الجمعة، أكتوبر ١٢، ٢٠٠٧

أمريكا ...الشعب



مخاوف العودة إلى عهد ماكارثي

في السنوات القليلة السابقة، تحرّك قادة اليمين السياسي المتطرّف من الهامش، لكي يتحكّموا في الجانب الأكبر من الحكومة القومية، و العديد من حكومات الولايات .. و هدفهم الواضح هو المضي القهقرى بما أطلق عليه الأمريكيون " المجتمع العظيم "، و بالمكاسب الثقافية و الاجتماعية و السياسية التي تعود إلى الستينيات .. بعض هذه الشخصيات و المؤسسات تتمنّى أن تعود بحكومة الولايات المتحدة، و بعلاقاتها مع المواطنين، لما كان الحال عليه قبل عصر التقدّم .. غير أن جهدهم المشترك لإعادة صياغة المجتمع الأمريكي، توحي بشبه مزعج مع عصر ماكارثي
صاحب هذه الدراسة هو جارا لامارش، الذي أمضى حياته في الخدمة العامة، بمراكزه المختلفة في اتحاد الحريات المدنية الأمريكي، و بتوليه مسئولية إدارة برنامج حريّة التعبير في مركز (القلم) الأمريكي، و بعمله كمدير مشارك في هيومان رايتس ووتش، ثم بموقعه الحالي كنائب رئيس و مدير للبرامج الأمريكية لمعهد المجتمع المفتوح بفضل تمويل و رؤية محب الإنسانية جورج سوروس، تكفّل معهد المجتمع المفتوح بنطاق واسع من المبادرات، تستهدف تشجيع المجتمعات المفتوحة، عن طريق تشكيل السياسات الحكومية، و دعم التعليم و الإعلام و الصحة العامة و حقوق الإنسان و المرأة .. بالإضافة إلى تشجيع الإصلاح الاجتماعي، و القانوني و الاقتصادي
يتساءل جارا لامارش " لماذا أعتقد بوجود خطر جاد و منظّم لمجتمعنا المفتوح ؟ . قبل أن أجيب على هذا السؤال، أريد أن أراجع معكم تاريخ معهد المجتمع المفتوح، و التفكير الذي يكمن وراءه
في السنوات العشر الأولى، بفضل رعاية جورج سوروس و تشجيعه، استطاع أن يرسي أسس المجتمع المدني في دول تمرّ بمرحلة انتقال من المجتمع المغلق إلى المجتمع المفتوح، و أن يساعدها على اجتياز تلك " اللحظة الثورية " . و كان معظم هذه الدول من أوروبا الشرقية و الوسطى، من حكومات الاتحاد السوفييتي السابق، و التي كانت خاضعة للنظم الشيوعية .
الشيء المشترك بين تلك الدول، هو غياب أي وسيلة حقيقية لمراجعة قوّة الحكومة . كانت الانتخابات و المحاكم محاطة بأسوار، كما كانت المعارضة السياسية مكبوتة .. و أي نشاط حرّ في وسائل الإعلام، أو المؤسسات الأكاديمية و القانونية و الفنون، من الممكن أن يساعد على تحدّي الحقيقة الرسمية، كان يحطّم .
أمّا الدين، بقدر ما كان يسمح به، جرى استغلاله كسلاح في يد الدولة . على ضوء هذا الميراث، كانت المهمة الرئيسية لمؤسسة سوروس هي دعم خلق أو إحياء المؤسسات المستقلّة
السوق الحرّة ..ليست الحل

يقول لامارش " في منتصف التسعينيات، عندما أولى سوروس اهتمامه للبلد الذي اختاره، الولايات المتحدة، قارن تحديات المجتمع المفتوح هنا، بتلك التي يواجهها في باقي دول شبكة نشاطه . فأيقن أن الديموقراطية و الحرّيات المدنية كانت مؤمّنة نسبيا في المجتمع المفتوح النموذجي .. إذا كان العالم الشيوعي السابق متميّزا بكبت نشاط السوق، فالمشكلة في الولايات المتحدة كانت في إفراطها .. نويت جينجريش الجمهوري الذي تولّي الكونجرس عام 1994، رأى السوق باعتبارها الحل لكل شيء، حتّى لو أضر ذلك بأخلاقيات المهنة، و بالمعايير، و بالقيم السائدة .." .
لقد سعت برامج معهد المجتمع المفتوح إلى تحدّي هذا التوجّه، و بصفة خاصّة الإصرار على استمرار العوائق العرقية و الطبقية في مجالات المساواة أمام العدالة، و الفرص، و التعليم . و يضيف لامارش " لقد حاولنا أن نرعى الحوار حول قوانين العقاقير، و المستقبلات الحضرية، و إصلاح التعليم العالي، كما ساندنا السياسات و المطالب الشعبية و الجهد القانوني لتخفيض حالات الحبس الجماعي . لقد بقيت هذه الموضوعات على أهميتها القصوى . لكن على الساحة السياسية الأوسع، اهتزّت أعمدة المجتمع المفتوح، التي تجعل التقدّم الاجتماعي ممكنا
ماذا فعل بنا 11 سبتمبر ؟

كشفت استجابة الولايات المتحدة لهجوم 11 سبتمبر2001 عن حقيقة أن الحريات المدنية في الولايات المتحدة كانت أبعد ما تكون عن الأمان، هذا هو ما يقوله لامارش . فبعد أسابيع، انطلقت القوانين المقيدة للحريات بسرعة الصاروخ عبر الكونجرس بأقلّ معارضة، مئات العرب و المسلمين و الآسيويين الجنوبيين جرى تكديسهم في معتقلات لا يمكن الوصول إليها، و بدأ إعداد المحاكم العسكرية التي تفتقد إلى حد بعيد أي إمكان لحماية حق المعتقلين، و استعدت تلك المحاكم للتعامل مع المقاتلين الأعداء
و العديد من تلك الانتهاكات أصبحت ممكنة نتيجة استغلال المخاوف الطبيعية حول الأمن، في أعقاب أهم الأحداث دراماتيكية لهجوم على الأرض الأمريكية، على مدى 60 سنة . و قياسا على ما جرى في عصر ماكارثي، و الحرب اليابانية الأمريكية من 1941 إلى 1945، لم تفقد الجماعات الرئيسية المدافعة عن الحقوق المدنية ( و التي يدعم معهد المجتمع المفتوح معظمها )، لم تفقد صوتها أم تنسى مبادئها . منذ البداية، كانت هناك معارضة قوية و واضحة .
و يشير لامارش إلى أن الجمهور الأمريكي قد أصبح متشككا في " الإنذارات " بهجمات إرهابية، التي يبدو من توقيتها أنها تجيء عادة في حالات الضعف السياسي للنظام، أو لانكشاف بعض خباياه أمام الناس
يقول لامارش " ينصب اهتمامي على الضرر الذي لحق بالمؤسسات المستقلة و المعارضة في الولايات المتحدة . إننا أكثر قربا الآن من نظام أمريكي تحكمه أيديولوجية، و حزب واحد .. يقوم على شراكة مستورة مع إعلام متعصب و الأكثر رجعية، و مع القوى الدينية، ممّا يخلق شيئا أشبه بالحكومة الدينية .." .
و يضيف أنه ليس مهما أن نصدق حدوث سطو على انتخابات 2000 أو 2004 ( رغم ما ثبت من تلاعب قانوني يعوق قليلي الدخل و الأقليات من بين الناخبين )، ليس مهما للتدليل على أن الديموقراطية ذاتها قد جرى التلاعب بها، من اجل الانفراد بالقوّة .. لقد بذل الجمهوريون جهدا جادا لتغيير القواعد، بحيث يصبح الوضع أكثر سهولة بالنسبة للأغلبية لتمضي في طريقها، و لإزالة كل ما يعوق سرعة إصدار القوانين، و كل ما كان يتيح للأقليات إبطاء أو اعتراض مرور التشريعات التي في صالح الجمهوريين
و هو يقول أن " الاحتمال النووي "، الذي كان يصرّ عليه بيل فيريست زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، و أعوانه، لم يكن له سوى هدف واحد، ألا وهو تأمين تعيين قضاة يمينيين متشددين على مدى حياتهم، و هم الذين سيزيلون آخر العقبات الباقية أمام سيادة نظام الحزب الواحد
يقول الكاتب جالا لامارش " مع كل حديث الرئيس بوش و الآخرين، عن ( ثقافة الحياة ) ـ والذي هو بصفة خاصة جانب مرير من نفاق مؤلفي حرب العراق، و الذين يهاجمون سلامة شبكة المعلومات، و الدعوة إلى حماية البيئة .. و المدافعين عن عقوبة الإعدام ـ نكتشف أن ( ثقافة القانون ) هي التي تتعرّض للخطر في الولايات المتحدة هذه الأيام .."
ثم يستطرد، إنه القانون، و الدستور و حقوق الإنسان بالتحديد، التي يقصد بها إنقاذنا من النفوذ الزائد و المؤقّت للأغلبية المتهيّجة . المؤسسون الأوائل أعطوا للقضاة الفدراليين ولاية مدى الحياة، لهدف محدد هو تأكيد قدرنهم على مقاومة ضغوط الأغلبية
بوش يعتدي على المجتمع المدني

في هذا الجانب من الدراسة التي قام بها الكاتب الأمريكي جارا لامارش عن أزمة الديموقراطية الراهنة في أمريكا، يستعرض بالتحديد انعكاس هذه الأزمة، متمثّلا في العدوان الذي يجري على مؤسسات المجتمع المدني، سواء في وسائل الإعلام، أم في المجال الأكاديمي و الجامعات، أم في المؤسسات الخيرية التي لا تستهدف الربح .. و يشرح كيف يسعى اليمين المتطرّف بقيادة عصابة المحافظين الجدد، إلى تخريب كل ما كانت تعتزّ به أمريكا، و تكتسب به صفة الريادة في الحرية و التحرر
و هو يقول أن وسائل الإعلام هي أرض المعركة الكبرى في أزمة الديموقراطية الراهنة . و هذا ليس أمرا جديدا علينا، و إن كان لامارش يطرح التفاصيل الدقيقة له . فأي مقارنة بين وسائل الإعلام الأمريكية التي تتحكّم فيها الرأسمالية الكبرى، في مجالات تجارة السلاح، و البترول، و المقاولات، و بين وسائل الإعلام في باقي أنحاء العالم، تكشف عمليات التلفيق التي تمارسها هذه الوسائل، مثل ما تفعله فوكس في كل أدواتها الإعلامية، و ما تلتزم به قناة سي إن إن على سبيل المثال، و ما تخطط له، و تلحّ به هوليوود من أفلام ينضح معظمها بالتوجيهات الدائمة لحساب تلك القوّة الرأسمالية الحاكمة
و في الرسالة التالية نكشف عن جانب من الوجه النظيف لأمريكا، متمثلا في الأمريكيين الشرفاء، الذين يسعون إلى كشف أبعاد المؤامرة الحالية

السبت، أكتوبر ٠٦، ٢٠٠٧

أمريكا ... الشعب


الشعب الأمريكي
أولى بالرعاية

ـ
و ماذا عن الشعب الأمريكي ؟ .. ماذا عن البشر الذين يعيشون في دوامة غسيل المخ التي يسيطر عليها حكم طبقة كبـــــــــار الأغنياء؟

و ماذا عن الصورة الحقيقية، بعيدا عن أكاذيب الصورة الوردية المزيّفة التي تلحّ بها وسائل الإعلام، و أفلام هوليوود،الخاضعة لسيطرة نفس طبقة كبار الأثرياء الحاكمة ؟


دعونا نستمد معالم الصورة من أقلام الأمريكيين الشرفاء في كلّ مجال .. و لنبدأ بالتحليل النفسي الذي يشرح الآليات النفسية للإمبراطورية الأمريكية


الشعب الأمريكي يتخبّط في مجموعة من النوازع المتوالدة ـ رغم تناقضها ـ مثل النرجسية الاجتماعية، المصحوبة بمشاعر الخوف و الخجل و العدوانية .. و مثل الشعور المرضي بالتفوّق الذي جسّده ريجان عندما اعتبر أمريكا ( المدينة المتلألئة فوق التل )، المصحوب بأحاسيس غالبة من عدم الأمان و الخوف .. و مثل الميل الدائم للبحث عن عـدو خارجي، يجسّد الشر الذي لا تجده إلاّ في الآخر

هذا التحليل ليس من عندي، إنه بعض ما جاء في بحث قدّمه المحلل النفسي الأمريكي ستيفن سولدز، مؤسّس جمعية " محللون نفسيون من أجل السلام و العدالة "، في المؤتمر الذي عقد في كمبردج في شهر فبراير 2004 .2004 يبدأ سولدز بحثه بواقعة برجي التجارة العالمي، فيقول: في 11سبتمبر 2001، تعرّضت الولايات المتحدة الأمريكية لهجوم إرهابي ضخم، قتل فيه ما يقرب من 3 آلاف شخص .. و لكي نضع هذا الحدث في منظوره السليم، علينا أن نتذكّر ما لقيته المملكة المتحدة من حملة إرهابيي جيش التحرير الأيرلندي على مدى عقدين . و ما لقيته إيطاليا من الكتائب الحمراء، بالإضافة إلى نشاط متنوّع من إرهابيي الجناح اليميني . كما أن العديد من دول أمريكا اللاتينية قد تعرّضت لنشاط لإرهاب اليمين و اليسار، بالإضافة إلى إرهاب الدولة، الذي كان غالبا تحت رعاية الولايات المتحدة، و تسبّب عنه قتل عشرات و مئات الآلاف في عدة دول
ثم يشير سولدز إلى ما لقيه الشعب العراقي من حروب و حصار اقتصادي، مات فيه مئات الآلاف من العراقيين، و ما لقيته الشعوب الأفريقية على مدى ربع القرن الماضي، من إرهاب و حروب أهلية، مات فيها الملايين .. ثم يقول :و مع ذلك، العديد من المواطنين الأمريكيين يشعرون أنهم ـ دون غيرهم ـ المتعرّضين لإرهاب المسلمين، و أن عليهم أن يوقعوا العقاب و الجزاء، بأي شكل يراه قادتنا يقود إلى أن تصبح بلادنا سـالمة .. و بناء على ذلك جرى تمزيـق جميع الأصـول المرعية بين الدول، و القوانين الدولية، و غير ذلك من المؤسسات التي تحرّم الحروب، على يد القوّة العظمى المسيطرة في العالم،الولايات المتحدة
منذ البداية تقريبا، احتلّت الأيديولوجية الأمريكية مكانة فريدة في أمريكا . و كما وصفها الرئيس السابق ريجان : أمريكا هي المدينة المتلألئة فوق التل، مستعيرا وصف السيد المسيح للجنة .. و من هنا، وفقا لقول ريجان، الولايات المتحدة هي المرادف للجنة . و الأكثر من هذا، أنّها تتلألأ، ليس بالضرورة لشيء نفعله، و لكن بسبب من نكون . لقد أوضحت إدارة بوش بجلاء، أنّه يجب على باقي العالم أن يعترف بتفوقنا


