كما حدث في البحرين و قطر و المغرب و الأردن و سوريا، خلال العقد السابق . أو الانتقال إلى فرد آخر من الأسرة، مثل ما حدث في السعودية . أو الانتقال إلى قائد من نفس النخبة و الطبيعة، مثل تولّي مبارك بعد اغتيال السادات . عملية الانتقال لا تكون بالضرورة شكلية أو سلمية، مثل تولّي حافظ الأسد بعد صلاح جديد، و انقلاب قابوس على أبيه ,
ثانيا : الانتقال من نخبة إلى أخرى .
مدى البدائل في هذا النوع واسعة نظريا . فالنخبة قد تأتي من جماعات عرقية مختلفة، أو من طبقة اجتماعية مختلفة، أو من مناطق مختلفة من الدولة، و هكذا . و في الشرق الأوسط تكون القيادات الدينية، عادة، أكثر النخب المنافسة تنظيما . ففي معظم أنحاء الشرق الأوسط، نجحت النظم الحاكمة في تجميد أو كبت الاتحادات التجارية، و أهل الفكر، و النقابات المهنية، و جماعات التجار . لكن الجماعات الدينية يكون من الصعب كبتها، فهي تستمد حركتها من تنظيم قائم للجوامع، و شبكة التنظيمات الاجتماعية . و لأن الدين يدخل في نسيج الكثير من حياة المواطنين، قلّة من النظم الحاكمة تبدي استعدادا للحد من النفوذ الديني بشكل صريح . لهذا، أظهر الإسلاميون في السنوات الأخيرة تحديا قويا للنظام في سوريا و مصر و السعودية و البحرين و الجزائر و ليبيا، و السلطة الفلسطينية .
ثالثا : من حكم نخبة ما إلى قاعدة شعبية أوسع .
يحدث هذا عن طريق ثورة شعبية، تقيم نظاما يعتمد على قطاعات واسعة من الشعب، أو على تحوّل نحو الديموقراطية، التي تسمح للمواطن العادي بصوت أعلى في الشئون السياسية، و في اختيار القيادات . في العديد من الحالات قد لا يستتبع هذا تغيّرا في وجوه القادة، و لكن التغيير ينصبّ على المصالح التي يمثلها ذلك القائد . و قد يلجأ القادة من النوعين السابقين إلى هذا السبيل، بالانتماء للحل الديموقراطي، و لكن من أجل الانتصار على النخب المنافسة .

***

كلّ نوع من الأنواع الثلاثة السابقة يحتاج إلى مستوى مختلف من التحليل : النوع الأوّل يكون التحليل شخصيا، ما هي مصادر قوة و ضعف، و المزاج الخاص و أهداف، تلك الشخصية بالتحديد ؟. و في النوع الثاني من القيادات القائمة على النخبة أو الصفوة، يكون التركيز على خصائص عائلة بالتحديد، أو قاعدة قوّة معيّنة . أمّا النوع الثالث، فيقتضي تقدير إمكانات الجماعات المنافسة و برامجها . كيف تختلف النخب الجديدة عن النخبة القائمة . هل لديها أهداف مختلفة، أم تستند إلى مجموعات اجتماعية مختلفة ؟ . ثم ينتقل الكتاب ( التقرير ) مناقشة موضوع تغيير القيادات الحاكمة، في بعض الدول العربية، الصديقة و المعادية للولايات المتحدة، مركزا على مصر و سوريا . فماذا يقول خبراء وزارة الدفاع عن سوريا ؟

الاثنين، ديسمبر ٣١، ٢٠٠٧

مصر في عين المصالح الأمريكية


الإصلاح السياسي في مصر
يمضي إلى الخلف .. و ليس إلى الأمام

و من المفيد الإشارة إلى أن هذا الكتاب ( التقرير ) صدر عام 2004 ، أي منذ أكثر من 3 سنوات، لكن التحليلات التي يتضمّنها ما زالت تحتفظ بأهميتها، بالإضافة إلى أنهال تعطينا فكرة عن الطريقة التي تفكّر بها الإدارة الأمريكية في أوضاعنا، و النوايا التي تحتفظ بها لنا .
ينتقل الكتاب هنا إلى الحديث عن جهود الإصلاح السياسي في الدول ذات الأهمية الاستراتيجية الخاصّة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط : مصر و إيران, و الأردن، و الكويت، و السعودية .. (طبعا باعتبار أن جورج دبليو بوش قد تكفّل شخصيا بعمليات الإصلاح السياسي في العراق التي يحتلّها !!) .

التزوير في الانتخابات المصرية

عملية الإصلاح السياسي المصرية كانت من ناحية المبدأ أكثر منها عملية .. فالديموقراطية تتقدّم من حيث الانتخابات التشريعية التي تتم كل خمس سنوات، غير أن هذه الانتخابات تتميّز بالتدخّل الحكومي في العملية الانتخابية، و بعمليات التزوير و الغش الواسعة . يوجد في مصر 14 حزبا رسميا، لكن القليل منها فقط هو الذي له دلالة سياسية .. و الثابت أنّه ليس بإمكان أي حزب من أحزاب المعارضة، و لا بإمكانها مجتمعة، أن تتحدّى الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم .
و الليبرالية المصرية لها نفس الوجهين، فقد تزايد عدد المنظمات المدنية خلال العقدين الأخيرين، مع انكماش في نطاق حريتها و استقلالها، بفضل السلطة القانونية للدولة التي تحد من نشاطها، و تحجّم فرص اجتماعاتها العامّة . و يدلل لكتاب على هذا بقوله أن جميع العاملين في وزارة الشئون الاجتماعية، و البالغ عددهم 60 ألفا، يجرى حسابهم باعتبارهم أعضاء في منظمات المجتمع المدني !! .
و تقول المحررة أن حرية الصحافة قد تقدّمت، غير أن وسائل الإعلام الكبرى ما زالت تعتمد على الدولة في تمويلها، و في صلاحية ما تعبّر عنه . أمّا عن السلطة القضائية، فقد عمدت الحكومة إلى نقل القضايا الحساسة إلى المحاكم الأمنية و العسكرية، حيث يتاح المزيد من التلاعب .
باختصار، تقول المؤلفة، أن العديد من المؤشرات تفيد أن عملية التوجّه نحو الليبرالية تمر بحالة من الفوضى، فالعديد من الحرّيات تتاح من الناحية النظرية، لكنها تكون محظورة عند التطبيق، بينما يتم إنكار حريات أخرى بشكل تام .

الإخوان المسلمون

على أي حال، و بشكل عام، فإن الإصلاح السياسي في مصر، يبدو أنّه يمضي إلى الخلف و ليس إلى الأمام . فالإصلاح، كان دائما عملية تتم من أعلى إلى أسفل، حيث يحض النظام على الإصلاحات التي تخدم مصالحه الخاصة، بينما يفشل في تبنّي أي إجراءات قد تقود إلى تقليص قبضته القوية على السلطة .
لقد بدا هذا واضحا في بداية تسعينيات القرن الماضي، عندما كسبت الحركة الإسلامية دعما متزايدا في جميع أنحاء مصر .
و أنا هنا أنقل بالنصّ عن الكتاب الذي ظهر عام 2004، و لأقول أن مسحة التعاطف مع الجماعات الإسلامية مصدرها البنتاجون الأمريكي .
" حركة الإخوان المسلمون هي من بين أقدم و أكثر الجماعات الإسلامية خبرة في مصر، و قد استطاعت أن تبني قاعدة دعم سياسي ذات دلالة، رغم أنها غير مسموح لها بتكوين حزب سياسي . و شعبيتها لا تأتي فقط من رسالتها الدينية، و لكن أيضا من تقديمها منافع و خدمات ملموسة لأعضائها، الأمر الذي لا توفّره لهم الدولة . هذه الدرجة العالية من الشعبية تجعل منها المعارضة الوحيدة ذات المصداقية للنظام الحاكم . و تفيد إحدى الدراسات أنه في ظل انتخابات تشريعية حرّة و عادلة، من المحتمل أن يحظى الإخوان المسلمون بأصوات أكثـر من أي من الأحزاب الأخرى، بما في ذلك الحزب الوطني الديموقراطي . و طالما أن الحكومة ستظل خائفة من فقدها للانتخابات، فمن المستبعد أنة تتبنّى أي شكل حقيقي من أشكال تطوير الديموقراطية .." .