النرجسيون .. و نقص المعرفة


يقول سولدز " الأمريكيون، شأنهم شأن رئيسنا، موصومون بنقص المعرفة، و نقص في الاهتمام بآراء شعوب البلاد الأخرى .. و في مجال عملنا كمحللين نفسيين، نطلق على هؤلاء الذين يفتقدون التواصل و التعاطف مع الآخرين ( النرجسيون )"، و هويعني مرضى عشق الذات المرضي . و هو يضيف أن الأمريكيين يظهرون نوعا من النرجسية الاجتماعية . و في السنوات الأخيرة، توصّل علم التحليل النفسي، إلى أن النرجسية تكون مصحوبة بمشاعر متغلغلة ـ و إن لم يتم الاعتراف بها ـ تتراوح بين الخوف و الخجل و العدوانية


الخوف و انعدام الأمان


و يرتبط برؤية إحساس الأمريكيين بالتفوّق، و الذي يتضمّن عناصر من عشق الذات، يمكنا أن نستطرد فنقول أن ّهم يعانون من إحساس مسيطر بعدم الأمان و الخوف . و يستطرد سولدز من هذا إلى أحداث 11سبتمبر، فيقول أنها كانت صدمة باعتبار أن الأرض الأمريكية كانت دائما بعيدة عن الحروب . فالحروب كانت بالنسبة للشعب الأمريكي، أمور تحدث على أرض شعوب أخرى، و أن الغزو أمر نقوم به نحن تجاه الآخرين، كما كان الحال مع بنما، و جرينادا، و هاييتي، و العراق، بالنسبة للسنوات الأخيرة
و بينما كانت هناك دائما درجة من الإرهاب المحلّي، معظم البيض من هذه البلاد لم يشعروا بالخوف إزائها، بشكل يومي . حتّى بالنسبة لصدمة تفجير أوكلاهوما سيتي، لم تغيّر هذا . و مع ذلك، فقد كان الأمريكيون يعانون من انعدام الشعور بالأمان و الخوف لزمن طويل . فبينما استطاعت قلّة أن تنجح ماليا في تسعينيات القرن الماضي، فقد واجه معظم العمال تقريبا ركود في الدخول، الدخول التي تصبح مهددة عندما يفقد الشخص وظيفته، أو تختفي حرفته . لقد أصبح ضمان الوظيفة من ذكريات الماضي.. يصوّر هذا أستاذ العلوم السياسية، حاكوب هاكر، فيقول أن عدم استقرار دخل الأسرة قد زاد بمقدار 500 في المائة، من عام 1972 إلى 1998 . و هذا يعني أن العائلة معرّضة حاليا لهبوط حاد في اقتصادياتها الشخصية، أكثر ممّا كان عليه الحال منذ 30 سنة مضت

يقول ستيفن سولدز : و هكذا، ما الذي يحدث عندما تعيش في أعظم أمّة على الأرض، و تشعر بتهديد فقدان الوظيفة، و الأمن، و مكانك في الأسرة ؟.. إحساس بعدم الكفاءة و الإهانة .. لهذا، عندما يعرض عليك عدو خارجي ( آخر ) تلومه، فليس غريبا أن يتمسّك العديدون بهذه الفرصة

الآخر هنا قد يكون الإرهاب الإسلامي، أو صدام حسين، أو البعث العلماني، أو دولة آيات الله في إيران .. إنّهم الأشرار، و حلفاء الشيطان، و بهذا يمكن أن نكون نحن الأخيار . يقول سولدز " نحن علماء التحليل النفسي، نطلق على هذا ( الإسقاط ). نحن نتخلّص من غضبنا، و نلقي ثقله على الآخر . و من ثم لا نشعر ـ واعين ـ بالتهديد الذي يسببه غضبنا، و يجرّه علينا، بعد تبرير كل ذلك بعدوانية الآخر


بوش .. و مسدساته الستّة


الخوف و القلق و الإحساس بالفشل، و الشعور بالخجل، كلّ هذا ينشّط نموذج الأب الصارم .. وجود عدو في الخارج يسعى إلى تدميرنا، ، يقود إلى إيمـان الناس بالحاجة إلى قيادة قوية، و إلى صـورة الأب الحكيم الذي يحمينا . و هكذا، قفز الرئيس بوش بملابس الميدان، ذلك الرئيس الذي يستطيع أن يسحب مسدساته الستة، و يصل إلى الأشرار " أحياء أم أموات " . و كما يقول المحلل توم انجلهارت : " الرئيس بوش يعتبر أستاذا في مضاعفة إحساس الشعب بالخوف وعدم الأمان، من أجل تنشيط ذلك النموذج للأب الصارم، على أساس أنه هو ذلك الأب الذي لا غني عنه بالطبع " . و هو يقول أن الشعب سيتمسّك بهذا المنقذ، حتّى عندما يثبت فشله، و لسان حاله يقول " علينا أن نتجاهل فضائحه في وسط الأزمة، حتى نحافظ على شعورنا بالأمن .. فرؤية القائد كشخص ضعيف، أو كاذب، أو متلاعب، سيقود فقط إلى الإحساس بالخطر
لا أريد أن أثقل على القارئ بالتفاصيل التقنية لأداء المحلل النفسي، في مواجهة الإسقاط، و بالتحديد ما يعرف باسم " التماهي الإسقاطي " . يكفينا هنا القول بأن النقد الاجتماعي و الاحتجاج، عندما يكونا ناجحين، يعملان كمرآة للمجتمع، يتيح للناس أن يروا، ثم يندمجوا بالتدريج، مع رغباتهم و دوافعهم التي ينكرونها . و يقول الأستاذ سولدز :و هذا يساعد على تفسير النجاح الملحوظ لاحتجاج

و الاعتراض في بعض الأحيان، و قدرة اللاعنف في بعض الأحيان علىتغييرالإمبراطوريات
في هذه الحالة، يسعى الداعمون للوضع القائم إلى تصوير النقاد الاجتماعيين، و المحتجّين، باعتبارهم ( الآخرين ) . لقد شهد النائب العام أسكروفت، أمام لجنة مجلس الشيوخ، في 6 ديسمبر 2001، قائلا : وإلى أولئك الذين يخيفون الشعب المحب للسلام، بأشباح فقدان حرّيته، رسالتي إليهم هي : تكتيكاتكم تساعد الإرهابيين فقط، لأنها تخرّب وحدتنا الوطنية، و تضعف من عزمنا . إنّها توفّر ذخيرة لأعداء أمريكا، و تجمّد حركة أصدقاء أمريكا .. إنّهم يشجّعون أصحاب النوايا الطيبة على الصمت في مواجهة الشيطان


يختم ستيفن سولدز دراسته فيقول


( 1 ) الذي أقترحه هو أنه من خلال القول و الفعل، يمكن لأصحاب النوايا الحسنة، أن يساعدوا المجتمع على رؤية صورته بوضوح أكبر، و على أن يتقبّل المجتمع انحرافاته ويسعى إلى التخلّص منها .
( 2 ) و يكون في نفس الوقت أكثر قبولا لأماني و اهتمامات الآخرين . هذا هو الذي يمكن أن ينشّط نموذج الأسرة الراعية .. في مقابل نموذج الأب الصارم

( 3 ) أمّا البديل الآخر لمجتمعنا، فهو أن يواصل ـ في محاولاته غير الناجحة ـ محاولة استئصال الشيطان، و هي المحاولة التي كان مصيرها أن تفشل دائما، ذلك الفشل مرتفع الثمن بالنسبة للذات و للآخرين
( 4 ) علينا أن نتعلّم كيف ننجح في القيام بدور المرآة، بشكل أكثر كفاءة، إذا ما أردنا

أن يكون لدينا مجتمعا إنسانيا، نسلّمه إلى أولادنا


و إلى الرسال التالية، لنرى مخاوف العودة إلى عصر ماكارثي

الاثنين، أكتوبر ٠١، ٢٠٠٧

لعبة الطفولة ..تفجير الضفادع


الحالة العقلية و النفسية للرئيس بوش

نأتي أخيرا إلى مسألة جادة، رغم تكرار ورودها في مجال السخرية من دوبيا، في وسائل الإعلام الحرّة في أمريكا .. مسألة حقيقة الصحة العقلية و النفسية للرئيس بوش ! .. بالمناسبة : بوش لم يدفع المحامين التابعين للحزب الجمهوري لإقامة دعاوى بالتغريم و السجن على من تحدثوا في وسائل الإعلام المختلفة عن حالته العقلية ..ربما يعتبر هذا الموقف مؤشرا على حالته العقلية، قياسا على الآخرين
تيريزا هامتون، المحررة في كابيتول هيل بلو، كتبت تقول أن الرئيس بوش يتعاطى أدوية قوية مضادة للاكتئاب، في محاولة للتحكّم في سلوكه المهتـزّ، و الإحساس المرضي بالاضطهـاد، و عن هذا قالت " الدواء الذي كتبه للرئيس بوش كولونيل ريتشارد تب، طبيب البيت الأبسض، يمكن أن يضعف قدرته على الاستجابة للأزمات .." . و هذا هو ما يردده أيضا ـ فيما بينهم ـ مسـاعدو الرئيس، و يقول أحدهم : إنّه سلاح ذو حدّين .. فنحن لا نريده أن يفقد أعصابه لأبسط استفزاز، لكننا في نفس الوقت نحتاج إلى رئيس متيقّظ عقليا
وصف طبيب البيت الأبيض ذلك الدواء، في الثامن من يوليو الماضي، عندما اندفع بوش خارجا من المسرح الذي كان يتحدّث فيه إلى بعض رجال الإعلام، رافضا الإجابة عن سؤال وجّه إليه منهم، حول علاقته بمدير إنرون المتّهم كينيث لاي .. اندفع إلى كواليس المسرح، صائحا بصوت مرتفع سمعه بعض من كانوا في المسرح، و موجّها الحديث إلى للطاقم العامل معه : ابعدوا عنّي هؤلاء ( لفظ بذيء يعاقب عليه القانون عن الذي يزني بوالدته ! )..إذا لم يكن هذا بإمكانكم، سأجد من يستطيع
لقد حاول أنصار بوش و العاملون معه تكذيب هذه الحقائق، باعتبارها دعاية انتخابية مضادة، غير أن ما ورد في كتاب الطبيب النفسي دكتور جاستين فرانك، بجامعة واشنطون " في داخل عقل الرئيس " يؤكّد ما يورده المعلقون من حقائق . لقد شخّص بوش باعتباره يعاني من " الإحساس المرضي بالاضطهاد و العظمة " في نفس الوقت !، كما يصفه بأنّه " مدمن خمور لم يستكمل علاجه " ، و أيضا " مع تاريخ طويل من السادية، منذ نزوات الطفولة الغريبة، و إهاناته المتكررة للصحفيين، و ما يبديه من ارتياح خبيث لعمليات الإعدام

لعبة تفجير الضفادع


تقول ميريام مييدزيان، من جريدة بلتيمور سن :..و هكذا، عندما كان صبيا صغيرا، كان جورج دبليو بوش يستمتع بوضع صواريخ الأطفال في أفواه الضفادع، و إشعالها، ثم قذفها في الهـواء، مستمتعا بمراقبته الضفادع و هي تنفجر في الهواء
كما يقول ميك يوثر، من جامعة إلينويز الجنوبية في نيويورك تايمز: كنت أتخيّل جورج دبليو بوش يكتفي كصبي صغير خبيث، بأن يستمتع بنزع سيقان حشرة فرس النبي، لكني كنت مخطئا ..فجورج الصغير كان يفضّل حشر الصواريخ اللعبة في أفواه الضفادع، و يتفرّج عليها و هي تنفجر
مجموعة مرموقة من المعالجين النفسيين، و الأساتذة في عدة جامعات أمريكية، مثل جيمس جروتشين و إرفين يالوم، أبدوا قلقهم بالنسبة للحكمة من إعطاء أدوية قوية مضادة للاكتئاب، لشخص صاحب تاريخ في الاعتماد على العقاقير الكيميائية فالرئيس بو مدمن خمور سابق، لم يستكمل علاجه من الإدمان، بالإضافة إلى ما يحكى عن استخدامه الكوكايين في شبابه .. الأمر الذي لاحقه في حملته الانتخابية كحاكم لتكساس، ثم في حملته السابقة للرئاسة
أصحاب الاهتمام بما يدور في البيت الأبيض، يقولون أن الحالة الجسدية و العقلية لبوش أشبه بحالة رونالد ريجان في ولايته الثانية، عندما اضطر المساعدون إلى الكشف عن فجوات الذاكرة التي يبديها ريجان، و التي كانت مقدمة لإصابته بمرض الزاهايمر .. كما أن حالة بوش حاليا، تعيد إلى الذاكرة الأيام الأخيرة لريتشارد نيكسون، قبل تقديمه لاستقالته، عندما كان يتجوّل في قاعات البيت
الأبيض، يتحدّث إلى لوحات الرؤساء السابقين