الاعتداء على الحقوق المدنية

والحكومة المصرية قد انتهكت أيضا الحقوق السياسية و المدنية، في جميع أنحاء البلاد، و هي مستمرة في التمسّك بقانون الطوارئ، الذي يتيح لها أن تقبض على المشتبه فيهم و تعتقلهم لزمن طويل دون إبداء أي أسباب . و تزعم الحكومة أنها مضطرة للأخذ بهذا النظام لمواجهة الحركات الأصولية الإسلامية، مع العلم بأن تلك التهديدات قد تمت السيطرة عليها منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي . الإصرار على هذا الوضع، يعني أن النظام يسعى إلى منع المعارضة السلمية من التعبير عن نفسها أيضا .
مع استمرار الظروف الراهنة، لا يحتمل أن تستمر الحكومة المصرية في عملية الإصلاح السياسي .

القوى البوليسية و العسكرية

و ليست القيادات السياسية المصرية وحدها هي من يريد الاحتفاظ بسلطته، لكن توجد أيضا القوى البوليسية و العسكرية التي تقوم بحماية النظام، و التي أصبحت لها مصلحة قوية في بقاء النظام على ما هو عليه . و لكن، إذا ما حدث تغيير مؤثّر في الوضع السياسي ( بأن تحدث أزمة اقتصادية كبرى، على سبيل المثال، أو أن يتضاعف إحساس الشعب بالإحباط نتيجة القيود التي يفرضها النظام )، فقد ترغم الحكومة على القيام بإصلاح سياسي، كوسيلة للاحتفاظ ببعض شرعيتها المتآكلة . تقول الدراسة :
النظام السياسي الحالي في مصر يحتاج إلى هياكل قادرة على أن تستجيب للرأي العام، و تستطيع أيضا أن تعمل كوسيط بين النظام و الاختيارات الشعبية .. و إذا ما تصاعدت المعارضة الشعبية، فقد تجد الحكومة المصرية نفسها في وضع محفوف بالمخاطر .


من إيران إلى السعودية

ثم نطرح باختصار وجهة نظر الكتاب في مستقبل الإصلاح السياسي في بعض دول الشرق الأوسط، مثل إيران و الأردن و العربية السعودية .
تقول الدراسة أن إيران تشهد نظاما عجيبا يجمع بين الديموقراطية و الشمولية ! .و في الجانب التنفيذي تتوزّع السلطة بين القائد الديني الأعلى، و بين الرئيس العلماني . و نتيجة لاختيار الرئيس بالانتخاب المباشر، تزيد صلاحياته التشريعية و قدرته في التأثير على القادة العليا . و تقول أيضا أن هذا الوضع يخلق توترا و احتكاكات بين الجانبين .
كما تقول الدراسة " تعتبر إيران من بين أكثر الحكومات ديموقراطية في المنطقة .. و إيران لديها شبكة حيّة و فعّالة من منظمات المجتمع المدني، تتمتّع بتقاليد تاريخية . و رغم أن معارضة مفهوم الدولة الإسلامية يكون مرفوضا تماما، فهذا لا يمنع ظهور مجموعات شبه معارضة، تعارض بعض السياسات بينما تقبل فكرة الحكومة الدينية .." .
و عن الأردن تقول الدراسة أنه رغم تطوّر التقدم السياسي كثيرا منذ عام 1989، إلاّ أن العملية بأكملها تدار من أعلى . و أن الإصلاح السياسي هو استراتيجية لخدمة الملك، و دعم مركزه، مع بقاء فكرة اقتسام السلطة خارج نطاق تفكيره .
أما عن السعودية، فتقول الدراسة أنّها أقل الدول ديموقراطية و ليبرالية في المنطقة . و يواجه النظام ضغوطا داخلية ملحوظة لدفعه إلى تبنّي بعض الإصلاحات السياسية ( و نذكّر أن الكتاب المتضمن لهذه الدراسات ظهر عام 2004، قبل وفاة الملك فهد ) . و تشير الدراسة إلى الخطوات التي اتخذها العاهل الراحل في مايو 1992، بوضع قانون أساسي لكيان و عمل الحكومة لأوّل مرّة، ينسجم مع الأمر الواقع بالنسبة لشرعية الملكية، و الاعتماد على القانون الإسلامي . و ثانيا تشكيل الملك لمجلس الشورى، و الذي يشير الكتاب إلى عدم إمكان اعتباره خطوة نحو الديموقراطية، لأن أعضاء المجلس يتم اختيارهم عن طريق الملك . و رغم ضم بعض عناصر من القطاع الخاص و المجال الأكاديمي، غير أن هذه النخبة لا تمثّل الأغلبية الكبيرة للشعب السعودي . و تشير الدراسة إلى الأصوات المتعالية المنادية بالإصلاح، و تورد نص كلمات أحد الأمراء المهمين، و الذي صرّح، " الحقيقة هي أن الإصلاح ضرورة و ليس اختيارا، و كذلك هي حكومة المشاركة " . ثم تختم الدراسة أقوالها عن السعودية، قائلة أن بعض التقارير تفيد أن دعوة الإصلاح تأتي من كل من العناصر الليبرالية و المحافظة للطيف السياسي السعودي .


ثم ننتقل إلى نقطة هامة من هذه الدراسة، تبحث فيها أمريكا عن قدراتها على تغيير النظم الحاكمة في المنطقة .. و إلى الرسالة التالية

الأحد، ديسمبر ٢٣، ٢٠٠٧

أمريكا ... المؤامرة



منطقتنا يسودها التغيير

و في ختام هذا الفصل من كتاب مؤسسة (راند)، حول المستقبل الأمني للشرق الأوسط، وفقا للرؤية الأمريكية التي تعكس مصالحها، يشير الكتاب إلى توجهات اجتماعية و سياسية استراتيجية عريضة، تعيد تشكيل الشرق الأوسط . و هذه التغيرات ستخلق للولايات المتحدة تحديات جديدة، و في نفس الوقت تحقّق لها فرصا جديدة
و الديموقراطية الحقيقية تبدو بعيدة جدا عن نظم المنطقة، لكن هذا لا يمنع أن مجال الحوار و قوته قد تزايدت، مما يجعل النظم أقل حرية في الأخذ بالسياسات غير الشعبية . كما أن تكوين النخبة ذاته آخذ في التغيّر، نتيجة للأوضاع المستجدة . كذلك تواجه اقتصاديات المنطقة تحديات عديدة.. و ممّا يجعل معدلات النمو الاقتصادي المطّرد صعب التحقّق، الفساد: و القطاع الخاص الضعيف، و هبـوط مستوى نظم التعليم .
إن الفشل في التنمية، عندما يرتبط بتصاعد التوقّعات الشعبية بتحسن في الأوضاع المعيشية ، قد تكون السبيل إلى حالة من عدم الاستقرار المتزايدة في المنطقة .
ترى محررة هذا الفصل، نورا بن ساهيل، أن الشرق الأوسط قد ترك طويلا خارج التوجهات العالمية للتطبيق الديموقراطي . و النظم الشـمولية تبدو حيّة و بصحة موفورة(!) في الدول العربية . و هي تقول " حتّى مصر، التي تعتبر ديموقراطية اسميا، محكومة بحزب واحد يحظر المنافسة السياسية، و يفرض قيود مشددة على حرية الحديث و التجمّع .." . و هي تقول أن الحريات الجزئية التي سمحت بها بعض دول المنطقة، لم تصل بها إلى تحدّي انفراد النظام الحاكم بالسلطة
وجهان للإصلاح السياسي