بين الإنجيل، و الألفاظ البذيئة
يؤكّد هذا المعنى، ما كتبه دوج تومسون في كابيتول هيل بلو، في شهر يونيو 2005، قائلا أن تصاعد السلوك الشاذ، والتذبذب العريض في المزاج، جعل ردهات الجناح الغربي من البيت الأبيض في الآونة الأخيرة، تطنّ بهمسات مساعدي الرئيس، و هم يعبّرون عن اهتمام متزايد بالحالة العقلية لرئيسهم .. و من بين ما يقوله، أنّه في اجتماع مع كبار المسئولين، يقفز الرئيس ـ في نفس واحد ـ من اقتباسات الإنجيل، إلى سيل من الألفاظ البذيئة عن الإعلاميين، و الديموقراطيين، و إلى الكثيرين الذين يصفهم بأنّهم .. أعداء الدولة
مساعدو الرئيس في البيت الأبيض، يعلنون قلقهم، و يرسمون صورة رجل يقف عند الحافّة .. يبدي حذرا متزايدا تجاه جميع الذين يخالفونه الرأي، و يبدي ارتيابا مرضيا تجاه الجمهور الذي لم يعد يثق في سياساته في العراق، و داخليا . عن هذا يقول أحد المستشارين في الحزب الجمهوري، و صاحب اتصالات قديمة بالبيت الأبيض : هذا يذكّرني بأيام نيكسون .. كلّ شخص عدو، و كل شخص يسعى للانقضاض عليه .. هذا هو المزاج السائد هنا هذه الأيام
كما يقول أحد مساعدي الرئيس بوش " نحن في حالة حرب، ليس هناك شكّ في ذلك ..لكن الذي لم أعد أعرفه : من هو العدو ؟ .. إننا نمضي وقتا أطول في هدم جون كيري، ممّا نمضيه في حربنا مع القاعدة ..علما بأن قائمة أعدائنا تنمو و تتزايد
و يقول مساعد آخر من مساعدي الرئيس بوش في البيت الأبيض، بعد اعترافه بأنّه ينهمك هذه الأيام في البحث عن عمل آخر يهرب إليه : المزاج العام عندنا، أننا جميعا تحت المراقبة، بلا أدنى شك ..لن تحتاج ـ بالنسبة لهذه الإدارة ـ أن تضع عمامة، أو تتحدّث الفارسية، لكي تصبح عدوا للولايات المتحدة الأمريكية ..يكفي جدا في هذا المقام أن تبدي عدم موفقتك على ما يقوله الرئيس أمّا أستاذ العلوم السياسية و الكاتب المعروف بوب فيتراكس، فقد كتب يقول أن الرئيس بوش قال للمبشّر البروتستانتي الذي يعمل في تكساس :
أشعر أن الله يريدني أن أرشّح نفسي للرئاسة .. لا
أستطيع أن أفسّر ذلك، لكني أشعر أن بلادي ستحتاجني .. سيحدث شيئا ما .. أعلم أن هذا لن يكون سهلا على شخصي، أو على أسرتي، لكن الله يريدني أن أفعل ذلك
يعلّق فيتراكس على هذا قائلا " متى كان آخر مرّة حكم دولة غربية قائدا تسيطر عليه هذه الأفكار ؟ وهو يشير هنا إلى عبارة : (إن الله معنا ) .. إذا أجبت إنه أدولف هتلر، و ألمانيا النازية، فأنت مصيب .. كلأّ من بوش و هتلر يؤمن أن الله قد اختاره لقيادة بلده . لقد أعلن هتلر بجرأة، قبل أن يشرع في تنفيذ خطته للحرب الوقائية ضد أوروبا كلّها : أريد أن أشكر العناية الإلهية، لاختياري من بين جميع البشر، فسمح لي بشن هذه الحرب من أجل ألمانيا
سنصدّر الموت إلى أركان الدنيا
ميك يوثر، الذي أورد قصص انحراف بوش الطفل، في واقعة تفجير الصفادع، يقول أنّه ليس من الضروري أن يقلق بوش من ماضيه، و ما حدث في ذلك الماضي، لأنّه ببساطة ـ و على حد قوله ـ قد ولد من جديد .." . و يستطرد يوثر قائلا " لم يقتصر الأمر على نسيان خطاياه، ذلك لأن بوش قد بورك بنعمة نشر رسالة مخلّصة، للسلام و الأخوّة حول العالم .. ثم يورد يوثر نصّ أقوال بوش في مناسبات عدّة، بعد أن تلبّسته و استحوذت عليه هذه الحالة الغريبة . و من ذلك ما جاء في حديث له مع جريدة هاآرتز الإسرائيلية، و نشرته عنها الواشنطون بوست، في يونيو 2003 : الله قال لي اضرب القاعدة، فضربتهم ..ثم أمرني بأن أضرب صدّام، و هو الذي قمت به .. و الآن أنا مصمم على حلّ مشكلة الشرق الأوسط .. إذا ساعدتموني سأتصرّف، و إذا لم تساعدوني ستحلّ الانتخابات، و سيكون عليّ أن أركّز عليها
و نقل بوب وودوورد في كتابه ( بوش في الحرب ) عن بوش قوله : سنصدّر الموت و العنف إلى أركان الدنيا الأربعة، دفاعا عن هذا البلد العظيم، لكي نتخلّص من عالم الشر
في يوليو 2003، كتب عن هذا كريس فلويد، في كونتر بنش " لا شيء ممّا يفعله بوش يمكن مهاجمته على أساس أخلاقي، مهما بدا شريرا، لأن جميع تحركاته تجري بتوجيه من الله . بإمكانه أن يلوي الحقائق، و يقهر الفقراء، و يمجد الأغنياء، و يفسد الأرض، و يتجاهل القانون .. و يقتل الأطفال دون تردد، و لا للحظة شكّ قصيرة، أو محاولة تأمل، لأنّه يؤمن حقّا أن الله يربض في جمجمته، و يلقّنه ما يجب عليه أن يفعله
و دعونا نختم هذا الفصل بدرّة من درر أقوال جورج دبليو بوش التي تلخّص حالته العقلية ، فهو صاحب هذا التصريح العجيب
أنا أعرف ما أومـن به .. و سأستمرّ في طرح ما أومـن به ..و أنا أومـن بأن ما أومـن به صحيح
هذا عن الرئيس الأمريكي
فماذا عن الشعب الأمريكي؟

الجمعة، سبتمبر ٢٨، ٢٠٠٧

المهمة قد أنجزت فعلا




بوش .. لم يكذب



هل تذكرون يوم وقف بوش فوق البارجة الأمريكية، يهنئ قوات المارينز بانتصار أمريكا في حربها على العراق، و قد نصبت خلفه لا فتة كبيرة، مكتوب عليها " المهمّة قد أنجزت "، و هي عبارة أراد بها بوش أن يوحي للعالم أن مغامرته العسـكرية لغزو العراق قد انتهت بنجاح .. و لم يعرف وقتها أن محنة العراق كانت بالكاد قد بـدأت . المهم .. لقد سـخرنا جميعا من مشهد البارجة، لكن الأيام أثبتت أننا كنّا على خطأ، و أن بوش كان محقّا تماما، و أن مهمّته قد أنجزت .. كيف؟ .. سأقول لكم ..
لقد انشغلنا جميعا بتفنيد الشعارات الكاذبة التي كانت إدارة بوش ترفعها، الشعار تلو الشعار .. ما أن يسقط أحدها، حتّى تنتقل بكل شجاعة إلى الشعار التالي ..
كان شعار أسلحة الدمار الشامل، من أكثر الشعارات شيوعا . و راح بوش يعد الجميع بالكشف عن تلك الأسلحة، بعد غزو العراق و سقوط نظام صدام حسين . قال ذلك بأعلى صوت رغم جميع التقارير التي رفعتها اللجان المختصّة حول تلك الأسلحة، و التي أجمعت على عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق . بل لقد اضطّر كولن باول أن يقف في الأمم المتحدة، و يستعرض صور لوريات الدمار الشامل، رغم يقينه بزيف ما يقول .. و مرّت الشهور على رجال بوش ينقّبون تحت كل حجر عن أسلحة الدمار الشامل، دون أن يعثروا و لو على دليل ضعيف . و ماذا كانت النتيجة ؟ لم نر أي أسلحة .. لكننا رأينا فقط الكثير من الدمار الشامل


أكذوبة الديموقراطية


ثم يأتي الشعار الكاذب التالي الأقل إقناعا، شعار الغزو من أجل الديموقراطية ! . ضعف الشعار يأتي من أمرين، ممارسات إدارة بوش غير الديموقراطية داخل الولايات المتحدة، و التي عبّر عنها الشعب الأمريكي بكل قوّة عندما خرج بمئات الآلاف في معظم الولايات، لينادي برفضه لغزو العراق . و من ناحية أخرى الممارسات التاريخية للإدارات الأمريكية المتعاقبة ( و بخاصة الجمهورية منها )، و ميلها في تعاملها مع الدول، إلى ذات النظم الشمولية التي تضمن لأمريكا جني مكاسبها بلا تلكّؤ،ثم العديد من الانقلابات على النظم الديموقراطية في العالم من أجل تنصيب نظام فاشيستي عميل

و نأتي أخيرا، للشعار الذي مازال بوش و نائبه يتمسّكان به، في عناد أشبه بعناد التيوس، رغم فشل اللجنة المختصّة بالكونجرس في إثبات أي صلة بين صدام حسين، و أحداث 11سبتمبر، أو القاعدة ، فهذا هو الشعار الوحـيد العائم الذي يمكن أن يظلّ معلّقا، إلى حين العثور على شـعار كاذب جديد مبتكر
لقد صرفت هذه الشعارات انتباهنا عن الأهداف الحقيقية لإدارة بوش، تلك الأهداف التي لو تأمّلناها لقلناأن بوش قد نجح في مهمّته


التحالف الثلاثي الأعظم


يقول الكاتب كريس فلويد : لقد حقّق جورج دبليو بوش ـ بالتحديد ـ ما خرج ليفعله بعدوانه : إقامة حكومة عميلة بالعراق، يرأسها رجل قوي، يستطيع تحقيق الهدف الاستراتيجي لإدارة بوش، و هو إقامة ( موضع قدم ) عسـكري دائم في دولة البترول الهامة هذه، و في نفس الوقت ضمان تحقيق الهدف قصيرالمدى، الخاص بفتح الدولة لاستغلال أصدقائه، و للمصالح الخارجية المستحبّة .. كل هذا قد تحقّق الآن، بل و كان مدعوما بخاتم الموافقة من مجلس الأمن في الأمم المتحدة

و يضيف فلويد قائلا أن فهم ما يفعله بوش، يحتاج منّا أن نفهم شيئا أساسيا عن عائلة بوش، و هو أنّها تمثل تحالف ثلاث مجموعات قوى عظمى متأصّلة من الصفـوة الأمريكية هي قوى : البتــرول، و الســـلاح، و

الاستثمارات . هذه المجموعات تضع مصالحها الخاصة، و ما تحققه من ثراء و مزايا، في كفّة تضاهي كفّة مصالح الولايات المتحدة، و العالم ككلّ . و هم يسعون إلى تلك المصالح بكلّ سلاح تحت أيديهم، بما في ذلك الحرب، و التعذيب، و الخديعة، و الفساد . ثم يقول " الديموقراطية لا تعني لديهم شيئا، و لا حتّى في داخل بلدهم كما شاهدنا سنة 2000 . فالقوانين، وظيفتها أن تبقي القطيع العام في الصف الخاص به، باعتبار أنه لا ينتسب إلى الصفوة، الأمر الذي صرّح به المحامون التابعين لبوش في مذكّراتهم صراحة، أنه يمارس ( سلطته الشرعية ) في ( تجنيب القانون )، و أن يأمر بأي جريمة باسم: الحرب على الإرهاب

و لتثبيت هذا الوجود المسيطر لأمريكا في العراق، و ضمان دوامه، كان الأمر يحتاج إلى · حكومة عميلة قوية .. و هو ما يسعى إليه بوش، حتّى قبل أن يبدأ الغزو . و لدى الإدارة الأمريكية العديد من الأسماء . عرفنا منها أحمد جلبي الذي اختفى من الصورة مؤقتا بعد أن راهن على البنتاجون، فخسر البيت الأبيض و المخابرات .. و لديه الآن إياد عللاوي الذي يلعب بحرص شديد في انتظار الفرصة المواتية .. ثم كان أخيرا الاعتماد على الدمية الحالية نور المالكي ..و لو أن هذا الهدف لم يتحقق بنفس النجاح الذي حققه في أفغانستان اختيار العميل قرضاي .. لقد ثبت أن الوضع في العراق يختلف كثيرا عن أفغانستان، و في أكثر من ناحية · ثم قواعد عسكرية آمنة: و قد انتهى الجيش الأمريكي من تجهيز 14 قاعدة عسكرية أمريكية قوية، لتكون بمثابة نقط ارتكاز دائمة للولايات المتحدة في العراق و المنطقة · سفارة قوية: تكون بمثابة البيت الأبيض الأمريكي في العراق . و قد تحقق ذلك منذ أن كان نيجروبونتي سفيرا لأمريكا في العراق، فأقامت الولايات المتحدة اضخم و أوسع سفارة أمريكية في بغداد، تعجّ بالخبراء و العملاء

* * *

علينا أن نعترف بنجاح بوش في تحقيق أهداف نخبة النفط و السلاح و الاستثمارات الأمريكية من غزو العراق .. حتّى لو تحكّمت حكومة العراق الجديدة في صناعة البترول، فهناك البلايين التي توفّرها الخدمات و التكرير و التوزيع و أمن الآبار . و الجيش العراقي الجديد، سيحتاج السلاح و المعدات، التي ستشترى من صناع السلاح الأمريكيين .. و كما في حالة السعودية، سيجري ضخ ما لا يحصى من البلايين إلى بنوك أمريكا و مؤسسات الاستثمار بها


بعد هذا، ألا يحقّ لبوش أن يقول " المهمّة قد أنجزت " ؟

الخميس، سبتمبر ٢٧، ٢٠٠٧

اعرافات قنّاص اقتصادي أمريكي



البنك الدولي .. فضيحة


يقول جيفري ساتشس، الكاتب و مدير معهد الأرض بجامعة كولومبيا، و مؤلّف كتاب (نهاية الفقر )، تحت عنوان " حان الوقت لتحرير البنك الدولي "، أنّ الديموقراطية تبدأ من الداخل، فإذا أردنا للبنك الدولي أن يكون قوّة مؤثرّة في تطوير الحكومات الجيدة بالدول النامية، يجب أن تتجاوز حكومته سياسات الحجرات الخلفية
و هو ينكر على الولايات المتحدة استئثارها بتحديد رئاسة البنك، لعدّة أسباب
أولها: أن الولايات المتحدة لها نسبة 16% فقط من أصوات البنك، في الوقت الذي تلعب فيه الدول الأخرى دورا أكبر في عملياته . و هي ـ من وراء الستار ـ تضغط للحد من ميزانية البنك المخصصة للدول الفقيرة، و تسعى إلى فرض بعض الإعفاءات من قروض البنك، ممّا يضعف مالية البنك .. الولايات المتحدة تطالب بإدارة البنك، و لكن دون أن تخسر مالا
ثانيها : تأخذ الولايات المتحدة موقفا نائيا عن الإجماع الدولي بالنسبة للتنمية الاقتصادية، و الأهداف المشتركة للحد من الفقر و المرض و الجوع .. لقد وقّعت على أوراق البنك، لكنّها رفضت تحقيق أهدافه . زاعمة أن الاتفاق كان حول التجارة و القطاع الخاص، و ليس حول تقديم المساعدات .. و هذه مغالطة .
ثالثها : لقد تقدّمت الولايات المتحدة بترشيح غير مناسب لوضع البنك الدولي، ألا وهو بول وولفويتز . فبالإضافة إلى كلّ ما يمكن أن يقال عن السيد وولفويتز، فمن غير المعروف مواقفه من الأمور الأساسية للتنمية العالمية . فهو قد أمضي حياته العملية يعمل في الشئون العسكرية و الدبلوماسية، و ليس في مسائل التنمية و التمويل في الجارديان، كتبت نورينا هيرتز، أستاذة الاقتصاد السياسي العالمي في جامعة أوتريشت، تعترض على ترشيح وولفويتز و تقول : بديهي أن اختطاف الولايات المتحدة للبنك الدولي، يستهدف خدمة مصالح سياستها الخارجية .. و استغلال معونات البنك في تحقيق أهدافها السياسية الجغرافية