تقول محررة هذا الفصل، أن الإصلاح السياسي مصطلح عام، يتضمّن عمليتين منفصلتين، و إن كانتا مترابطتين .. التحوّل إلى الديموقراطية، و التحوّل إلى الليبرالية .
التحوّل الديموقراطي
يستلزم التوسّع في إرساء الهياكل الرسمية لمشاركة المواطنين
و الانتخابات هي أحد أكثر مكونات التحوّل الديموقراطي أهمية . و للديموقراطية صلة أخرى بالمواطنة، فهي التي تحدد من الذي يمكنه أن يشارك في الانتخابات . غير أن الانتخابات الحرّة لا تكون لها قيمة كبيرة إذا ما حرم المواطن من حق تبادل المعلومات، و من حق الارتباط مع الآخرين في جماعات يجمعها هدف واحد .
التحوّل الليبرالي
هو هذا الركن الثاني من عملية الإصلاح السياسي، و هو يركّز على الحقوق المدنية و السياسية للمواطنين
و تقول المحررة أن الليبرالية و الديموقراطية بشكل عام في الشـرق الأوسط، لا تتحققان في نفس الوقت . فالنظم المستجيبة للضغوط الخاصّة بالإصلاح السياسي، غالبا ما تختار التوجّه إلى الليبرالية بحرص و بشكل بطيء، بينما تتلكّأ في البدء بتطبيق الديموقراطية .

المصالح الأمريكية المتضاربة


تضيف المحررة أن الولايات المتحدة لها مصالح متعددة في الإصلاح السياسي بالشرق الأوسط، لكنها في نفس الوقت متضاربة . و يأتي التناقض في المصالح كنتيجة للآفاق الزمنية المختلفة . ثم هي تفسر ما تعنيه بالآفاق الزمنية، بقولها أن الإصلاح السياسي يمكن أن يخدم مصالح الولايات المتحدة جيدا على المدى البعيد، و لكن على المدى القريب يحتمل أن يكون له تأثيران سلبيان : فهو قد يقود إلى عدم استقرار في المنطقة، كما أنه يمكن أن يجعل الأنظمة الحاكمة أكثر حساسية بالنسبة لموضوع التعاون مع الولايات المتحدة، خاصّة في الجانب الأمني من التعاون .
من المنظور قصير المدى قد تبدو مصالح الولايات المتحدة مختلفة
أولا : ما تقوله دراسات مهمة، يفيد أن " الدول الداخلة في عملية التحوّل الديموقراطي، يغلب أن تجد نفسها داخلة في حروب، بعكس الدول الناضجة ديموقراطيا، أو الأتوقراطية المستقرّة ( التي يحكمها فرد ) " ..
ثانيا : الإصلاح السياسي قد يزيد من عدم الاستقرار الداخلي، نتيجة للسماح بالتوسّع في التعبير عن الرؤى السياسية المختلفة، من المنادين بالقومية العربية أو السياسات الإسلامية إلى دعاة المزيد من التحرر الليبرالي .. و هذا قد يدفع النظام الحاكم إلى أن يصبح أكثر تشددا للتعبير عن قوّته في وجه المعارضة .
ثالثا : مع تزايد إحساس المواطنين بحقّهم في التعبير عن آرائهم بشكل أكثر تأثيرا، قد تصبح الأنظمة الحاكمة أكثر عدوانية إزاء السياسات الأمريكية، ممّا قد يضطرّها إلى تخفيض تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يمكن أن يعقّد خطط و عمليات الولايات المتحدة في المنطقة .


ضغوط من أجل الإصلاح السياسي


معظم دول الشرق الأوسط تعاني من عدة مشاكل اقتصادية و اجتماعية، تشكّل ضغوطا من أجل القيام بإصلاحات سياسية . و يمكن تصنيف هذه الضغوط في ثلاثة أقسام متبادلة التأثير : تحديات اقتصادية، و مؤشرات سكانية، و أخيرا الشفافية و الفساد .
التحديات الاقتصادية :
جميع اقتصاديات الشرق الأوسط تقريبا تعتمد على البترول . السعودية و دول الخليج تعتمد على عوائد إنتاج البترول و بيعه في السوق العالمية . أمّا الدول التي ليس لها مخزون ضخم، مثل مصر و اليمن، فهي تعتمد على الأموال التي يحوّلها العاملون في الدول المنتجة للبترول .. و هكذا فإن انخفاض أو زيادة سعر البترول يشكّل تحديا اقتصاديا للفصيلتين .
التوجهات السكانية :
تشهد دول الشرق الأوسط مستويات مرتفعة من التزايد السكاني، و يقول التقرير أن نسبة عالية من سكان هذه الدول من الذين تقل أعمارهم عن 14 سنة، و ستصبح المشكلة السكانية أكثر خطورة عندما يدخل هذا الجيل إلى مجال العمل .
الشفافية و الفساد :
أحد أكبر مصادر الشكوى العامة في حكومات المنطقة، نقص الشفافية من جانب الصفوة الحاكمة، الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام الفرص الواسعة لانتشار الفساد .
و لمّا كانت سلطة اتخاذ القرار مركّزة في يد القيادات العليا للنظام الحاكم، كأن يكونوا قد وصلوا إلى هذا لكونهم من سلالة العائلات الملكية، و ليس لمؤهلاتهم الشخصية . كما أن المواطنين لا يتاح لهم سوى القليل من آليات إلزام القيادات بالمسئولية عن أفعالها .
و في معظم نظم المنطقة يعتبر الفساد جزءا من الحياة اليومية . و النسبة العالية من تدخّل النظم الحاكمة في النشاط الاقتصادي، تفتح الباب واسعا أمام الفساد، الذي يتراوح بين محاباة الأقارب و المعارف في الوظائف و الفرص، إلى الرشاوى الصريحة التي يستلمها الموظفون العموميون . القليل من دول المنطقة هي التي تصدّت لحل هذه المشكلة، و السبب هو أنها أصبحت متعمقة الجذور في الحياة الاقتصادية اليومية .
و الفساد، يمكن أيضا أن يضاعف الإحباط تجاه الأوضاع الاقتصادية التي أشرنا إليها، لأنّه يجعل الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، و أكثر تكلفة، في الوصول إليها