اعترافات قنّاص اقتصادي أمريكي

تأكيدا لوجهات النظر السابقة، في سوء اختيار بوش لشخص مثل وولفويتز لرئاسة البنك الدولي .. و الأهم من ذلك، الطريقة التي تستغلّ بها الحكومة مؤسسة البنك الدولي كأداة لتحقيق مطامعها و سياساتها

ثلاث خطوات تعتمد عليها أمريكا في فرض نفوذها على العالم، و بناء الإمبراطورية الأمريكية، منذ منتصف القرن الماضي
الطليعة التي تتكوّن من جيش القناصة الاقتصاديين، و عندما يفشل القناصة يأتي دور أبناء آوى التابعين لأجهزة المخابرات، و تكون الخطوة الثالثة و الأخيرة عند عدم تحقّق الهدف المنشود هي الغزو العسكري هذا هو بعض ما يعترف به القنّاص الاقتصادي القديم "جون بيركينز، في الحديث الذي أجرته معه آمي جودمان، في إذاعة " الديموقراطية الآن
كان التساؤل الأول، حول معنى الاصطلاح الغريب، اصطلاح " القنّاص الاقتصادي " . قال بيركينز أن القنّاص الاقتصادي يقوم بما هو مدرّب عليه، و وظيفتنا هي المساهمة في بناء الإمبراطـورية الأمريكية .. و أن نجلب لمؤسساتنا و لحكومتنا ما نستطيع أن نوفّره، و أن نخلق الأوضاع التي تحقق أكبر قدر من الموارد لخزينة البلاد .. و الحق أننا كنّا نحقق نجاحا كبيرا في هذا المجال .. لقد ساهمنا في بناء أكبر إمبراطورية في تاريخ العالم، من خلال التلاعب الاقتصادي، و الغش، و التزوير، و من خلال إغواء الناس من خلال التلويح لهم بطريقتنا في الحياة
و يحكي جون بيركينز قصة دخوله إلى ذلك العالم الغريب، فيقول أنه قد تم تجنيده في أواخر الستينيات، عندما كان يدرس في مدرسة الأعمال، على يد " وكالة الأمن القومي "، و التي يصفها بأنّها أكبر منظمات الجاسوسية في البلاد، و أكثرها غموضا . لكنه كان يعمل ـ في نفس الوقت ـ بشكل علني و رسمي مع إحدى شركات القطاع الخاص . و سنعرف أن السر في هذا هو إبعاد الإدارة الأمريكية عن مسئولية عواقب العمليات الفاشلة أمام الرأي العام العالمي، و الداخلي أيضا
و هنا، يجدر بنا أن نتوقّف قليلا ـ و نحن نرفع جانبا من ستار التخفّي السميك ـ لنرى طبيعة النظام الأمريكي، و المخطط الاستغلالي الذي يختفي وراء جميع الشعارات العظيمة التي يكثر الرئيس بوش ترديدها هذه الأيام .. لنرى المصدر الحقيقي للغنى الفاحش الذي يتيح لأمريكا كل ما تطمع فيه من أدوات السيطرة على شعوب العالم، بالقول أو المال أو السلاح
و نعود إلى حديث جون بيركينز
اول قنّاص اقتصادي أمريكي كبير ظهر في بداية الخمسينيات، هو كيرميت روزفلت الذي نجح في الإطاحة بالحكومة الإيرانية المنتخبة ديموقراطـيا و الذي ظهر على غلاف مجلة "تايم" باعتباره رجل العام
، و يستطرد بيركينز قائلا " لقد نجح في فعل ذلك دون إراقة دماء .. و الحقيقيةأنه كانت هناك بعض الدماء المراقة، و لكن دون تدخّل عسكري .. فقط إنفاق عدة ملايين من الدولارات، لاستبدال مصدّق بالشاه .. أدركنا وقتها أهمية فكرة القنّاص الاقتصادي . لم يعد علينا أن نقلق للتهديد بحرب مع روسيا، إذا كنا نقوم بعملنا بهذه الطريقة .. كانت المشكلة هي كون كيرميت روزفلت عميلا للمخابرات المركزية الأمريكية، أي موظّف في الحكومة.. فإذا انكشف نشاطه في تلك النقطة، كنّا سنواجه الكثير من المتاعب " . و من هنا، كان قرار المخابرات المركزية، أو وكالة الأمن القومي، أن تجنّد العملاء الذين يصلحون كقنّاصين اقتصاديين، ثم ترسلهم للعمل لشركات استشارية خاصة، أو مؤسسات هندسية، أو شركات مقاولات، لكي لا تكون هناك عواقب تضر بالحكومة، في حالة اكتشافهم

قروض لا يمكن سدادها

ثم يقول بيركينز أن بداية عمله (كقنّاص )، كانت مع شركة تشاس مين في بوسطن . كان عدد العاملين يصل إلى ألفي موظف، و عمل هو كرئيس الاقتصاديين، مع 50 موظفا يعملون تحت قيادته . ثم يقول " لكن وظيفتي الحقيقية كانت عقد الصفقات .. كانت إقراض بعض الدول قروضا هائلة، أكبر من أن يستطيعوا سدادها . من بين تلك القروض، مثلا بليون دولار لدولة مثل إندونيسيا أو إكوادور، و كان على تلك الدولة أن تعيد 90% من ذلك القرض إلى شركة أو شركات أمريكية، مثل هاليبورتن أو بيكتيل، لإنشاء بنية تحتية.."، و يقول بيركينز أن تلك المشروعات لم تكن تفيد غير قلة من العائلات الأكثر ثراء في تلك البلاد .. دولة مثل إكوادور تدفع أكثر من نصف دخلها القومي لتغطية الدين . و عندما تفشل الدولة في تدبير المال اللازم، و نكون في حاجة إلى المزيد من البترول، يتقدّم القنّاص ليقول للمسئولين في إكوادور " انظروا ..أنتم غير قادرين على دفع الدين.. بيعوا لشركاتنا غابات الأمازون الممطرة، المليئة بالبترول "، و النتيجة هي أن تصبح تلك الدول عبدة للإمبراطورية الأمريكية
ضمير القنّاص .. مرن
منذ سنوات، أعلن بيركينز، أنه يعد كتابا بعنوان " ضمير قنّاص اقتصادي " في تسعينيات القرن الماضي، فأسرعت إحدى شركات المقاولات الكبرى، و ساومته عارضة نصف مليون دولار، مقابل عدم نشر الكتاب، و في هذا يقول " لم تكن رشوة، لقد تقاضيت المبلغ كمستشار للشركة، و هذا شيء قانوني، لكنّي لم أفعل شيئا لتلك الشركة ّ " . و عندما أبدت آمي جودمان اندهاشها، قال " عندما عينتني وكالة الأمن القومي، وضعوني في جهاز كشف الكذب ليوم كامل .. و اكتشفوا جميع نقط ضعفي، و استخدموا معي أقوى عقاقير حضارتنا : الجنس، والنفوذ، و المال
مأساة برجي التجارة كانت نتيجة

و يحكي بيركينز.. لقد شعرت بالذنب طوال الوقت، لكنّي كنت ما زلت واقعا تحت تأثير الإغراءات التي يقدمها ذلك النظام .. كنت رئيس الاقتصاديين، أقوم بالأعمال التي يعجب بها روبرت ماكنمارا
و عندما سألته آمي عمّا إذا كان قد عمل مع البنك الدولي، أجاب : بشكل لصيق جدا جدا .. فالبنك الدولي يوفّر معظم الأموال التي يستخدمها القنّاصة الاقتصاديون، هو و صندوق النقد الدولي . لكن عندما وقعت ضربة 11 سبتمبر، أصابني انقلاب داخلي . و أيقنت بضرورة البوح بالقصة، لأن واقعة 11 سبتمبر هي النتيجة المباشرة لما يفعله القنّاصون الاقتصاديون . و الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تشعرنا بالأمان في هذه الدولة، و نحسّ بالرضا عن أنفسنا، هو أن نستخدم هذه النظم التي أوجدناها من أجل خلق تغيرات إيجابية في أنحاء العالم .. و أعتقد صادقا أن بإمكاننا أن نفعل ذلك ..و أعتقد أن البنك الدولي و المؤسسات الأخرى يمكن أن تعدّل مسارها، و تفعل ما قامت أصلا لتفعله .. و هو مساعدة البلاد المطحونة في أنحاء العالم كي تعيد بناء ذاتها
..و إلى الرسالة القادمة


الأربعاء، سبتمبر ٢٦، ٢٠٠٧

المتآمر الأوّل على شعوب العالم


أصابع ديك تشيني


في كلّ ما يفعله بوش، لا يتجاوز المخطط الذي رسمه له ديك تشيني، و أفراد عصابته .. و التجاوزات المأخوذة عليه مرجعها إلى تركيبته النفسية الخاصّة التي سنأتي على ذكرها فيما يلي من حديث، فهي المسئولة عن تناقضاته و تصرفاته المعيبة، التي يسارع رجال الرئاسة بالتغطية عليها، و صرف الأنظار عنها
لقد استطاع ديك تشيني أن يزرع أفراد عصابة الرجعيين الجدد في أكثر المواقع حساسية في الإدارة الأمريكية
رامسفيلد في البنتاجون .. و كوندليزا رايس في وزارة الخارجية في مكان كولن باول، الخارج عن طاعة هذه العصابة .. نيجروبونتي سفاح هندوراس و مهندس جماعات القتل هناك، نجح في زرع ثمار الفتنة في العراق، عندما عمل سـفيرا لأمريكا في بغداد، و قبل أن توكل إليه أعلى سلطة استخبارات، في البلاد، بعد أن أثبتت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أنها لم تصل إلى المستوى المطلوب في تلفيق التهم الكاذبة لصدام حسين، و هذا قبل الحاقه بالخارجية .. ثم، اختيار المحامي الخاص لبوش ألبرتو جونزاليز للعمل كنائب عام أمريكي، رغم تاريخه الذي يقول بقبوله استخدام و تبرير التعذيب في سبيل تحقيق الأهداف المريبة التي تسعى إليها العصابة الحاكمة، دون مشاكل كالتي ثارت بسبب سجن أبو غريب في العراق، أو معتقل جوانتانامو في كوبا.. إلى أن ثار نواب المجالس النيابية عليه، و جرى فصله، رغم أنف بوش
غير أن محاولات الاستيلاء على مقادير الشعب الأمريكي لم تقف عند هذا الحد، فانتقلت أحلام و مطامع ديك تشيني إلى المستوى العالمي . و كما قالت جريدة ذا نيويورك تيمز " و كما كان اختيار جون بولتون كسفير للأمم المتحدة، جاء اختيار وولفويتز كصفعة للمجتمع العالمي
كذلك كتب أندرو جامبل " بالضبط بعد ثمانية أيام من تسمية جون بولتون، أكثر موظفي الخارجية الأمريكية عداوة للأمم المتحدة، كسفير لديها .. فإن اختيار الرئيس لوولفويتز كرئيس للبنك الدولي ستثير بالتأكيد ضجّة في الأوساط الدبلوماسية، و بين المختصين بالتنمية، الذين يعتقدون أن السيد وولفويتز الذي يعمل حاليا كنائب لوزير الدفاع، لا يصلح لهذه الوظيفة..إلى أن اضطر بوش إلى عزله
صفعة .. أم اختيار ؟

هذه الاختيارات الغريبة، التي يرتكبها تشيني، و ينطق بها ( المبروك ) بوش، لا تأتي عن طريق الخطأ أو سوء التقدير، لكنها مقصودة كصفعة لشعوب العالم .. و رسالة من جماعة المحافظين الجدد إلى الحكومات الصديقة قبل العدوّة، تقول : نحن نفعل ما نشاء، و ما نعتقد أنه في جانب خطتنا لبناء الإمبراطورية الأمريكية، و على المتضرر اللجوء إلى الله .. و للعلم، بينكم و بين هذا بوش مبعوث العناية الإلهية . و في أوروبا، أثار هذا الاختيار الصفعة استياء عاما .. بيتر هاردستاف، رئيس السياسات في حركة تنمية العالم التي تعمل من لندن، و التي تهتم بالتنمية في العالم الثالث: هذا حقيقة اختيار مرعب .. لدينا هنا رجل له سجل في السير وفق التدخل العسكري الأمريكي، و مراعاة المصالح الأمريكية . إنها صدمة أن يتم اختيار مثل هذا الشخص لهذه الوظيفة و من ناحية أخرى، تقول بربارة أونميوزيج، من مؤسسة هنريش – بويل، و هي مركز فكري متحالف مع حزب الخضر بألمانيا " اختيار وولفويتز ـ في رأيي ـ قرار تخريبي .. فهو لم يظهر يوما أي اهتمام بالعالم الثالث، و هو لا يتمتع بقبول للرؤى المتعددة، ممّا هو ضروري في قيادة البنك الدولي

ازدراء بوش لشعوب العالم
و يحذّر ليستر هاينز من أن الاهتمام الأساسي لوولفويتز سيكون استخدام البنك الدولي كمطية لإشاعة الديموقراطية الإفنجيلية على الطراز الأمريكي، تسندها العصا الغليظة .. و هو يشير إلى ما قاله كبير اقتصاديي البنك الدولي السابق، جوزيف استيجليتس " عندما نختيار القائد المناسب في الحرب على الفقر، فهذا لا يضمن لنا نجاحه في مهمته .. لكن اختيار القائد الخـطأ، سيساعد بالتأكيد على زيـادة احتمالات
الفشل في المهمة
و عن وولفويتز يقول بيتر جرانت في سولت ليك تريبيون " اختيار بول وولفويتز يمثّل أحدث ازدراء من جانب بوش لشعوب العالم . و هو باعتباره المهندس الرئيسي لحرب العراق، قاد انعدام قدرته إلى موت عشرات الآلاف من البشر، أكثر من 1500 منهم من الأمريكيين ( رقم ذلك الوقت ) . و الأكثر من هذا، أن فشله في التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب، وضعت العراق مع هاييتي و السنغال في مستوى أفقر الاقتصاديات في العالم .. إن التكلفة المالية الخرافية لمغامراته الفاشلة، أصبحت معروفة، بمثل معرفة الجميع بدعاواه حول ضرورة تحمّل العراق لتمويل عمليات إعادة البناء .." ، و يختم بقوله ساخرا من وولفويتز " مثل هذا الرجل يستحق أن يوضع في كومة نفايات التاريخ
لقد فصل وولفويتز من البنك الدولي بفضيحة نسائية، و ليس بسبب الفضيحة الكبرى التي يعتبر البنك الدولي نفسه بؤرتها
و في الرسالة التالية نرى أبعاد المؤامرة الأمريكية الكبرى، التي نعرفها باسم : البنك الدولي