استجابات النظام المحتملة

كل نوع من أنواع المشاكل التي أشرنا إليها، يحمل في ثناياه احتمال إحداث ضغوط في مواجهة القيام بالإصلاح السياسي . كما أن التوجهات التي في كل قسم، قد تصبح متبادلة التأثير . و الأداء الاقتصادي الفاتر يقود إلى إحساس شعبي بالإحباط تجاه قيادات النظام . كما أن النمو السكاني يجعل هذه المشاكل الاقتصادية أكثر صعوبة عند تصدي القيادة للحفاظ على مستوى المعيشة، فضلا عن الارتفاع بهذا المستوى .. و نفس المصاعب تنتج عن انتشار الفساد .
هذه الإحباطات تجعل من الأكثر احتمالا تولّد مطالبات بالإصلاح السياسي، التي تسمح للشعب بأن يحظى ـ على الأقل ـ ببعض القدرة على المشاركة بالرأي عند اتخاذ القرار

و الأنظمة الحاكمة يمكن أن تستجيب لهذه المطالب بطريقتين :


· يمكن للنظام الحاكم أن يزيد من المشاركة الشعبية، لامتصاص السخط النامي

· أم يعمد إلى مضاعفة ما يمارسه من قسر و إرغام


و العديد من دول الشرق الأوسط عمدت إلى استراتيجيات تستخدم مزيجا من الموقفين، القيام بإصلاحات سياسية محدودة، مع التصدّي للمعارضة التي تتجاوز الحدود التي اختارها النظام . و يتساءل التقرير إذا كان من الممكن أن يستمر اعتماد النظم الحاكمة على هذه الاستراتيجية .

و إلى الرسالة التالية .. لنرى معايير الإصلاح السياسي في منطقتنا، كما تتصوره أمريكا وفقا لمصالحها

الخميس، ديسمبر ١٣، ٢٠٠٧

أمريكا .. المؤامرة !



6

مصــــالح أمريكــــــية

في الشـــرق الأوســـط



أوّلها مواجهة الإرهاب
بعد أحداث 11 سبتمبر


السؤال الحرج المطروح حاليا هو : هل يجب على الولايات المتحدة أن تشجّع الاستقرار السياسي بالإبقاء على الأوضاع الحالية، أم يجب عليها أن تشجّع الإصلاحات الديموقراطية ؟ .. هذا هو السؤال الذي يتصدّى له المؤلفان نورا بن ساهيل و دانييل بايمان، في كتابهما الصادر عن (راند) التابعة للبنتاجون الأمريكي، و المخصص للبحث عن مستقبل بيئة الأمن في الشرق الأوسط .
يقول الكتاب أن الخبرات السابقة للتحوّل إلى الديموقراطية، في حالة الاتحاد السوفييتي السابق، و في غيره من الدول، تفيد دخول هذه الدول في صراع مع جيرانها . كما أن الديموقراطية في الشرق الأوسط قد تفتح الباب للحركات القومية و الأصولية، المعادية للمصالح الأمريكية .
مساندة النظم التقليدية، تحت شعار الاستقرار، أشاع مشاعر الكراهية تجاه أمريكا في المنطقة . و مع ذلك، ستحتاج الولايات المتحدة في المستقبل المزيد من شرح سياستها للمواطنين العاديين، و إلى الموازنة بين احتمالات التطبيق الديموقراطي، بما يحمله من معه من عدم استقرار، و خسارة حلفاء أساسيين في المنطقة .

الشرق الأوسط .. بيئة أمنية معقّدة

يقول محررا الكتاب، نورا بن ساهيل، و دانييل بايمان، أن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط قد أصبحت معقّدة بشكل متزايد منذ بدايات تسعينيات القرن الماضي، في ظل مخاوف مزدوجة، من عدوان محتمل لقوة العظمى، أو عدوان من دولة جارة أخرى .
و هما يقولان " يحاول هذا التقرير التعريف بالمؤشرات التي يحتمل أن تشكّل أمن المنطقة، و انعكاساتها على الولايات المتحدة ". و قد أفردت مقدمة الكتاب للتعريف بالمصالح القومية الأمريكية في المنطقة، و التهديدات المحتملة لتلك المصالح . و يحدد التقرير ست مصالح هامة و حيوية بالنسبة للولايات المتحدة، في الشرق الأوسط.
هذه المصالح الأمريكية هي بالترتيب التالي
أولا : التصـدّي للإرهـاب
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، تصاعدت أولوية مواجهة الإرهـاب إلى قمّة اهتمامها، فيما يتصل بالشرق الأوسط . فالقاعدة و غيرها من التنظيمات الأصولية الإسلامية، اعتمدوا بشدة على العالم العربي و الإسلامي في تجنيد العناصر، و تمويل النشاط . بالإضافة إلى أن الكثير من أعمال عنفهم و دعاياتهم تنصب على زعزعة النظم الشرق أوسطية الصديقة للولايات المتحدة . لذا يكون على الولايات المتحدة أن تواجه هذه التهديدات التي تتعرّض لها الدول الصديقة : على المستوى الحكومي، عن طريق مساعدة شركائها الإقليميين في تأمين أنفسهم في مواجهة جهود زعزعة الاستقرار عن طريق الإرهابيين، و على المستوى الشعبي، لضمان عدم انضمام العناصر الوطنية في السعودية و مصر و اليمن، و غير ذلك من دول المنطقة إلى الجماعات الإرهابية، أو مساعدتها ماديا أو بأي وسيلة .
ثم يحذّر التقرير من إيـران، التي تساعد الأصوليين في المنطقة، في محاولة لنشر ثورتها الإسلامية . و أيضا لارتباطها بالهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة في لبنان، و في أبراج الخبر بالسعودية، و بمساندتها للجماعات المعادية لإسرائيل مثل حزب الله اللبناني، و الجهاد الإسلامي الفلسطيني .
ثانيا : التصدّي لأسلحة الدمار الشامل
الولايات المتحدة لها مصلحة قوية في منع ـ أو على الأقل تنظـيم ـ انتشار الأسلحة النووية و البيولوجية و الكيميائية . باعتبار أن انتشار هذه الأسلحة يشكّل خطرا على شركاء أمريكا في الخليج، و على إسرائيل، والقوات الأمريكية بالمنطقة
و استخدام أسلحة الدمار الشامل ليس تهديدا افتراضيا، فقد شهدت الحرب الإيرانية العراقية الاستخدام المتكرر للأسلحة الكيميائية، على يد العراق، و أحيانا على يد إيران ( لقد نسي التقرير أن الولايات المتحدة هي التي زوّدت صدام حسين بالأسلحة الكيميائية ! ) . و يصرّ التقرير على تكرار القول بأن حرب 2003 ضد العراق كانت مبررة، و من أجل منع صدام من المزيد من تطوير برامج أسلحه الدمار الشامل ( لقد اعترفت المصادر الأمريكية بزيف ذلك الادعاء، ربما في تاريخ لاحق لكتابة هذا التقرير) .
ثالثا : أسعار و إمدادات بترول مناسبة
ستظل لبترول الخليج أهميته على مدى السنوات العشر القادمة ، السعودية وحدها تمتلك ربع مجموع رصيد بترول العالم . و العراق لديها ثاني أكبر مستودعات نفط في العالم، و هي تنتج حاليا 10% من المجموع العالمي . و لكن، مع نهاية هذا العقد، يمكن بسهولة مضاعفة تدفّق البترول العراقي المنتظم، أو حتّى رفعه إلى ثلاثة أضعاف الإنتاج الحالي، في ظل الاستثمارات الأجنبية الكافية ( هل وضحت الآن الأسباب الحقيقية لحرب أمريكا على العراق ؟ ) .
رابعا : ضمان استقرار النظم الصديقة
بالإضافة إلى الروابط طويلة العمر بين الولايات المتحدة و إسرائيل، فإنها قد طوّرت علاقات وثيقة مع عدة دول في المنطقة . بعد حرب الخليج عام 1991، ضخّمت الولايات المتحدة ـ و أحيانا اصطنعت ـ ارتباطات أمن مع السـعودية و الكويت و الإمارات و البحرين و قطـر و عمان . كما حاولت الولايات المتحدة تنمية علاقاتها بالأردن و مصر و المغرب، باعتبارها أصوات عربية معتدلة، مستعدة للتعاون معها في حربها على الإرهاب، و الموافقة على أجندة الولايات المتحدة في العديد من الموضوعات .
خامسا : ضمان أمن إسرائيل
إسرائيل دولة ديموقراطية منحازة للغرب، في منطقة مضطربة، و قدرتها العسكرية و الاستخبارية فوق مستوى المنافسة، ممّا يرفع قدرها في محاربة الإرهاب، و بشكل عام مستعدة للرد على أي تهديد عسكري في المنطقة . بالإضافة إلى أن الكثير من الأمريكيين يساندون إسرائيل بشدّة، معتبرين أمنها موضوعا سياسيا هاما بالنسبة لأي إدارة . و لا شك أن العنف المتواصل في أراضي إسرائيل و فلسطين قد ساهم في المشاعر المعادية لأمريكا في المنطقة .
و الولايات المتحدة لها مصلحة في خفض مستوى العنف على المدى القريب و المتوسّط، و أيضا في الوصول إلى حلول طويلة المدى للصراع العربي الإسرائيلي .