الاثنين، سبتمبر ٢٤، ٢٠٠٧

الإعلام الأمريكي العميل

شيكات بوش، و الإعلام الأمريكي العميل


عندما تقرأ التقارير و الدراسات التي يجري ( طهيها ) في أروقة مؤسسة راند، التابعة للجيش الأمريكي، و التي تتحدّث عن الإعلام في دول الشرق الأوسط، أو عن أوضاع الإعـلام المصري الحكومي (أو القومي كما نسمّيه) و كيف تحوّل أقطاب ذلك الإعلام إلى أصحاب ملايين، بفضل خضوعهم الكامل لمطالب السلطات في مصر .. عندما نقرأ ذلك، نتصوّر الإعلام الأمريكي في صورة أكمل و أكثر شفافية، لكن ما تقوله الكاتبة مورين داود، في " نيويورك تايمز "، يفيد عكس ذلك .
تقول مورين " ممّا يثير الانتباه، أن نرى الرئيس بوش يحاضر فلاديمير بوتن حول أهمية إجراء المراجعات و الموازنات في المجتمع الديموقراطي كمراجعات ( هنا تستخدم الكاتبة المعنى المزدوج لكلمة تشيكس، كمراجعات و شيكات مصرفية )، و هي صفاقة ملحوظة، باعتبار أن ( الشيكات ) التي يبدو أن السيد بوش يؤمن بها، هي تلك التي تكتب للصحفيين ( و تورد أسماء مجموعة من الإعلاميين في الصحافة و التلفزيون )، للمساعدة في مساندة سياساته .. لقد أعطت الإدارة معنى جديد تماما لصحافة دفتر الشيكات، برصدها 97 بليون دولار لمؤسسات علاقات عامّة، لكي تشتري بها كتّاب أعمدة، و لتنتج بها البرامج، بما في ذلك شرائط إخبارية مزيّفة

و تستطرد قائلة أن السيد بوش يناشد العالم الخارجي نشر الديموقراطية، بينما يكافح مسئوليه لإقامة قرية إعلام كاذب في الوطن . و تقول " دبليو ( و تعني بوش ) الذي نظر يوما إلى روح السيد بوتن .. و أسعده ما رأى، لا يطالب بإنهاء الظلم، و الذي ردده في خطاب ولايته الثانية، لم يصل إلى مستوى بطله رونالد ريجان الذي قال : سيد جورباتشوف، اهدم ذلك الجدار ! . بدلا من ذلك يتكلّم عن : إن الأرض المشتركة أكثر بكثير من التي لا نتّفق فيها .. و كان الروس سعداء بالتأكيد على الأرض المشتركة، لقد قارن بوتن النظام الروسي بالنظام الانتخابي الأمريكي، مذكّرا الذي ينصحه بالديموقراطية و التي جاءت في المكان الثاني عام 2000، وفقا لنظام الصوت الشعبي .." .
و هي تقول أن بوتن، الحاكم الأتوقراطي، و العميل السابق للكي جي بي، يحتاج لمن يحدثه عن تراجع الخطى عن المسار الديموقراطي السابق لحكمه، لكن يصعب قول هذا، لأن " السيد بوش يقف على أرض مهتزّة إذا حاول أن يعرض إدارته كنموذج لحماية الحرّية، باعتبار أن هذه الإدارة قد اعتدت على الحريات الشخصية باسم الحرب على الإرهاب

قبيلةاستولت على أمريكا

أمّا الكتاب الذي نستعرض بعض جوانبه فيما يلي من حديث، فهو من تأليف واحد من أشجع و أشهر المراسلين الصحفيين، هو سيمور هيرش، الحائز على جائزة بوليتزر نتيجة لكشفه قصة مذبحة ماي لاي في الحرب الفيتنامية، و الذي حاز أخيرا جائزة جورج بولك للمرة الخامسة، بعد كشفه قصص فظائع سجن أبو غريب في العراق . و الكتاب يضم مادة منقّحة للتحقيقات و التقارير التي نشرها في جريدة " ذا نيو يوركر "، معلّقا على السياسة الخارجية لإدارة بوش، و منتقدا لها
في لقاء صحفي أخير، قال هيرش أن الولايات المتحدة " قد جرى الاسـتيلاء عليها بواسطة طائفة، أو أصحاب عقيدة خاصّة (كلت) .. هي قبيلة الأيديولوجيين، المحافظين الجدد، التي أوكل البيت الأبيض إليها أمر السياسة الخارجية للولايات المتحدة، و الشئون العسكرية، و أجهزة الاستخبارات . و تسلسل القيادات يرسم صورة مرعبة لإدارة مقتنعة بصواب ما تفعله، إلى حد رفضها أن ترى أي حقائق لا تتفق مع ما تعتقد فيه مسبقا .. كان من الضروري تحقيق الأهداف التي اختارها الرئيس بوش و نائبه تشيني و وزير دفاعه رامسفيلد، بأي وسيلة ممكنة .. و الويل لمن يسمحون لاعتراضاتهم الأخلاقية أو العملية أن تشكّل اعتراضا للطريق .. " .
عند طرحه للامتهان البشري المنظّم في سجن أبو غريب، يعتمد هيرش على مصدر داخلي، هو ماجور جنرال أنتونيو تاجوبا، ساردا قائمة طويلة من " الإساءات الإجرامية السادية الغليظة و الداعرة " في السجن، بعد التجاء الرئيس، و فريق أمنه القومي، إلى ماجور جنرال جوفري ميللر، طلبا للمساعدة في تطوير نتائج التحقيقات في العراق .
و كان ميللر قد ووجه من قبل بانتقادات عنيفة من جانب اللجنة الدولية للصليب الأحمـر، باعتباره المسئول الأعلى عن عمليات الاعتقال، و التحقيقات المثيرة للجدل في سجن جوانتانامو . و قد قبل ليفتنانت جنرال ريكاردو شانتشيز، القائد الأعلى في العراق، توصيات ميللر التي تقول " تحويل سجون الجيش أولا و أخيرا إلى مراكز للتحقيقات "، و لأن تتولى المخابرات العسكرية، و ليس البوليس الحربي، أمر إدارة النظام في السجن .. و كانت النتيجة، أن أوكل للبوليس الحربي أن " يهيئ الظروف للتحقيقات "، ( والتي تعني بلغتنا الدارجة توضيب الزبون )، و كانت التحقيقات تتم بواسطة ضباط المخابرات العسكرية، و عملاء المخابرات المركزية الأمريكية، و مقاولون قطاع خاص لتولّي هذه المهمة .. و الهدف، كان دائما كسر مقاومة السجين، من خلال المعاملات الإكراهية، التي كانت تتضمن الضرب، و الحرمان من النوم، و الإذلال الجنسي

رامسفيلد .. و جنون القتل


يقول سيمور هيرش قي كتابه " الطريق من 11سبتمبر إلى أبو غريب " أن ما حدث في سجن أبوغريب، نبع من اعتماد الرئيس بوش و وزير دفاعه رامسفيلد على العمليات السرّية، و وحدات القوّات الخاصّة، في الحرب على الإرهاب . لقد كان التحوّل إلى هذه التكتيكات هو المشروع الأثير لدى رامسفيلد، ،حتّى قبل 11 سبتمبر .. " بالسعي إلى تغيير العسكرية الأمريكية إلى قوّة قتال أصغر و أسرع و أذكى و أكثر تطورا تكنولوجيا، تعتمد أساسا على الضربات الجوية المحددة، و هجمات الكوماندوز " .
يستطرد هيرش قائلا أن مثل هذه التكتيكات تحتاج استخبارات من نوع معين، و وفرة من تلك الاستخبارات . و عندما كان يستعصي الوصول إلى مثل هذه الاستخبارات، يبدأ ظهور معايير رامسفيلد العنيفة المتطرّفة، و التي تتضمّن تكوين وحدات استخبارات سرية للغاية، في البنتاجون، مع غطاء يسمح بقتل أو اعتقال الأهداف ذات القيمة الكبيرة . لقد كان رامسفيلد الذي أصرّ على استخدام جند أقل في غزو العراق، ممّا قاد إلى الاقتصار على 150 ألف جندي، بدلا من 450 ألف التي طالب بها مخططو البنتاجون قبل الغزو .. و الذين قال واحد منهم " لقد ظنّ أنه يعرف أكثر من الآخرين .. و كان صانع القرار في كلّ منعطف .."
و يقول هيرش أن عملاء المخابرات الذين قالوا بعدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق جرى تجاهلهم، و الجنرالات الذين حذّروا أن الغزاة قد لا يقابلهم الشعب العراقي بالأزهار، أزيحوا جانبا .. و قال أحد عملاء المخابرات الأمريكية " لقد كانوا على درجة عالية من الاندفاع و الجنون، بحيث يصعب
إقناعهم بما هو منطقي "، ثم استطرد قائلا " .. و كانوا على درجة من التصلّب و الجمود، كما لو كانوا يمضون في مهمة إلهية . في ختام الكتاب يقول سيمور هيرش " كيف استطاع ثمانية أو تسعة من المحافظين الجدد، الذين يؤمنون أن حربا في العراق ستكون الرد على الإرهاب الدولي، أن يتغلّبوا على البيروقراطية، و أن يخضعوا الإعلام، و يضللوا الكونجرس، و يسيطروا على الجيش ؟ . هل أصبحت ديموقراطيتنا هشّة إلى هذا الحد ؟ .. على ضوء كل هذا، لا يبدو المستقبل في نظري لامعا


الولاية الثانية للرئيس بوش أسوأ

يرى الكثيرون أن الولاية الثانية لجورج دبليو بوش أفضل ـ أو ستمون أفضل ـ من ولايته الأولى، باعتبارها الولاية الأخيرة له . لكن حقيقة الأمر أنها ستكون أسوأ، لأنّها الفرصة الأخيرة لعصابة المحافظين الجدد، التي يتزعّمها ديك تشيني، في تثبيت أقدامها، و توريط الشعب الأمريكي في أوضاع يصعب التراجع عنها، تعتبر تطبيقا حرفيا لمؤامرة رجعية يرجع تاريخها لأيام ريجان، و تعتبر الهدف الأبعد لفئة كبار الأثرياء و المحتكرين، في مجال السلاح و البترول و المقاولات .. لقد نجح ديك تشيني في فرض معظم سياساته و رجاله على بوش، منذ بداية ولايته الأولى .. و نجح في إقناع بوش أنه مبعوث العناية الإلهية لشعوب العالم، و أن الشعوب لا تعرف مصلحتها، و عليها أن تمتنع عن إبداء تململها ممّا تقوم به الإدارة الأمريكية من غزو و احتلال و تقتيل، و تآمر و تأليب و اغتيال، فهذه هي التضحيات الضرورية التي ستحوّل البلاد إلى نعيم منشود

خطب و تصريحات بوش حافلة بأقواله التي تكشف عن الهوس الذي يستولي عليه، و الذي تغذّيه عصابة الرجعية الجديدة، من تشيني إلى رامسفيلد إلى كونداليزا إلى نيجروبونتي .. ففي كل خطوة مثيرة للجدل يخطوها بوش، تراه يقول بكل براءة و ابتسامة ساذجة ترتسم على وجهه " لقد أمرني الله أن أفعل كذا .. ففعلت .."، قالها بالنسبة لغزو أفغانستان، ثم كررها عند غزو العراق

و إلى الرسالة التالية، لنرى كيف لعبت أصابع ديك تشيني و عصابته

رأي عام أوروبي

من الذي يصدّق إدّعاءات بوش؟


من الذي يصدّق بوش ؟

" المصداقية مثل العذرية، لا يمكن فقدها أكثر من مرّة ! .. و من هنا، فالمشكلة مع إدارة بوش في تعاملها مع إيران هي أنها كانت مخطئة جدا بالنسبة لما قالته عن العراق .. لهذا، من الذي يستطيع أن يصدّقها الآن ؟ .."، هذا هو ما قاله الكاتب المحافظ تشارلي ريز.
لقد حاول بوش في جولاته الأوروبية أن يكسب دعم قادة أوروبا حول حملته لنشر الديموقراطية في خارج أمريكا، في الوقت الذي يبدى العديد من الناس في الدول الأوروبية تشككهم في إمكان أن يصبح هذا دور أمريكا في العالم .
و مع هذا، لم تجد نداءات بوش الصدى الذي كان يتوقّعه من الجماهير الأوروبية . و في هذا يقول مايكل ماندلباوم، الأستاذ المتخصص في الدراسات الأوربية، في مدرسة جونز هوبكينز للدراسات الدولية المتقدمة، أن جهود بوش كان لها تأثير ضعيف في مجال نشر الديموقراطية " و بعد حرب العراق، ثارت شكوك خاصة تجاه هذه الإدارة
و لكن .. ماذا كان موقف الجماهير في أوروبا، و بعض الدول الأخرى، التي شملتها عملية قياس الرأي العام، و التي نظمتها وكالة أسوسييتيد برس في ذلك الوقت ؟ .. شملت عملية قياس الرأي العام هذه ألف شخص بالغ، في تسع دول، هي أستراليا، وبريطانيا، و كندا، و فرنسا، و إيطاليا، و ألمانيا، و المكسيك، و أسبانيا، و أيضا الولايات المتحدة . و كان الموضوع المطروح من شقين : الرأي في خطط بوش لتشجيع الديموقراطية، ثم الموقف من المنتجات الأمريكية التي تباع في الدول موضوع القياس

رأي الإنسان الأوروبي

و فيما يلي تلخيص لنتائج قياس الرأي العام في الدول التسع
بريطانيـا : ثلثا البريطانيين لا يعتقدون أن الولايات المتحدة يجب أن تتولّى دور نشر الديموقراطية . و قالت الأغلبية ( 56% ) أنها لا تفضّل شراء السلع الأمريكية، إذا ما تساوت الجودة و الأسعار .
كنـدا : ثلاثة أرباع الكنديين لا يعتقدون أن الولايات المتحدة يجب عليها أن تحاول نشر الديموقراطية و القضاء على الظلم . و أربعة أخماس الكنديين لا يفضلون شراء السلع الأمريكية، في محل السلع الأخرى المتوفرة، إذا ما تساوت الجودة و الأسعار .
فرنسـا : 84% من الشعب الفرنسي لا يوافقون على أن أمريكا مسئولة عن عملية تصدير الديموقراطية، و هذه أعلى نسبة معارضـة بين الدول الأوربية الخمس التي تم فيها قياس الرأي العام . و أربعة أخماس
الفرنسيين يقولون أنهم لا يفكرون في شراء السلع الأمريكية إذا تساوى السعر و الجودة .
ألمانـيا : بأغلبية عالية، يرفض الألمان دعوى السعي إلى نشر الديموقراطية التي تقول بها الإدارة الأمريكية. و أكثر من أربعة أخماس الألمان لا يفكّرون في شراء السلع الأمريكية، لو تساوت مع نظيراتها الألمانية في الجودة و السعر
إيطـاليا : 53% من الإيطاليين يقولون أنه ليس من مسئولية أمريكا نشر الديموقراطية في العالم، لكن معارضتهم لا تصل إلى مستوى معارضة الدول الأوروبية الأخرى . و أربعة أخماس الإيطاليين يرفضون فكرة أن السلع الأمريكية تكون أفضل من السلع النظيرة الإيطالية، و هم لا يفضلون شراء السلع الأمريكية، إذا تساوت الجودة و السعر
المكسـيك : ستة من كل عشرة مكسيكيين قالوا أنهم قد يفضّلون شراء السلع الأمريكية، إذا ما تساوت الجودة و الأسعار . و يبدو أن روابطهم الاقتصادية الوثيقة مع الولايات المتحدة تظل قائمة، و إن كانوا لا يوافقون على خطة الرئيس بوش لنشر الديموقراطية و إنهاء الظلم في أنحاء العالم .
كوريا الجنوبية : ثلثا الشعب الكوري الجنوبي لا يعتقدون أن من واجب الولايات المتحدة محاولة نشر الديموقراطية . و هم و إن كانوا لا يوافقون على أن الإنتاج الأمريكي أجود نوعا، لكنهم لا يوافقون أيضا على أن المنتجات الأمريكية " لا تساوي ما يدفع فيها من مال " . و يقول أربعة من كلّ عشرة كوريين جنوبيين أنهم يحبّون أن يعملوا في الشركات الأمريكية .
أسـبانيا : يرى ثلثا الأسبان أن الولايات المتحدة لا يجب أن تحاول نشر الديموقراطية، و إنهاء الظلم . و بينما قال نصف الأسبان، في قياس سابق للرأي العام أجرى في ديسمبر 2001، أنهم قد يشترون السلع الأمريكية إذا تساوت في الجودة و السعر مع السلع المحلية، انخفضت هذه النسبة إلى السدس في قياس الرأي الحالي . و لا يتفق الأسبان حول ما إذا كانت السلع الأمريكية تستحق ما يدفع فيها من مال

أزمة مصداقية و شفافية

لم يعد يخفى على أحد، أن الإدارة الأمريكية الحالية تعاني من أزمة مصداقية. و الرفض العام لزعم إدارة بوش أن هدفها هو نشر الديموقراطية ، يصطدم بغياب الشفافية في أهم القضايا المطروحة . من واقع قياس الرأي العام الذي طرحنا بعض نتائجه، يبدو واضحا أن عدم الموافقة على الجهود الديموقراطية المزعومة يرجع إلى عدم تصديق الشعار، و التأكد من أن الأهداف الحقيقية ليس لها أدنى علاقة بالديموقراطية ..
بالمناسبة : الديموقراطية الحقيقية، التي نتمنّى جميعا أن تسود البلاد العربية و الإسلامية، لو تحققت فعلا، لفقدت الولايات المتحدة معظم مصالحها في المنطقة
ثم ما يقوله و يكرّره روبيرت فيسك في جريدة الإنديبندنت البريطانية " و كما حدث قبل الحرب، عندما حذرتنا حكوماتنا من مخاطر و تهديدات لا وجود لها، تحاول اليوم أن تخفي عنّا التهديدات القائمة فعلا . لقد وقع معظم العراق خارج تحكّم الحكومة العميلة في بغداد، لكننا لا نسمع منهم عن ذلك . مئات الهجمات تشن على قوات الولايات المتحدة كل شهر . و لكن ما لم يمت أحد الأمريكيين، لا نسمع بها
أمّا مايكل ليند، في فاينانشيال تايمز فيقول " صرّح جورج دبليو بوش ( اليوم .. تتحدّث أمريكا مجددا إلى شعوب العالم ..) . و لكن شعوب العالم، على أي حال، لا يبدو عليها أنها تسمعه . هناك نظام عالمي جديد يتشكّل "بالتأكيد .لكن تصميماته تجري هندستها في آسيا و أوروبا، في اجتماعات لم تجر دعوة الأمريكيين إليها
و إلى الرسالة القادمة لنتعرّف على العلاقة بين شيكات بوش، وعمليات التزوير الكبرى التي يقوم بها الإعلام الأمريكي العميل

الأربعاء، سبتمبر ١٩، ٢٠٠٧

بوش .. أو دوبيا العجيب

" دوبيا " الرئيس غير المسبوق

جورج دبليو بوش .. أو " دوبيا "، كما تحب أن تطلق عليه الصحافة الأمريكية، التي لا تملّ الحديث عن حكاياته غير المسبوقة . و محاولة رسم صورة صحيحة له عقليا و نفسيا و اجتماعيا، تعكس ذكاء العصبة الحاكمة من المحافظين الجدد، التي لم تكن لتجد أفضل منه لأداء الأدوار التي يقوم بها، بكل ذلك الخضوع
كان من الضروري البدء بعرض شخصية " دوبيا " هذا الرئيس الأمريكي غير المسبوق، خاصّة في مواجهة ذلك الرعب الذي أصاب بعض الحكّام العرب، من جرّاء مطالب الإصلاح التي ألقاها كالقفاز في وجه الدول العربية و الإسلامية، وفقا لتوجيهات العصبة الحاكمة، و تطبيقا لخططها بعيدة المدى

و مع اعترافي ـ و إيماني ـ بأنّ ما تحتاجه الدول العربية و الإسلامية ليس هو فقط الإصلاح، بل عمليات إعادة بناء شاملة، تنقلها من الواقع البدوي و الزراعي و الصناعي، إلى واقع مجتمع المعلومات .. مع اعترافي هذا، فأنا لا أرى حقا لبوش في أن يفرض إصلاحا على أحد، قبل أن يصلح حال إدارته و جيشه و ديموقراطيته
فيما يلي، سأطرح فقرات ممّا تحفل به الصحافة و وسائل الإعلام الأمريكية، حول رئيسهم بوش . على أمل أن تبرر صورته هذه، بعض الأخطاء و الحماقات و الجرائم التي ارتكبها في حقّ شعبه، قبل أن تكون في حقّ شعوب العالم
محترف النكت الإباحية
في 23 إبريل2006نقل عن دافيد روبنشتاين، المدير الإداري لمؤسّسة كارلايل ، رأيا في بوش الابن الذي عمل منذ عشر سنوات في مجلس إحدى شركات المؤسّسة . كان كلام روبنشتاين في جلسة مسجّلة، لكنه استرسل في حديثه بحماس ناسيا هذه الحقيقة ..من حسن حظّنا
قال عن بوش " لقد وضعناه في أحد المجالس لثلاث سنوات . و كان يحضر جميع الاجتماعات، منشغلا بحكاية الكثير من النكات، التي لم تكن جميعها نظيفة . بعد ثلاث سنوات، قلت له : هل تعلم ؟ .. لست متأكّدا أن هذه الوظيفة تصلح لك حقيقة . ربّما يجدر بك أن تفعل شيئا مختلفا . ذلك لأنّني لا أعتقد أنك تضيف كثيرا إلى قيمة المجلس .. فأنت لا تعلم الكثير عن الشركة .." . ثم واصل روبنشتاين " رد بوش قائلا لي : أعتقد أنّني سأترك العمل على أي حال من الأحوال .. و أنا لا أحبّ هذا العمل كثيرا، لهذا فإني سأستقيل من المجلس على الأرجح .. قلت له شكرا، و لم أفكّر في أنّني سألتقي به ثانية .. إلى أن فوجئت بجورج دبليو بوش رئيسا للولايات المتحدة
و يستطرد روبنشتاين قائلا " أتعلمون ... لو أنّكم قلتم لي، أذكر اسم 25 مليون شخص، يمكن أن يصبح أيّ منهم رئيسا للولايات المتحدة، لم يكن يدخل بوش ضمن هذه الفئة
قبل أن تندهش لجرأة أحد مديري كارلايل، و تتساءل عن الذي حدث له بعد إذاعة هذا على الملأ ؟.. أحب أن أطمئنك إلى أن جميع سلسال عائلة بوش يعمل لحساب كارلايل .. و لدي الأرقـام التي تبيّن إلى أي حد كانت حروب بوش الأب و الابن خيرا عظيما على كارلايل

الله يريدني رئيسا

إذا كان بوش يتّهم بعض الجماعات الإسلامية بالهوس الديني، فيجدر بنا أن نرى كيف بدأت تظهر عليه هو علامات الهوس الديني . يتذكّر دكتور ريتشارد لاند، صديق بوش و مستشاره، التصريح غير المتوقّع الذي نطق به، يوم الاحتفال بقسم ولايته الثانية على تكساس، فيقول : في يوم تنصيبه كان هناك العديد منّا، التقينا به في مقرّ الحاكم، و من بين ما قاله لنا " أومن أن الله يريدني أن أصبح رئيسا
لقد كان هذا بؤرة برنامج فرونت لاين بعنوان " عامل المسيح "، ذلك الفيلم التسجيلي الذي استمر ساعة كاملة، و تضمّن حوارات معه و مع عائلته و أصدقائه، حول رحلة بوش الدينية . يقول منتج الفيلم راني آرينسون " لقد أطلق على الرئيس بوش أكثر الرؤساء إعلانا لتدينهم، في التاريخ الحديث "، و يحكي الفيلم كيف صارع جورج بوش آثار فشله المتكرر في نشاطه الاقتصادي، و مشاكل إدمانه الخمر
و هكذا بدأ الهوس المسيطر على جورج بوش يفقده القدرة على الحكم العاقل الواعي على الأمور، و على سلامة اختياره لمعاونيه، و على القرارات التي يتورّط فيها .. لم يفلت جورج بوش من انتقاد الجميع، حتّى جون دين، المستشار القانوني لريتشارد نيكسون، الذي سجن لسنتين نتيجة لدوره في فضيحة ووتر جيت
اتّهم جون دين إدارة بوش الابن بتجاوزها ممارسات نظام نيكسون في السرّية، و الخداع، و التشاؤم . في كتابه الأخير، انتقد الإدارة الحالية للولايات المتحدة الأمريكية، فقال دين أنّها خلقت أكثر الاحتمالات فسادا و لاأخلاقية و لا ديموقراطية في البيت الأبيض، على مدى تاريخه .
و في حديثه إلى جريدة " التلجراف "، قال جون دين، أن بوش و نائب الرئيس ريتشارد تشيني، يمثّلان عملية نكوص إلى زمن نيكسون، و أن " جميع صفقات الحكومة تمر خلال مرشّحات العملية السياسية في هذا البيت الأبيض، الذي يعتبر أكثر عهود البيت الأبيض اعتمادا على السرّية في إدارة أمور الولايات المتحدة .. ليس لحسـاب الجمهور.. لكن لحساب مصالح البيت الأبيـض، و لحساب إعـادة انتخاب بوش .. أصبح البيت الأبيض يدار كمشروع اقتصادي خاص، مع فارق أنّه لا يقدم حسابا للمساهمين، أي إلى الناخبين في هذه الحالة
و في موقع أمريكي آخر، و تحت عنوان " القيادات الخاطئة " نقرأ
لقد قدّم الرئيس بوش الكثير من الخدمات لأولئك الذين قدّموا له أموالا ( لتمويل حملاته الانتخابية على سبيل المثال )، لكن القليلين هم من جنوا المكاسب الهائلة من علاقاتهم المالية معه، بمثل ما حظيت به صناعة الدواء، و هانك ماكينيل المدير العام التنفيذي لشركة فايزر، الذي كان أحد فرسان حملة بوش الانتخابية
و بينما قال الرئيس أنّه يريد أن يتيح " للمسنين الأمريكيين خـيارات أفضل، و المزيد من التحكـّم في رعايتهم الصحّية "، نراه يرفض السماح للمسنّين بشراء الدواء قليل السعر ـ الذي وافقت عليه هيئة الطعام و الدواء الأمريكية ـ من كندا . و بينما أظهرت قياسات الرأي الأخيرة أن ثلثي الأمريكيين يساندون إعطاء المسنّين هذا الحق، و رغم أن الحكّام من الحزبين يدعمون الفكرة، نرى شركات الدواء مثل فايزر تعارض الفكرة عالميا، باعتبار أنّها ستخسر بلايين الدولارات من أرباحها سنويا، التي تجنيها من الأمريكيين برفع الأسعار . للأسف، وقف الرئيس بوش إلى جانب فايزر و ضد المسنّين

أكثر من عمى الألوان
وقبل هذا بقليل، كتب دوم ستاسي : رئيسنا الحالي، و المجرمون المتلاعبون، و غير الأكفاء، الذين يجد نفسه محاطا بهم، هو الدليل القاطع على أن النظام الأمريكي غير محصّن من الفساد . و عندما أسمع هذا الرئيس يقول مثل ذلك التصريح الساذج " أنتم إمّا معنا، أو مع الإرهابيين !.. "، أو ما قاله، كاشفا عمّا هو أخطر من عمى الألوان " أنا أرى الأشياء إما أبيض أو أسود " .. هذا لا يترك مجالا للأذكياء أو العارفين أو أصحاب العقول الراجحة من أفراد الشعب المدنيين، لكي يمارسوا فضائلهم البشرية في الاستنتاج المنطقي . و هذا أيضا يستبعد أي احتمال كان في أن يعتلي عرش الولايات المتحدة واحد من الأفضل أو الأذكى
و إلى الرسالة التالية، لنرى : من الذي يصدّق بوش؟