سادسا : تعزيز الديموقراطية و حقوق الإنسان
الولايات المتحدة لها اهتمامات عالمية و واسعة بالديموقراطية و حقوق الإنسان، التي لها تأثيرها على نشاط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط . و مع ذلك فإسرائيل هي الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة . السعودية ـ على سبيل المثال ـ ليس بها صحافة حرّة، أو انتخابات حرّة، و النساء السعوديات تواجهن تنوّعا من القيود في سفرهن و توظيفهن و حياتهن اليومية .
حتّى مصر، التي كان لديها برلمانها على مدى عشرات السنين، قد وضعت قيودا على النشاط السياسي المنظّم، و على حرّية الحديث، و لديها العديد من المعوقات ديموقراطيا . و على حدّ قول مورفي و جاوس "هناك إحساس ملحّ في الشرق الأوسط، مفاده أن الولايات المتحدة لا تدعم الديموقراطية في المنطقة، و لكنها تدعم ما هو من صالحها استراتيجيا، و تصفه بالديموقراطية "، (وأنا أجد قولهما أمينا و صادقا) .
و بالرغم من أن حقوق الإنسان و الديموقراطية، ليسا من المصالح التي تسعى الولايات المتحدة بشكل نشيط لفرضها أو لحمايتها في الشرق الأوسط، فهما من الاهتمامات العامة، التي قد تعوق محاولات الولايات المتحدة للدفاع عن مصالحها الأخرى .
نري هذا بوضوح أكبر في استعراضنا لباقي أجزاء هذه الدراسة، من خلال الرسائل التالية

الأحد، ديسمبر ٠٢، ٢٠٠٧

أمريكا ... المؤامرة !



الشرق الأوسط هو الهدف

البنتاجون، و "راند"، و التخطيط لمستقبلنا

النتيجة الطبيعية لغرقنا في التفاصيل الصغيرة، و المصالح الانتهازية الهزيلة، و إصرارنا على رفض النظر إلى ما هو أبعد من موقع أقدامنا، و فشلنا في التوصّل إلى رؤية مستقبلية شاملة، تستند إليها استراتيجياتنا و خططنا، و تنسّق عمليات إعادة البناء الشاملة المطلوبة، و التي سبقتنا إليها العديد من المجتمعات في الشرق و الغرب ..النتيجة الطبيعية لذلك كلّه هي أن تتقدّم أمريكا لتدرس أوضاعنا، بموضوعية في كثير من الأحيان، لكنها عندما تصل إلى التخطيط لمستقبلنا، و إصلاح حياتنا الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، تفعل ذلك بشكل تآمري لحساب مصالحها في المنطقة، و في العالم أجمع .
و سنحاول أن نعطي فكرة عن ذلك الجهد من جانب النظام الحاكم الأمريكي. لكننا في نفس الوقت لا ننكر أن الكثير من الحقائق التي توصّلت إليها هذه الدراسة جاءت دقيقة و سليمة، و يجدر بنا أن نستفيد من منهجها عندما نتصدّى بأنفسنا ـ حين يأتي الزمن المنشود ـ لكي نفهم واقعنا على أساس موضوعي، دون مزايدات أو مناقصات .. ثم نتعلّم كيف لا ننزلق إلى الأخذ باستنتاجات الباحث الأمريكي الذي تحكمه في هذا المجال مصالح عليا للطبقة الرأسمالية الحاكمة، و واجبات تفرضها مجموعة " المحافظون الجدد " التي تدير هذا النشاط، من بين ما تدير من شئون الشعب الأمريكي .
المؤسسة اسمها " راند "، ظاهرها فكري و ثقافي، لكنّها بحكم تبعيتها لسلاح الجو بالبنتاجون الأمريكي، تقوم بالدراسات التي ـ كما سنرى ـ ترسم خطى الرئاسة الأمريكية، في جميع الحروب التي تقوم بها، من أجل المزيد من السيطرة و التحكّم في مقادير و ثروات العالم .. و سنبدأ بطرح أحد أعمال هذه المؤسسة، و الذي استهدف مستقبل بيئة الأمن في الشرق الأوسط .. كنموذج للطريقة التي تفكّر بها وزارة الدفاع الأمريكية، لحسابها، و نيابة عنّا ..
صدر الكتاب عام 2004 عن مؤسسة (راند) التابعة لسلاح الجو بالبنتاجون الأمريكي .. و الكتاب هو حصيلة مجموعة دراسات، يعتمد عليها النظام الحاكم الأمريكي.. و من واقع السياسات التي يلتزم بها نظام جورج بوش، يظهر مدى أهمية هذه الدراسات، وتأثيرها على مجرى التفكير والتحركات السياسية و العسكرية الأمريكية . و الكتاب له اسم طويل " مستقبل بيئة الأمن في الشرق الأوسط .. الصراعات، الاستقرار، و التغيّر السياسي "، و هو يضم مجموعة دراسات جادة، قامت بها مجموعة من الباحثين و المفكّرين، و جمعها و حررها كل من نورا بن ساهيل، و دانييل بايمان ..
و نظرا لأهمية السياسات المقترحة في هذا الكتاب، و التي تمس جوهـر حياتنا في الشرق الأوسط، سأحاول أن أطرح أهم الأفكار و التحليلات التي يتضمنها ، مركّزا على الفصول التي تبحث في احتمالات الإصلاح السياسي في دول الشرق الأوسط، و احتمالات تغيير القيادات في العالم العربي ..

التنمية .. و التغيرات الكبرى

يقول الكتاب أنّه منذ انتهاء حرب الخليج عام 1991، تزايدت التهديدات في الشرق الأوسط .. كما أن انهيار عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، و ما تبع ذلك من انفجارات للعنف، ألهبت المشاعر السلبية تجاه الغرب في أنحاء العالم العربي . و يرى الكتاب أنة عمليات التنمية و التطوير التي سادت المنطقة خلال العقد الماضي، قد ساهمت في زعزعة استقرار المنطقة . و قد عرفت الدول العربية جيلا جديدا من القادة، لم تختبر قدراته على الحكم، و لا عناصر دعمه الداخلية . و يشير الكتاب إلى أن زيادة أعداد المتعلمات من النساء قد شكّل تحديا لتسلسل الرئاسات التقليدي . كما حدث تنوّع في رؤية الجماهير للمسائل السياسية و الاجتماعية، نتيجة لشيوع التكنولوجيات المعلوماتية، مثل تلفزيون القنوات الفضائية .. ثم ينتقل الكتاب إلى بيت القصيد من تأليفه، ليطرح تأثّر المصالح الأمريكية بما يحدث في العالم العربي .
يقول الكتاب أنّه في أعقاب هجوم 11 سبتمبر 2001، أصبح الشرق الأوسط يلعب دورا أكثر بروزا في سياسات الولايات المتحدة . و يضيف أن الولايات المتحدة تعتمد على شركاء لها في الشرق الأوسط، مثل إسرائيل و السعودية و قطر و مصر و غيرهم، في محاربة الإرهاب، و إيقاف تسرّب أسلحة الدمار الشامل إلى الدول المعادية لأمريكا . و خسارة بعض الشركاء الأساسيين، نتيجة تغيرات عدوانية للنظم، أو زيادة مشاعر الكراهية لأمريكا، يمكن أن يحدّ من قدرة الولايات المتحدة على مقاومة الإرهاب في المنطقة .
و بوضوح أكبر، يقول الكتاب أن الولايات المتحدة لها مصالح في الحفاظ على أسعار طاقة مستقرّة، و إمدادات مناسبة منها .

مؤشرات عدم الاستقرار

درس مشروع (راند) المؤشرات الحالية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، في الشرق الأوسط، لمحاولة التنبؤ بالتهديدات المستقبلية للأمن الإقليمي، و أثرها المحتمل على الولايات المتحدة، فوجدها كالتالي :
تقدّم الليبرالية سيكون بطيئا، و الديموقراطية ستكون محدودة بشكل أكبر :
دول الشرق الأوسط تحكمها، بالتحديد، نظم شمولية غير ديموقراطية .و لقد وقعت هذه الدول في السنوات الأخيرة تحت ضغوط لإصلاح نظامها السياسي، و تخفيف قبضة الحكومة على وسائل الإعلام، و على وسائل تعبير الجماهير عن رأيها . و استجاب البعض بإبداء المزيد من الليبرالية، و لكن بالأقل من الديموقراطية، فمؤسسات المجتمع المدني ظلّت محكومة بالنظام، و غير معبرة عن مصالح القواعد .
تدهور الاقتصاد، يزيد ـ في الأغلب ـ من عدم رضا الشعب عن الحكومة :

جهود الإصلاح الاقتصادي الأخيرة، فشلت في توفير الوظائف، و اجتذاب الاستثمارات الخارجية إلى الشرق الأوسط . لقد قادت الديون الثقيلة و ارتفاع الضرائب و الفسـاد الحكومي إلى إعاقة النمو الاقتصادي . كما أن استمرار الهبوط الاقتصادي سيحجّم ثقة الشعوب في قياداتها، ممّا يضاعف من احتمالات القلاقل . كذلك تزايد عدد المتعلمين من الشباب الذين لا يجدون عملا، سيخلق أرضا خصبة لنمو الحركات الأصولية . في الوقت الذي قد يقود فيه الإصلاح الاقتصادي إلى زعزعة النظام، نتيجة لاستبعاد المصالح الخاصّة التي تسند النظام .
سينصب جهد الجيوش على التحكّم الداخلي، أكثر من الدفاع الخارجي :
و لمّا كانت الضغوط الاقتصادية و الاجتماعية مسببة في زيادة التهديدات الداخلية، فسينصب جهد القوات العسكرية على المهمات البوليسية الداخلية، مثل مواجهة المظاهرات، مع تدنّي قدراتها على الدفاع الخارجي، و هذا يشكّل عواقب متناقضة بالنسبة لأمريكا، لأن سيطرة الجيوش على الداخل سيضمن للولايات المتحدة أن يكون لدى الحلفاء من العرب القدرة على التحكّم في الجماعات الإرهابية داخل حدودها . و في نفس الوقت، سيكون هؤلاء الحلفاء أقل فعالية عند المشاركة في العمليات الهجومية الأمريكية . ( صراحة واضحة !!)
قادة الدول العربية الجدد قد يكونوا أضعف و أقل قدرة على التعاون مع الولايات المتحدة :
قيادات جديدة تسلّمت السلطة في إيران و الجزائر و البحرين و الأردن والمغرب و سوريا ..و هناك تغييرات أخرى متوقّعة في المستقبل القريب، في السعودية و مصر (خاب توقّع أمريكا بالنسبة لمصر !) . هذه القيادات الجديدة ستعمد إلى التركيز على اكتساب شعبية في دولها، لهذا قد يصبحوا أقل استعدادا للتعاون مع الولايات المتحدة في حربها مع الإرهاب، و لقبول التفاوض العربي مع إسرائيل في مفاوضات سلام قادمة . بالإضافة إلى وقوع القيادات محدودة الخبرة في أخطاء في سياستها الخارجية، بالمبالغة في تقدير قوّتها، أو بالاعتماد على الدعم العالمي، الذي يثبت عدم تأثيره .
تغيير نسق أسواق الطاقة، سيدعم روابط الشرق الأوسط بآسيا :

الشرق الأوسط يسيطر على 70% من مخزون البترول العالمي . و من المتوقّع في السنوات القادمة،أن تتحوّل الولايات المتحدة و أوروبا في نسبة عالية من استهلاكها من بترول الشرق الأوسط إلى بترول روسيا. هكذا تصبح آسيا المستهلك الرئيسي لبترول الشرق الأوسط، ممّا يمكن أن يكون له آثاره السياسية الهامة على الغرب . و تعتبر الصين و كوريا الشمالية و روسيا من بين أكثر الدول توريدا لأسلحة الدمار الشامل، و تكنولوجيا الصواريخ . و من ثم، من المتوقّع أن تنمو تجارة الدفاع بين آسيا و الشرق الأوسط .. و سيصعب على أمريكا أن تضغط على الدول الموردة لكي تمتنع عن توريد الأسلحة لدول الشرق الأوسط العدوانية .
تكنولوجيات الاتصال قد تزيد من طلب الشعب المشاركة في الحكم :
قد يقتصر استخدام الانترنيت على مستويات اقتصادية معينة في الشرق الأوسط، بعكس التكنولوجيات المتوسّطة مثل تلفزيون الفضـائيات، و أجهزة الفيديو، و الفاكس، و الآلة الناسخة، التي تنتشر بين القواعد . التكنولوجيات هذه يمكن أن يكون لها أثرها العميق على المشهد السياسي . فهي تزوّد الجمهور بوجهات نظر مختلفة في السياسة، و في الأحداث العالمية . و من بين الآثار المحتملة، أن تصبح حكومات الشرق الأوسط مجبرة على اتخاذ خطوات جادة لمنع الفساد، و إضفاء الشفافية على النشاط الحكومي . لكن، من المحتمل أيضا أن تصبح الحكومات في مواجهة هذا أكثر شمولية .
ستواصل دول الشرق الأوسط تطوير أسلحة الدمار الشامل، و الحصول عليها :

استمرار تسـرّب أسلحة الدمار الشامل إلى الشرق الأوسط ستكون له عواقـب وخيمة على المنطقة و العالم . و وجود هذه الأسلحة في بعض الدول سيعوق حرية أمريكا في إنزال قواتها، كما يضعف أثر تلك القوات . كما أن وقوع أسلحة الدمار الشامل في أيدي الجماعات الإرهابية، يهدد أرض الولايات المتحدة .