الجمعة، سبتمبر ١٤، ٢٠٠٧

ما تخافه أمريكا حاليا
عالم متعدد الأقطاب


في هذا يقول تقرير المجلس القومي الأمريكي للاستخبارات " هذا التحوّل إلى العالم متعدد الأقطاب، لن يكون بلا آلام .. و هو سيضرب الطبقات المتوسطة في الدول المتطوّرة بصفة خاصّة "، و هو هنا يتحدّث عن تراجع أكبر في الوظائف و فرص العمل، و تناقص في تدفّق استثمارات رؤوس الأموال .. باختصار يتنبّأ المجلس بأن الوضع لن يقف عند حدّ إعادة تقييم لتوازن القوى العالمية، بل يمضي إلى إحداث خسـارة فـي لثروات و الدخول، و بشكل عام مؤثّر على أمن العالم .
يعلّق كوبلان على هذا قائلا " هذه المؤشرات يجب أن تكون قد أصبحت واضحة لكل من يقرأ الصحف، فل يمرّ يوم دون قصّة جديدة، حول الكيفية التي نرهن بها مستقبلنا للبنك المركزي الصيني أو الياباني .." . ذلك لأن العجز في ميزانية الولايات المتحدة يقترب من نصف تريليون دولار، يجري تمويله عن طريق سندات الخزانة، كما أن العجز التجاري ـ و معظمه بسبب شراء السلع الصينية ـ يتجاوز الآن 3 تريليون دولار
و يطرح فريد كابلان مجموعة من المؤشرات الأمريكية السلبية، التي تنذر بالخطر
· الصين تقتحم أيضا سوق التجارة في أمريكا اللاتينية، و أيضا سوق التعليم و الثقافة و السياحة .
· طلبة الهندسة الآسيويون الذين كانوا يتجهون إلى أمريكا للدراسة، استبدلوها بالصين .
· انخفضت قيمة الدولار بمقدار الثلث في السنتين الأخيرتين، و مع انخفاض سعر فائدة الدولار، بدأ المستثمرون في سوق العملة ـ بما في ذلك الذين كانوا يمولون العجز الأمريكي ـ في تنويع ممتلكاتهم
· بدأت البنوك المركزية في الصين و اليابان و روسيا و الشرق الأوسط، التخفف من الدولار، لحساب اليورو، مما يجعل وضع الدولار خطرا

كيف يمكن أن نبيع الحرّية؟


يتساءل كابلان " ما الذي فعلته إدارة بوش، لتغيير هذا المسار، أو على الأقل لاتّقاء اللطمة ؟ .. فبينما يزعم بوش في خطاب الولاية الثانية أنّ أمريكا تقدّم الحرّية للشـعوب المقهورة في كل مكان، يفيد
تقرير مجلس الاستخبارات القومي، بالنسبة لآسيا و دعاوى بوش للأخذ بالديموقراطية، أن القادة الحاليين و المستقبليين، يبدون اهتماما أكبر بتطوير ما هو محسوس بين أيديهم، باعتباره أكثر نماذج الحكم فعالية ..
إلى أن يقول الكاتب كابلان " إذا كان الرئيس يريد حقيقة أن ينشر الحرية و الديموقراطية في أنحاء كوكبنا، فسيحتاج ـ بالإضافة إلى أشياء أخرى ـ أن يقدّم أمريكا باعتبارها نموذج الديموقراطية .. غير أن تقرير المخابرات الأمريكية يقول أن الذين ينظرون إلى أمريكا كنموذج لأي شيء يصبحون أقل فأقل .. لا يمكننا أن نبيع الحرية، إذا لم نكن قادرين أن نبيع أنفسنا ! .." .

مصانع تفريخ الإرهاب


و في جريدة واشنطون بوست، كتبت دانا بريست عن مشروع 2020 قائلة " لقد حلّت العراق محل أفغانستان، كأرض تدريب للجيل التالي من الإرهابيين ( المتخصّصين ) " . و تقول استنادا على التقرير، أنّه عندما نصل إلى عام 2020، ستخلف القاعدة جماعات أخرى من المتطرّفين المسلمين، و هي التي ستندمج مع الحركات الانفصالية المحلية.. الأمر الذي يجمع خبراء الإرهاب أنه يحدث فعلا، و يقول التقرير أن هذا النوع من الجماعات اللامركزية، دائمة التوالد و التشكّل، يكون كشفه و التغلّب عليه أكثر صعوبة
* * *

الذي يجب أن ننتبه إليه، أن الذي يحدث اليوم في الولايات المتحدة ليس جديدا، و هو حدث و يحدث في ظل الرئاسات سواء كانت ديموقراطية أو جمهورية.. باعتبار أنها نابعة من طبيعة نظام الحكم الأمريكي، القائم على سيطرة كبار الأغنياء على كل شيء ..
الخلاف بين ما كان يحدث دائما في الولايات المتحدة الأمريكية، و بين ما يحدث حاليا، هو اختلاف في الدرجة، و ليس في النوع .. غير أن التحوّل الأكبر في حياة البشر إلى مجتمع المعلومات، هو الذي يضخّم التناقضات التي يقوم عليها النظام الأمريكي ..
كيف رضخت الولايات المتحدة لذلك المخطط الجهنّمي الذي رسمت أبعاده جماعة من الأصوليين المسيحيين و اليهود، التي أطلقت على نفسها اسم " المحافظون الجدد " ؟ ..كيف أتيح لهذه العصابة أن يتضخّم نفوذها، الذي بدأ منذ أواخر أيام الرئيس ريجان ؟ ..
يعود الفضل في ذلك إلى اصطيادهم أنسب شخصية في التاريخ الأمريكي المعاصر .. جورج دبليو بوش !!، و هذه هي مفاجأة الرسائل التالية

خريطة المستقبل العالمي

مشروع 2020، يصدر ضمن الإطار الأوسع لمشروع " وضع خريطة للمستقبل العالمي " . و قد جاء
في مقدمة المشروع أن هدف هذه المشروعات هو إمداد صانع السياسة الأمريكية برؤية للطريقة التي يمكن بها أن تتطور التنمية البشرية، معرّفة بالفرص، و التطورات السلبية المحتملة، التي قد تحتاج إلى تحرّك سياسي .
لم يتم التفكير في هذه المشروعات في الأقبية السرية لأجهزة المخابرات الأمريكية، و لكن عن طريق
استشارة خبراء من جميع أنحاء العالم، خلال سلسلة من المؤتمرات الإقليمية، للوصول إلى منظور عالمي حقيقي . و في مشروع 2020، جرى استخدام التكنولوجيات المعلوماتية و الأدوات التحليلية، التي لم تكن متاحة في المشروعات السابقة . لقد طرح المشروع دراسة لأربعة سيناريوهات تخيلية، تعطي تنوعا من الصور للعالم الذي تخوضه أمريكا في المستقبل . و هذه السيناريوهات هي :
( 1 ) عام دافوس : و هو يصوّر كيف يمكن للنمو الاقتصادي العنيف الذي تقوده الصين و الهند، على مدى 15 سنة قادمة، أن يعيد تشكيل عملية العولمة، بإعطائها وجها غير غربي، ممّا ينعكس على صورة تغييرات في مجال التحركات السياسية أيضا .
( 2 ) السلام الأمريكي : و هذا السيناريو ينظر في مدى إمكان استمرار سيطرة الولايات المتحدة، في ظل التغيّرات الجذرية في ساحة السياسة العالمية، و التي تمهّد لنظام عالمي مختلف جديد .
( 3 ) خلافة جديدة : هذا السيناريو يطرح نموذجا لحركة عالمية، وقودها سياسات الهوية الدينية الأصولية، يمكن أن تشكّل تحديا للقيم و التقاليد الغربية، باعتبارها أساس النظام العالمي .
( 4 ) حلقات الخوف : هذا السيناريو يعطي نموذجا لما يقود إليه تكاثر الاهتمام بمواجهة التدخّل، من التورّط في عمليات و إجراءات أمنية، اقتحامية و غير مقبولة شعبيا، لمنع عمليات هجوم مميتة، ممّا يقود إلى خلق جو شبيه بالجو المخيف الذي رسمه أورويل في روايته الشهيرة .

عزل الولايات المتحدة

لفت هذا التقرير ، بعد نشره على موقع " المجلس القومي للاستخبارات الأمريكية "، انتباه الكتاب و المعلقين و الإعلاميين . و قد لفت نظري ما كتبه فريد كابلان في جريدة (سلايت ) تعليقا على هذا المشروع الذي يقول أنّه في هذا العالم الذي لا يبعد عنّا بأكثر من 15 سنة، يقول المشروع " ستعمل القوى القادمة الجديدة، و التي لن تقتصر على الصين و الهند، بل ربما انضمت إليها البرازيل و أندونيسيا .. ستعمل جميعا على تسريع التآكل في القوّة الأمريكية " . و يضيف المشروع أن هذا سيتم عن طريق اتباع " اسـتراتيجيات مرسومة لاستبعاد أو عزل الولايات المتحـدة، من أجل إرغامنا أو إغراءنا بالعمل وفقا
لقواعدهم .. " . و يقول كابلان أن السياسة الأمريكية تشجّع ذلك التوجّه، مستندا إلى ما جاء في التقرير من أن" انشغال الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، يتناقض إلى حدّ بعيد مع مقتضيات الأمن، في معظم آسيا " .
التقرير يقول أنه مع اعترافه بأهمية الحرب على الإرهاب، فهو يعتبر أن السؤال المحوري بالنسبة لمستقبل قوّة أمريكا و نفوذها، هو ما إذا كان في مقدور صنّاع السياسات بها " أن يقدّموا للدول الآسيوية رؤية مقبولة للأمن الإقليمي، و نظاما ينافس ـ و ربما يتفوّق على ـ ذلك الذي تقدمه الصين ؟ " . إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن " الولايات المتحدة تكون قد انفصلت عن ما هو في صميم مصلحة الولايات المتحدة . يقول كابلان " الحلفاء الآسيويون الحاليون، الأرجح أن يزداد احتمال التحاقهم بالقطار الصيني، ممّا يتيح للصين أن تخلق أمنها الإقليمي الخاص، مستبعدة الولايات المتحدة .." . و قد يصل الأمر بالنسبة لهذه القوى الجديدة، أن تبحث عن آخرين تحاكيهم، و في هذا قد يكون تطلّعها إلى أوروبا،، و بالتحديد الاتحاد الأوروبي، و ليس الولايات المتحدة، كنموذج للحكم العالمي و الإقليمي .
و إلى الرسالة التالية لنرى مصدر الخوف الحالي لأمريكا .. أعني العودة إلى عالم متعدد الأقطاب

الخميس، سبتمبر ١٣، ٢٠٠٧

أمريكا .. إلى أين؟



هل تتبدّد قوّة أمريكا ؟

كيف تم هذا الاستيلاء الكامل على مقادير الولايات المتحدة؟ ، و متى بدأ ذلك
لقد سعت الرأسمالية الأمريكية الكبرى إلى تشكيل مجموعة من الأصوليين اليهود، و المسيحيين الصهيونيين، بقيادة ديك تشيني، أطلقت على نفسها اسم " المحافظون الجدد "، و كان هدفها التنظير و التخطيط للمحافظة على أموال الرأسمالية الأمريكية، و تنميتها، على حساب أي شيء و كلّ شيء . وقد صدرت استراتيجيتهم تحت اسم " مشروع القرن الأمريكي الجديد "، و الذي يقول عنه دافيد آرمسترونج " خطتهم أن تحكم الولايات المتحدة العالم، و تمنع أي منافسين من الظهور، و أن تسيطر على الأصدقاء، و الأعداء في نفس الوقت ..لم تكن خطتهم أن تصبح الولايات المتحدة قوية، أو الأقوى، بل أن تكون القوة الأقوى المتفرّدة . مع ذلك فقد ظلّت هذه الخطة تدور "أساسا حول المال و ليس السيطرة
لقد نجحت عصابة المحافظين الجدد في الاستيلاء على أمريكا و رئيسها، و فرضت الحرب الأمريكية على أفغانستان، ثم الحرب على العراق التي لم تنته بعد، و بدأت تتلفّت بحثا عن حروب جديدة في سوريا، أو إيران، أو السودان .. و ربما تستدير بعد ذلك إلى فنزويلا أو كوبا
و مع تدفّق مئات المليارات إلى خزائن تجار السلاح، و استيلاء تجار البترول على منابع بترول الدول المحتلة، تمهيدا لضخها سريعا قبل أن تتغيّر الأوضاع . و في نفس الوقت جرى اختصار ميزانيات التعليم و الرعاية الصحية و التأمين الاجتماعي لأفراد الشعب الأمريكي .. فماذا بعد ؟ .. هل تسقط أمريكا و تتبدد قوتها في المستقبل القريب ؟
قبل أن يضحك أحدكم
قبل أن يضحك أحدكم ساخرا، من هذا الذي يشبه حلم اليقظة، أقول أن الإجابة عن ذلك السؤال تكفّل بها "مركز التفكير الاستراتيجي ـ في المجلس القومي الأمريكي للاستخبارات "، وفق تقرير يحمل اسم "مشروع "2020"، مكوّن من 119، على موقع " المخـابرات المركزية الأمريكـية "، على الإنترنيت .
صدر هذا التقرير، عن " برنامج التحليل الاستراتيجي للمجلس القومي الأمريكي للاسـتخبارات" الذي يهتم بالبحث المنهجي للتنمية في الألفية الجديدة . و كان قد صدر بعد العامين الأولين من عمر المجلس " التوجّهات العالمية عام 2015.. مجموعة حوارات حول مستقبل الخبراء غير الحكوميين "
و إلى الرسالة القادمة، لنرى خريطة المستقبل العالمي كما ترسمها مجالس الاستخبارات الأمريكية

الخميس، سبتمبر ٠٦، ٢٠٠٧

أمريكا إلى أين ؟

ما الذي يهدد أمريكا حاليا ؟

أهم ما يهدد الرأسمالية الأمريكية الحاكمة
· البترول، أو نوع الطاقة السائدة .
· السلاح، و نوع القوّة الشائعة .
· صناعة القرار، و نوع السلطة الحاكمة .
الطاقة الخطأ