* * *
ثم يأتي تساؤل هام من جانب كتاب " مستقبل بيئة الأمن في الشرق الأوسط " : هل يجب أن تنحاز أمريكا إلى تشجيع الاستقرار السياسي ( بغضّ الطرف عن سوء الأوضاع الديموقراطية )، أم أن تشجّع الإصلاحات الديموقراطية ( بكل ما يحمله هذا من مخاطر بالنسبة لأمريكا )؟ ..و إلى الرسالة التالية .

الأحد، نوفمبر ٢٥، ٢٠٠٧

كراهية أمريكا .. لماذا ؟


قصّة مستنقعين
حديث نعوم تشومسكي
لمجلة نيوزويك الأمريكية

أعتمد فيما سأورده ، حول دوافع الكراهية السائدة لأمريكا من جانب معظم شعوب العالم، و بصفة خاصّة شعوب الشرق الأوسط،على الوقائع الثابتة التي جمعها الشرفاء من المفكرين و الكتّاب الأمريكيين، و التحليلات التي قام بها كبار الأساتذة في الجامعات الأمريكية .. و لنبدأ بأحدث تحليل عن الواقع الحالي للتدخّل الأمريكي بالعراق، على لسان الأستاذ الجامعي الأمريكي نعوم تشومسكي
في حديث لمجلة نيوز ويك الأمريكية، في أوائل يناير2005، تحت عنوان (قصّة مستنقعين) ، قال تشومسكي " نجحت إدارة بوش في جعل الولايات المتحدة أحد أكثـر دول العالم، إثارة للخوف و الكراهية .." . و هو يعتقد أن المجموعة التي حول بوش تصنع أكثر الإدارات خطورة في التاريخ الأمريكي . و نعوم تشومسكي، من أكثر المثقفين الأمريكيين تأثيرا، خلال القرن العشرين، و هو أستاذ في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا .. تكمن شهرته في اعتباره العقل القائد في حركة معاداة الحروب، في بداية الستينيات خلال مغامرة فييتنام .. لكنه ما زال اليوم في أوج نشاطه .
كانت تساؤلات محرر (النيوز ويك) مايكل هاستنجز تدور حول مستقبل أوضاع العراق، و الفوارق بين حركة معاداة الحرب زمن فييتنام، و حركة اليوم بالنسبة للعراق . باختصار شديد سأورد أهم ما قاله تشومسكي في ذلك الحوار
· في الحالة الأولى، كان هدف أمريكا تحطيم فييتنام، لكي لا تصبح نموذجا ناجحا في التنمية المستقلة، بالنسبة لباقي دول المنطقة .. كان من الممكن تخريب فييتنام و الانصراف، لكن هذا لم يكن ممكنا في حالة حرب العراق
و عن سؤال حول مدى نجاح حركة معاداة الحرب في الحربين، قال أن الاحتجاجات بدأت بعد مرور سنوات على بداية حرب فييتنام . أمّا بالنسبة للعـراق فقد اندلعت الاحتجاجات العارمة في أنحاء العالم
قبل أن تبدأ الحرب، بطريقة غير مسبوقة

· لقد نجحت إدارة بوش في جعل الولايات المتحدة، واحدة من أكثر الدول إثارة للخوف و الكراهية في العالم
* * *

بعيدا عن هذا كلّه، سنحاول أن نرصد جرائم الولايات المتحدة في العالم، و في الشرق الأوسط بالتحديد .. الجرائم المعلنة التي يتبجّح بها بوش و طاقمه من قبيلة المحافظين الجدد، و الجرائم الخفية التي تتولاّها الأجهزة السريّة للنظام الأمريكي .. الاغتيالات، و المؤامرات، و الانقلابات . و سنبدأ بسرد تاريخي لتدخلات أمريكا غير الشرعية في الشرق الأوسط من 1918، و حتّى أكتوبر 2001
بعيدا عن العواطف، و العقد النفسية .. و محاولة تصوير إجماع شعوب الشرق الأوسط على كراهية حكومة الولايات المتحدة على أن مرجعه إلى الغيرة و الحسد (!) .. الغيرة من الثراء الأمريكي, و الحسد للقوّة الباطشة المهلكة للآلة العسكرية الأمريكية .. بعيدا عن هذا كلّه سنحاول طرح الأسباب المادية الموضوعية لهذه الكراهية الشاملة لأمريكا، من جانب شعوبنا، و غير شعوبنا . بل قد نتمكّن من أن نظهر إشفاقنا الحقيقي العميق على الشعب الأمريكي، باعتباره الضحية الأولي لمطامع الاحتكارات الرأسمالية التي تسيطر على الحكومة الأمريكية
الدراسة الأمريكية التي نعتمد عليها صادرة عن جهة علمية لا تهتم سوى بالحقائق . و هي تقسّم هذه الفترة الزمنية الطويلة، 1018 ـ 2001، إلى أربعة مراحل أساسية :
أولا: اقتحام الشرق الأوسط، و حروب النفوذ و البترول
ثانيا: فرض العملاء، و محاربة حركات التحرر الوطني
ثالثا: مؤامرات و اغتيالات في و انقلابات في مصر و العراق و الأردن و و سوريا و لبنان
ثم المرحلة الأخيرة: و الأطول، التي بدأت عام 1978، و شهدت سقوط الشاة الإيراني، و غزو السوفييت لأفغانستان .. و التي تقف عند أكتوبر 2001، و القصف الأمريكي لأفغانستان، تحت شعار :الحرب ضد الإرهاب العالمي

السعي إلى النفوذ و البترول

بداية الاقتحام الأكبر للولايات المتحدة في شئون الشرق الأوسط، جرى ـ وفقا لهذه الدراسة ـ بين 1918 و 1945 . و قد ركّزت الولايات المتحدة في هذه الفترة الاستهلالية في محاولة دعم نفوذها في المنطقة الجديدة عليها، و تأمين شراهتها الاستهلاكية بتوفير أكبر قدر من إمدادات النفط
من1920 إلى 1928 : الضغط على بريطانيا، القوّة السائدة في الشرق الأوسط حينئذ، للتوقيع على " اتفاقية الخط الأحمر "، التي تنص على عدم استثمار بترول الشرق الأوسط على يد جهة وحيدة دون مشاركة الآخرين . عندئذ، حصلت كل من ستاندرد أويل و موبيل على نصيب من شركة البترول العراقية .
من1932 إلى 1934 : اكتشاف البترول في البحرين، و السعودية، و الكويت . و حصل شركات البترول الأمريكية على امتيازاتها .
عام1944 : توقيع اتفاقية البترول الإنجليزية الأمريكية، التي تقسّم بترول المنطقة بينهما .
من1948 إلى 1960 : كسبت رؤوس الأموال الغربية 8و12 بليون دولار، من استخراج وتصفية
بترول الشرق الأوسط، باستثمار ثابت يبلغ3و1 بليون دولار
تغيير النظم و حرب حركات التحرر