الرأسمالية الحاكمة فهمت أن طاقة الحفريات، من بترول و غاز و فحم، لا تناسب طبيعة أو احتياجات مجتمع المعلومات، لعدة أسباب
( 1 ) لأنها طاقة غير نظيفة، تلوّث البيئة، في نقلها، و في استخدامها، و بما يصدر عنها من عوادم . بعكس أنواع أخرى مستحدثة من مصادر الطاقة، لا ينتج عنها ما يلوّث، مثل طاقة الاندماج النووي، و الطاقة الشمسية، و طاقة الأمواج أو طاقة باطن الأرض، إلى آخر ذلك
( 2 ) لأنها طاقة منقرضة، لا تتجدد، و تكاد أن تجف مصادرها في بعض المناطق، و يصبح الحصول عليها عملية غير اقتصادية في مناطق أخرى . في الوقت الذي تتوفّر فيه للبشر أنواع أخرى من الطاقة النظيفة الجديدة المتجددة .
( 3 )لأنها طاقة كانت ضرورية لمعظم النشاط الصناعي، خلال عصر الصناعة، لكنها غير ضرورية للصناعات المعلوماتية و الإلكترونية، التي تستهلك الأقل من الطاقة و الخامات .
الرأسمالية الأمريكية الحاكمة شعرت بالخطر الذي يتهدد مصالحها عند احتمال التحوّل عن الاعتماد على البتـرول، فقاومت محاولة الاعتمـاد على طاقة أخرى في تسيير السـيارات، و غيرذلك من المولدات و المحركات، و قررت أن تسارع بوضع يدها على مصادر البترول التي لم تستنفذ بعد، حتّى تطيل أمد أرباحها من السيطرة على تجارة و أسعار البترول
وكان هذا هو الخطأ الأوّل الذي ترتكبه أمريكا
القوّة الخطأ

وجدت الرأسمالية الأمريكية الحاكمة أن احتلالها العسكري لمخازن الثروة البترولية يتيح لها أن تضرب عصفورين بحجر واحد .. الاحتلال العسكري يعني حربا، و استخداما مكثّفا و مستمرا للسلاح، ممّا يسعد كبار تجار السلاح، و يقود إلى وضع اليد على منابع بترول جديدة ثرية، تسكت أصوات أبناء عصر المعلومات، المنادين بهجر البترول إلى مصادر أكثر نظافة و أمنا للطاقة ..
و هكذا تحوّلت أمريكا عن الاعتماد على قوة الثروة أو المعرفة، إلى قوّة العنف العسكري، التي تعتبر أسوأ أنواع القوّة و المفكر المستقبلي الكبير ألفن توفلر يرى أن قوّة العنف و القسر، كالاحتلال بالسلاح، تعتبر أسوأ الأنواع، فهي تولّد المقاومة، كما أنها غير مرنة، فهي لا تستخدم إلاّ في العقاب . و قوّة الثروة أو المال ـ على العكس من ذلك ـ تعتبر أداة قوّة أفضل بكثير، فهي تحقق الإثابة أو العقاب، وفقا للحاجة .. لذا يعتبرها توفلر نوعا متوسط القيمة .. ثم يقول توفلر أن أرقى أنواع القوة، تنبع من تطبيقات المعرفة .. قوّة العقل، التي تقوم عليها علاقات الحياة في مجتمع المعلومات . و هو يشرح قوله هذا قائلا " القوة ذات النوعية العالية، ليست ببساطة نوعا من السيطرة .. فهي تعني ما هو أكثر من هذا .. تعني الكفاءة : استخدام الأقل من مصادر القوّة للوصول إلى الهدف .. و هذا أيضا ما كانت الولايات المتحدة تسعى لإقناع العالم أنها تميل إليه، بعكس الدول الأوربية المستعمرة لشعوب العالم
لقد وجدت أمريكا نفسها مدفوعة بمصالح تجار السلاح و البترول، إلى الاعتماد على أقل أنواع القوة قيمة، قوة العنف المفرط الذي تستعرض ضروبه و مستحدثاته من الأسلحة الحربية في العراق، حيث توجد مخازن البترول
الأكثر ثراء، و أطول عمرا من مخازن بترول السعودية و الخليج، و غير ذلك من المستودعات التقليدية
و كان هذا هو الخطأ الثاني الذي ترتكبه أمريكا

الديموقراطية الخطأ

أغرب ما في الأمر، أنه على قدر ما يتكرر حديث بوش و من معه عن الديموقراطية و أهميتها، و ضرورة ضمان التزامها في الدول العربية و الإسلامية، فإن النظام السياسي الأمريكي أبعد ما يكون عن جوهر الديموقراطية . رغم توفّر عناصر الإكسسوار الديموقراطي الشكلي في الولايات المتحدة الأمريكية، من ترشيحات، و مجمعات انتخابية، و دعايات انتخابية، و مناظرات كلامية، و صناديق انتخابية، و انتخابات عادية و إلكترونية .. فمع هذا كلّه تبدو أمريكا اليوم أبعد ما تكون عن جوهر الممارسة الديموقراطية .. حتّى بالنسبة لديموقراطية عصر الصناعة، ديموقراطـية التمثيل النيابي ..
ما تأخذ به الولايات المتحدة الأمريكية هو " بلوتوقراطية "، أي ديموقراطية كبار الأثرياء . هذا ما يقول به الكثير من العارفين و من بينهم النائب العام الأمريكي السابق رامزي كلارك، الذي قال في حديث صحفي محتدا :
لسنا ديموقراطية .. هذا سوء فهم فظيع، و تشويه لسمعة الديموقراطية،نحن ( بلوتوقراطية ) أي حكومة أثرياء .. تركيز الثروة، و التفرقة بين الغني و الفقير في الولايات المتحدة لا تجد له شبيها في أي مكان آخر
و كان هذا هو الخطأ الثالث الذي ترتكبه أمريكا
و إلى رسالة تالية، لنرى الهوّة التي تمضي إليها الولايات المتحدة الأمريكية، نتيجة لهذه الأخطاء الكبرى، التي تقود إلى حالة من الانفصام، الناتج عن التقدّم التكنولوجي، و التخلّف الاجتماعي و السياسي في نفس الوقت . راجي

الثلاثاء، سبتمبر ٠٤، ٢٠٠٧

وسائل منع الفهم

وسائل منع الفهم
أفكار و آراء و سياسات الأذكياء في مصر..لماذا تصبح عقيمة ؟

لن أتكلّم هنا عن الأذكياء من محترفي العمل السياسي الغوغائي، و لا أنتوي الحديث عن الذكاء الانتهازي الذي يسيطر على حياتنا السياسية .. إنّما أتوجّه بالحديث إلى الأذكياء المخلصين لمصر، الجادين في البحث عن مخرج لها من مأزق التخلّف الحالي . فعلى مدى نصف قرن، عايشت المئات من المؤتمرات و حلقات البحث و الدوائر المستديرة، التي جمعت بين العديد من الأذكياء الجادّين، الساعين بصدق لحلّ مشاكل مصر، و البحث عن مستقبل مضيء لها.. و قرأت مئات المقالات الجادة عن هذا في صحافتنا .. لكن الواقع المرير يقول أن خلاصة الآراء و الأفكار و السياسات التي توصّل إليها هؤلاء الأذكياء، جاءت عقيمة، و لم تنجح في تشخيص المشكلة الحقيقية، و رسم الحلول العملية الواقعية .. السرّ وراء هذا كلّه، وسائل منع الفهم التي تشيع في حياتنا الفكرية
وسائل منع الفهم هذه، مصدرها سبب موضوعي، يتّصل بالتغيّرات الجذرية المتسارعة التي يمر بها المجتمع البشري، و التي تنقلنا من واقع و مبادئ و قوانين عصر الصناعة الذي ساد حياة البشر على مدى ما يزيد عن قرنين، إلى واقع جديد نابع من عصر المعلومات و الاتصالات، و له واقعه و مبادئه و قوانينه التي تختلف عن سابقه، بل و تتناقض معه .
و سأورد فيما يلي ـ باختصار شديد ـ جانبا من وسائل منع الفهم هذه، و التي تصاحب عملية التحوّل الكبرى التي يمر بها البشر، في جميع أنحاء العالم

ليس المزيد ممّا كان

يعوق فهمنا لما يجري، اعتبار أن الآتي هو المزيد ـ أو الأقل ـ ممّا كان . أي أن الأمر مجرّد تغيّر كمّي، يجوز فيه الخضوع لنفس المبادئ و القوانين التي اعتمدنا عليها، على مدى القرنين الماضيين .
و حقيقة الأمر أننا بصدد نسق حياة جديد تماما، تقوم على مبادئ و أسس جديدة في جميع المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية . و الفشل السائد ـ عندنا و في معظم المجتمعات البشرية ـ يرجع إلى محاولة فرض حلول تاريخية على واقع مستجد . فهم طبيعة مجتمع المعلومات الجديد، تفسّر لنا سر المشاكل الحالية المتضخّمة، في الاقتصاد، و التعليم، و الممارسة السياسية، و الإدارة، و الأسرة.
تشابك الظواهر
كما يعوق فهمنا، تصوّر أنه من الممكن النظر إلى كلّ جانب، و دراسته بشكل جزئي بمعزل عن الجوانب الأخرى .. كأن يتصور الإنسان إمكان لبحث عن حلول مستقبلية للتعليم، دون معرفة مستقبل اقتصاد عصر المعلومات، و اختلافه عن اقتصاد عصر الصناعة .
و هذا هو الخطأ الذي يقع فيه الوزراء بحكم تخصصهم، و هو أيضا الخطأ الذي وقعت فيه لجنة السياسات بالحزب الوطني عندما تصوّرت إمكان حل كلّ مجال على حدة، دون إدراك لتشابك الظواهر المستجدّة .
المصطلح كائن حيّ
و من أسباب الخلط، استخدام الكلمات و المصطلحات بمعانيها القديمة، دون الاتفاق عن معانيها الجديدة في ظلّ المجتمع الجديد . كلمة " الديموقراطية " قد لا تعني شيئا في مجتمع قبلي، و لكنها تعني الشورى في المجتمع الزراعي . و قد ابتدعت القيادات الفكرية لعصر الصناعة نوعا جديدا من الديموقراطية، ينسجم مع درجة تعقّد الحياة و تركيبها، أحدث شرخا في جسم سلطة اتخاذ القرار دخلت منه أعداد من الطبقة المتوسطة، لم يسبق لها أن دخلت ذلك المجال، و كانت تلك ديموقراطية التمثيل النيابي . و اليوم، تفقد هذه الممارسة الديموقراطية جدواها في كل أنحاء العالم، و بدأ المفكّرون في البحث عن أشكال للممارسة الديموقراطية تناسب المبادئ و الأسس الجديدة لمجتمع المعلومات، و بدأنا نسمع عن الديموقراطية نصف المباشرة، و ديموقراطية المشاركة، و التوقّعية

الأيديولوجيات السابقة

من أخطر وسائل منع الفهم، الانطلاق من نظرية أو أيديولوجية أو عقيدة سابقة، نبعت من ظروف مجتمعية تختلف عن الظروف الراهنة . يتّصل هذا بأهم أركان التفكير الناقد، الذي يلزم بمراجعة الافتراضات الأساسية التي تقوم عليها أي نظرية أو عقيدة أو نظام أو مذهب، للتثبّت من أن تلك الافتراضات ما زالت قائمة و سليمة .
مثال ذلك، ما نشهده حاليا من حديث عن السقوط النهائي للاشتراكية، و انتصار الرأسمالية، مع كلّ ما تعانيه الرأسمالية حاليا من مشاكل غير مسبوقة، يستحيل الوصول إلى حلّ لها.. و السبب هو أن الاشتراكية و الرأسمالية هما معا وجهان لعملة واحدة هي المجتمع الصناعي .. و أن هذه العملة ترفع حاليا من التعامل، بعد أن بدأنا الدخول إلى مجتمع المعلومات . النظريات و القواعد التي وضعت لمجتمع رعوي أو قبلي أو زراعي، لا يصحّ أن يأخذ بها أبناء المجتمع الصناعي، و كذلك لا يصح لأبناء عصر المعلومات أن يأخذوا بأي نظم أو نظريات أو عقائد نابعة من مجتمع سابق، إلا بعد التثبّت من أن الافتراضات التي
قامت عليها ما زالت سليمة

التغيير متكامل

من الأمور التي تسبب لنا الكثير من الخلط الفكري، و تعوق فهمنا لما يجري حولنا، تناول عنصر واحد من عناصر التغيير، و محاولة تصوّر المسـتقبل من خلال ذلك، دون أن ندخـل في اعتبارنا باقي التغييرات التي تتبادل التأثير فيما بينها .
لا قيمة لجهد أي وزارة من الوزارات، في مجال إعادة البناء من أجل العبور إلى مجتمع المعلومات .. على مدى نصف القرن الماضي، تعددت المشاريع الوزارية في هذا المجال، دون أن تنجح في تحقيق هدفها . في زمن التغيير الشامل الذي نعيشه، لا يمكن لوزير التعليم ـ أي وزير ـ لأن يعيد بناء العملية التعليمية دون أن يتم هذا بالتنسيق المحكم مع العمليات المناظرة في الاقتصاد و العمل و الممارسة الديموقراطية .
لو نجح وزير التعليم ـ بمعجزة ـ في التحوّل من تعليم التلقين الذي نعتمده، إلى التعليم القائم على التفكير الناقد و الابتكاري، أو التعليم خالق المعرفة .. إذا تم هذا دون أن يتم التحوّل من العمل القائم على العمالة العضلية إلى العمل القائم على العمالة المعرفية، فستكون النتيجة بطالة بنيوية شاملة .. و العكس صحيح . كلك سينهار المجتمع لو أتاح التعليم أجيالا تفكّر و تناقش و تبتكر، بينما بقيت ممارستنا الديموقراطية على حالها من الشكلية و الادعاء .
لهذا، كنت أقول دائما : لا يكفي أن نحصر مؤشرات التغيير الحالية لنفهم طبيعة الحياة التي نمضي إليها، بل لا بد من أن نفهم جيدا التأثيرات المتبادلة بينها .

أهمّية الرؤية المستقبلية

رصد مؤشرات التغيير الحالية التي تمر بها البشرية، ثم محاولة فهم طبيعة العلاقات متبادلة التأثير فيما بينها، هو الذي يتيح لنا أن نتبين معالم مجتمع المعلومات الذي نمضي إليه، و يسمح لنا بوضع رؤية مستقبلية شاملة تفيدنا في فهم حركة الأشياء المركبة، و نحن نعبر من عصر الصناعة إلى عصر المعلومات
الرؤية المستقبلية، هي التي ستتيح لنا أن نستنبط صورة الحياة القادمة في أي مجال من مجالات حياتنا الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية، دون أن تناقض في تصوّراتنا المختلفة . و هي التي تتيح لنا وضع الاستراتيجية العامة لإعادة بناء مصر، و الاستراتيجيات الفرعية، و الخطط طويلة المدى و قصيرته، و هي التي ستسمح لنا بوضع الأولويات المناسبة لقدراتنا و واقعنا الراهن