نوفمبر 1947 : بضغوط أمريكية، يصدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية و دولة صهيونية . مخصصا 54% من الأرض للصهيونيين، رغم أن عدد المستوطنين اليهود بلغ ثلث السكان .
مايو 1948 : اندلاع الحرب بين إسرائيل و الدول العربية، فتطرد اسرائيل 800 ألف فلسطيني، ثلثي تعدادهم، إلى لبنان و الأردن و سوريا و غزّة و الضفة الغربية، و تستولي على 77% من أرض فلسطين
و سريعا ما تعترف الولايات المتحدة بإسرائيل .
من1949 إلى 1955 : مؤامرة عسكرية تدبرها المخابرات الأمريكية، تسقط الحكومة السورية المنتخبة، و تقيم حكومة دكتاتورية بقيادة حسني الزعيم . و امتداد الحلف العسكري الأمريكي إلى الشرق الأوسط بدخول تركيا إلى حلف شمال الأطلنطي ( 1952 ) . مؤامرة للمخابرات المركزية الأمريكية تسقط حكومة مصدّق في إيران، بعد تأميمه لبترولها، و تعيد رضا بهلوي للعرش لمدة 25 سنة، قام فيها بتعذيب و حبس و قتل كلّ من عارضه سياسيا ( 1953 ) . أمريكا تقيم نظام رادار قوي في تركيا للتجسس على الاتحاد السوفييتي عام 1955
تدخلات و انقلابات ..بالبلاد العربية

يوليو 1956 : بعد سحب تمويل السد العالي، و تأميم عبد الناصر لقناة السويس، و غزو بريطانيا و فرنسا و إسرائيل لمصر.. هدد ايزنهاور باستخدام القنبلة الذرية إذا تدخّل الاتحاد السوفييتي إلى جانب مصر، و في نفس الوقت أزاحت بريطانيا و فرنسا و إسرائيل، مؤكّدة سيطرتها على المنطقة .
أكتوبر 1956 : إلغاء خطة انقلاب أمريكي على الحكم المنحاز إلى اليسار في سوريا، نتيجة لتوقيتها الذي جاء في نفس يوم الغزو الثلاثي لمصر .
إبريل 1957 : بعد انفجار المظاهرات المعادية للحكم في الأردن، أسرعت الولايات المتحدة بوضع الأسطول السادس في مواجهة الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض، و أنزلت المارينز في لبنان تحسبا للأوضاع، و فعلت نفس الشيء في سبتمبر لمواجهة سوريا ذات العلاقات مع روسيا، و أمدت الحلفاء بالسلاح، الأردن والعراق و لبنان و تركيا و السعودية ..و شجّعت تركيا على حشد 50 ألف جندي على الحدود الشمالية لسوريا .
عام1958 : دخول مصر و سوريا في الجمهورية العربية المتحدة، ثم في نفس الوقت إسقاط فيصل الثاني، ملك العراق، صاحب الميول الأمريكية، على يسد مجموعة من الضباط الوطنيين، و انفجار المظاهرات المضادة للحكومة اللبنانية، و للولايات المتحدة، بعد أن تدخلت المخابرات المركزية الأمريكية في تنصيب كميل جميّل رئيسا و دعم وجوده، مما ترتّب عليه نشر الولايات المتحدة 70 قطعة بحرية، و مئات الطائرات، و 14 ألف جندي من المارينز، للحفاظ على الأوضاع في لبنان . و قد هددت أمريكا
باستخدام الأسلحة النووية لمواجهة الجيش اللبناني إذا ما أبدى أية مقاومة، و أيضا لمنع توغـّل العراقيين في آبار البترول الكويتية .. كما وضعت الولايات المتحدة خططا سرّية بالاشتراك مع تركيا لغزو العراق .. و قد حفظت الخطّة و صرف النظر عنها بعد أن هدد الاتحاد السوفييتي بالتدخّل
منع الوحدة و تخريبها
من1957 إلى 1958 : كيرمبت روزفلت مسئول المخابرات المركزية الأمريكية، الذي كان مسئولا عن مؤامرة الانقلاب بإيران عام 1953، يفشل في حبك مؤامرة لاغتيال جمال عبد الناصر في مصر . و فيما بين يوليو 1957 و أكتوبر 1958، كشفت الحكومتان المصرية و السورية عن ثماني مؤامرات منفصلة، على الأقل، لإسقاط هذه الحكومة أو تلك، و لاغتيال عبد الناصر، و لمنع الوحدة المتوقّعة بين مصر و سوريا .
عام1960 : أمريكا تعمل علانية لمحاربة الحكومة العراقية، بدعم القوى الكردية المعارضة، و تفشل في محاولة اغتيال الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم، الذي كان يميل إلى الاتحاد السوفييتي .
عام1963 : اشتراك أمريكا مع حزب البعث ( الذي سيرأسه صدام حسين بعد ذلك بقليل ) في مؤامرة إسقاط نظام عبد الكريم قاسم .
عام1966 : لأوّل مرة تبيع أمريكا قاذفات القنابل النفّاثة لإسرائيل، خارقة بذلك قرار عام 1956 بعدم بيع السلاح للدولة الصهيونية
حرب الأيام الستّة و أيلول الأسود

يونيو 1967 : بدعم و سلاح أمريكا، خاضت اسرائيل حرب الأيام الستّة، مستولية على 23% من الأراضي الفلسطينية التاريخية في الضفّة الغربية و غزّة و القدس الشرقية .. بالإضافة شبه جزيرة سينا من مصر، و مرتفعات الجولان من سوريا .
في17 سبتمبر1970 : القوات الأردنية، بمساندة أمريكا و إسرائيل، تهاجم المخيمات و المقاومة الفلسطينية، بينما يسقط الطيران الأردني إمدادات أمريكا من قنابل النابالم على التجمعات الفلسطينية . و بلغ عدد ضحايا أيلول الأسود هذا من الفلسطينيين، 5 آلاف قتيل و 20 ألف جريح .
عام1973 : أمريكا تمد إسرائيل بمعونة طوارئ عسكرية قيمتها 2و2 بليون دولار، بعد تحرّك القوات السورية إلى الجولان، و المصرية إلى سيناء .
من1973 إلى 1975 : مساندة أمريكا للمتمردين العراقيين، لتقوية النظام الإيراني، و إضعاف العراق التي كانت تميل إلى السوفييت

مغامرات أمريكا في إيران

عام1978 : مع بدايات ثـورة الشعب الإيراني ضد الشـاه المكروه، واصلت الولايات المتحدة الأمريكية مساندتها له " بلا تحفّظ "، و طالبته بأن يكون أكثر عنفا مع الشعب الإيراني . و في 8 سبتمبر، نصبت مذبحة لما يقرب من 8 آلاف متظاهر ضد الشاة في ميدان جاليه بطهران .
عام1979 : تحاول الولايات المتحدة، دون نجاح، أن تنقذ الشاه بمغامرة عسكرية . و في يناير، يضطر الشاه إلى الفرار، و استولت الثورة الإسلامية الشيعية، بقيادة الخوميني، على الحكم .
صيف 1979 : الولايات المتحدة الأمريكية تساند ـ علنا ـ جهود حكومة الخوميني في سحق التمرّد الذي قامت به حركة التحرر الكردية، فسيطرت إيران على كردستان
و إلى الرسالة التالية لنستكمل هذا السرد العجيب الذي يطرحه الكاتب الأمريكي الحرّ نعوم تشومسكي